المنتصر أحمد
‫الرئيسية‬ مقالات بين الوصاية الخارجية والهيمنة الداخلية في ظل غياب البديل الوطني
مقالات - 12 فبراير 2026, 2:08

بين الوصاية الخارجية والهيمنة الداخلية في ظل غياب البديل الوطني

المنتصر أحمد

يقدم مقال أمجد فريد الطيب المعنون «نموذج الوصاية وخصخصة السياسة الدولية: الاستعمار الجديد كبديل للسلام في السودان» والمنشور باللغة الإنجليزية نقدا حاد لمقترحات تدويل إدارة الصراع السوداني لا سيما عبر ما يسمى بـ«مجلس السلام» وذلك رغما عن اغفاله حالة التدويل الانية والتدخل الخارجي المتعدد الاشكال اما عبر الدعم العسكري المباشر أو اللوجستي او حتى المالي لكثير من أطراف الصراع . وفي أحيانا بعض الجهات تغذي الحرب ببيعها للجميع عموما يكتسب المقال أهميته من كونه يتجاوز النقد الإجرائي إلى مساءلة أعمق لمآلات النظام الدولي وتحوله نحو أشكال جديدة من الوصاية متعددة الأطراف وهذا ما حفزني لتناوله في رد بصورة جادة أو هذا ما اعتقد على الأقل.
مقال أمجد رغم منطقه التحليلي يطرح إشكالات نظرية ومنهجية عميقة عند قراءته من منظور واقعي خصوصا فيما يتعلق بمفهوم واقع الهيمنة ودور الفاعلين الاجتماعيين وطبيعة الدولة محل النزاع.
أسعى عبر هذه الكلمات إلى تفكيك هذه الإشكالات وإبراز التناقضات الموضوعية في طرح أمجد فريد مع تقديم مقاربة بسيطة مقاربة تستند إلى البدائل التي يمكن طرحها كحلول للحرب الجارية من وجهة نظري ووجهة نظر كثيرين لم يختارو الدعم الواضح للجيش او المليشيات وانما اختارو جانب مصلحة الجماهير المغلوبة على امرها.

أولا من القوة إلى الشرعية

الهيمنة لا تقوم فقط على السيطرة القسرية العسكرية بل على القيادة الفكرية والأخلاقية التي تجعل النظام القائم مقبولا لدى المحكومين و ترى هذة القيادة الان في النخب التي عملت على صنفرة وجه النظام القائم لصبغه بصبغة الشرعية وبناء دعم جماهيري له ومن هذا المنطلق فإن أي مشروع تحرري لا يكتفي فقط برفض الهيمنة القائمة بل يسعى إلى بناء هيمنة مضادة عبر كتلة تاريخية قادرة على إنتاج شرعية بديلة مالم تكن لديه لديه اجندة أخرى.ينجح مقال أمجد فريد في تفكيك آليات الهيمنة الخارجية الجديدة لكنه يتوقف عند حدود الرفض دون أن يقدم تصور منطقي واضح لبناء سيادة وطنية مضادة داخل السودان
فمقاله يركز على توضيح من يسيطر خارجيا لفرض مجلس السلام المختلق لكنه لا يجيب عن سؤال من يقود داخليا ولا كيف تبنى الشرعية السياسية في ظل حرب وانقسام اجتماعي حاد.

ثانيا تناقض السيادة
من أبرز التناقضات في المقال افتراضه الضمني لوجود “سيادة وطنية” يمكن الدفاع عنها في مواجهة الوصاية الدولية يقدم هذا الافتراض بدون تفكيك طبيعة الدولة السودانية نفسها او المحاولة حتى

فإذا كانت الحرب كما يقر المقال صراع على طبيعة الدولة فإن الدفاع عن السيادة لا يمكن أن يتم بمعزل عن تحليل البنية الطبقية والعسكرية التي اختطفت هذه الدولة تاريخيا
وفق التحليل الواقعي والعملي الدولة ليست كيان محايد بل نتاج توازنات قوى اجتماعية غير أن مقال أمجد فريد يميل إلى تصوير الصراع في ثنائية مبسطة
تدخل خارجي فاسد من ناحية قصاد سيادة وطنية مهددة
متجاهلا أو متجاوزا أن هذه “السيادة” نفسها كانت ولا تزال أداة في يد تحالفات عسكرية–اقتصادية داخلية ذات صبغة ايدلوجية او تتجاوزها احيانا وفقا للمصالح الاقتصادية.

