
من كوالا لمبور إلى برلين.. خطاب حرب أبريل يستجمع أطرافه
صلاح الزين
الخطاب غير معنيٍّ باختلاف الجغرافيا والطقس. له جغرافياه وطقسه وإنْ بدت المسافة بين كوالمبور وبرلين كما بين الثريا والثرى. فخطاب حرب أبريل 2023 له من سعةِ بنيةٍ خطابية تسمح له بالقفز من فوق المصدات الأيدولوجية وتباينات المكان. يملك من الحِيَلِ الخطابية ما يسمح له بتعدد وتنوع ألوان عباءته من غير الخروج عن سلطة الخطاب التي تَرى إلى حرب أبريل كحرب بين رأسَيْ الإله “جانيوس”: فلول وجنجويد.
في كوالالمبور ، يناير 2026، كان لقاء الحركة الإسلامية، الفلول، أحد رأسَيْ خطاب حرب أبريل، من شعبي ومؤتمر وطني وحركة الإصلاح بينما في برلين وفي ذات الشهر كان لقاء “صمود” مع المؤتمر الشعبي الذي لم يغِب عن لقاء حاضرة ماليزيا ليكون الخطاب برِجْليْن إحداهما في أوروبا والأخرى في آسيا لتنتصر حيَلُ الخطاب ومكره على اختلافات الطقس والمكان.
فالخطاب، أي خطاب، لا تَحُدّهُ الجغرافيا ولا تغاير لون سرج دابته. تتوفر بنية الخطاب على قدر من السيولة الخطابية التي تسمح له بالتمدد والتناسل من غير الخروج عن سلطة الخطاب.
كِلا اللقائين، في كوالالمبور وبرلين، يريان إلى الحرب كحربٍ بين الحركة الإسلامية، الفلول، والجنجويد. بكلام آخر، تتطابق “صمود” والفلول في النظر إلى الحرب بذات المنظار مما يستَدعي مساءلة رؤية “قحت”، بكل تحوراتها وصولاً إلى “صمود” في جنوحها، الخفي والمعلن، للاصطفاف مع رأس الخطاب الآخَر، الجنجويد، منذ العتبات الأولى للحرب إنْ كان في لقاء حميدتي في أديس أبابا، يناير 2024 أو عقب انشطار “تقدُّم” إلى “صمود” و”تأسيس”، نيروبي، فبراير 2025.
في لقاء أديس أبابا كانت الدعوة إلى تأسيسِ مجالسٍ محليّة لإدارة المناطق الواقعة تحت سيطرة الجنجويد بينما رأت “تقدُّم” إلى انشطار برتقالتها إلى “صمود” و”تأسيس” اختلافا في الوسائل مع وحدة الهدف بالنظر إلى الحرب كحربٍ بين رأسَيْ “جانيوس”، فلول وجنجويد. بقول آخر، تختلف وتتمايز الرؤى والتكتيكات السياسية بين الفاعلين السياسيين من غير الخروج على بنية الخطاب، إذ انشطار البرتقالة إلى نصفين لا يُعدِم البرتقالة كينونتها كبرتقالة ولا طعمها!! (انظر لعدة مقاربات كتبناها في هذا الشأن ونُشِرت في صحيفة مداميك).
ويصبح المشهد أمام نوعين من التاكتيكات: تاكتيك سياسي مقابل تاكتيك خطابي. الأول، السياسي، ليس سوى دَرَجِ الوصول للثاني، سياسة وسلطة الخطاب.
وبذلك تبدو بنية خطاب حرب أبريل 2023 برأسَيْها الجنجويدي والفلولي كحربٌ ونزاعٍ بينهما لتُخفي تلك المقاربة والمنهج النظر إلى خطاب الحرب بعين العقل التي تنحو نحو إخفاء ما هو خطابي وهي تنظر لما هو سياسي ليغيب النظر إلى خطاب حرب أبريل كخطابٍ وليس دهاءً سياسيًا يصير فيه العقل السياسي كعقلٍ إجرائيٍّ معنيٍّ بالسياسة كممارسة مخلوعة من حواملها الفكرية والطبقية والسياسية. بمعنى إخفاء الخطاب باستعلان السياسة كممارسة إجرائية خارج بنية الخطاب، ترى السياسة بمعزلٍ عن سلطة الخطاب فتستبدل القراءة التاريخية لبنية الخطاب وسُلطتِهِ بالمقاربة الإجرائية التي ترى إلى الممارسة السياسية كممارسة نصيَّة أدخَل في علم المهارة والدهاء منها إلى ما هو معنِيٌّ بالحياة والجمال.
هكذا يكون حضور الموتمر الشعبي، ضمن لقاء أطراف الحركة الإسلامية في كوالالمبور، ولقاء صمود مع ذات الأخير في برلين هُوَ هُوَ القول والنظر إلى حرب أبريل 2023 كحربٍ بين رأسَيْ “جانيوس”، فلول وجنجويد وهُما ذات الرأسَينْ اللذين أسقطهما الديسمبريون في 2019 وتولت قوى الحرية والتغيير “قحت” قيادة حكومة الانتقال. والحرب تشارف نهاية عامها الثالث تأتي ذات حكومة الانتقال برئاسة قوى الحرية والتغيير “قحت” التي، وبعد انشطارات وتحورات متناسلة في هيكليتها وقوامها وما تبعه من تسميات، تطرق أحد أبواب الحركة الإسلامية، المؤتمر الشعبي!!
إنه العقل الذي يرى إلى اختلاف المكان والجغرافيا كاختلاف في بنية الخطاب وسقالاته الفكرية والسياسية حتي وإنْ أصبحت حرب أبريل نافذة لتدخلات وتمفصلات إقليمية ودولية ليس أقلها ما شهدت به منظمات أممية وإقليمية من تدخلات دولة الإمارات في مجريات الحرب ودعمها المالي واللوجستي لميليشيا الجنجويد بالسلاح والعتاد الحربي و الذي يري إليه رئيس “صمود” كمجرد شيطنة لدولة الإمارات!! لتصبح حرب أبريل 2023 حربًا أهلية وليست حربًا أهلية (في) السودان، حرب مستزرعة implanted من قبل قوى إقليمية ودولية ذِراعُهُ رأسَيْ “جانيوس”: فلول وجنجويد.
الفصل والتمييز ما بين الممارسة السياسية وسلطة الخطاب يسمح بتعدد المستويات التي تحكم بنية الخطاب بينما