ثالثا غياب الفاعل الاجتماعي او غياب القوة المنظمة

ركز المقال على “الذاكرة الشعبية” ورفض السودانيين التاريخي للوصاية وغازل المشاعر لكنه لا ينتقل بهذه الذاكرة إلى مستوى الفعل السياسي المنظم وفي النقطة دي تحديدا تظهر فجوة مركزية في منطق المقال إذ يستدعي هنا أمجد الجماهير بوصفها مرجعية أخلاقية لا كقوة اجتماعية لها مصالح وتنظيمات وبرامج وهذا لعمري في غاية الغرابة ان يتم وضع قوة مثل الجماهير في غير اتجاهها الذي يخدم مصالحها وإنما في المقابل يتم حبسها في خانة المرجعية الأخلاقية فقط .
من منظوري الشخصي أرى انه لا يمكن للذاكرة أو الوعي المجرد أن يُنتج تحررا ما لم يتحول إلى:

* تنظيم سياسي
* برنامج اجتماعي
* قيادة جماعية
.
وهو ما لا يقدمه المقال للأسف ولا أمجد كذلك أيضا لأعبر ما يكتب و لأعبر روافعه الأخرى حتى الان على الأقل.

رابعا أطروحات بديلة نحو هيمنة مضادة من الأسفل
.
على النقيض من ذلك يجب أن نطرح مقاربة أكثر اتساق مع مفهوم الهيمنة المضادة وذلك حتى لا نقف في خانة النقد او التحليل فقط ونكرر خطأ الاخرين وانما نأخذ معا خطوة للأمام نحو اطروحات حلول تتمثل في:

1. توصيف الحرب باعتبارها صراع بين أجنحة البرجوازية العسكرية وبقايا الدولة العميقة لا حربا وطنية.
2. رفض الاصطفاف مع أي من أطراف الحرب وهنا أعني كل الأطراف من هو أداة طيعة بيد الخارج أو من هو حريص ان يغير تحالفاته الخارجية طالما ضمنت له بقائه كمؤسسة مسيطرا على السيادة أو حتى طرف يمكنه ان يضحي بثلث الشعب ليعود للسلطة بل أن نعتبر الشعب هو الضحية المركزية ونركز على مصالحه الحقيقية بدل ادعاء تمثيلها.
3. الدعوة لوقف الحرب عبر تعبئة جماهيرية مستقلة سودانية ذات مشروع ثوري وطني لا عبر صفقات إقليمية أو دولية.
4. التأكيد على إعادة بناء أدوات التنظيم الشعبي (نقابات، لجان مقاومة) تحالفات مع عضوية تنظيمات ثورية ليكونو جميعا فاعل سياسي.
5. طرح تفكيك الدولة العسكرية كشرط لبناء دولة مدنية ديمقراطية لا الاكتفاء بشعار السيادة والإصرار على تحويل شعار العسكر للثكنات والجنجويد ينحل إلى واقع عبر العمل من اجله لا ترديده فقط كدعاية سياسية.
هذه المقاربة لا تكتفي برفض الوصاية الدولية بل تسعى إلى إعادة إنتاج الشرعية من القاعدة الاجتماعية وهو ما ينسجم مع جوهر التفكير العملي.

خامسا من نقد التكنوقراطية إلى الوقوع في فخها
ينتقد مقال أمجد فريد تحويل السياسة إلى إدارة تكنوقراطية لكنه يقع في الفخ ذاته حين يتعامل مع السيادة كقيمة مجردة يمكن استعادتها بقرار سياسي دون صراع اجتماعي منظم فالسيادة في هذا السياق لا أظنها تستعاد عبر رفض “مجلس السلام” باللغة الإنجليزية أو بالعربية بل عبر إعادة توزيع القوة داخل المجتمع.

في الختام

يقدم مقال أمجد فريد نقد مهم صراحة لمحاولات إعادة هندسة النظام الدولي على حساب الدول المنهكة ويكشف بوضوح مخاطر الوصاية الجديدة ولكن هذا النقد يظل في احسن أحوال حسن النية فيه ناقص ما لم يصاحبه بمشروع داخلي لبناء الهيمنة المضادة يستند إلى الفاعلين الاجتماعيين والتنظيم الشعبي.

من منظوري إن:
رفض الهيمنة الخارجية دون تفكيك الهيمنة الداخلية لا يقود إلى التحرر ولكن يعيد إنتاج الأزمة بصور أخرى
.
وفي هذا الإطار تبدو المقترحات المطروحة أعلاه في سياق ردي أقرب إلى معالجة شاملة نوعا ما للصراع لأنها تنقل السؤال من كيف نمنع الوصاية؟
إلى من يحكم السودان؟
وبأي مصالح؟
وبأي قوة اجتماعية؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 3 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال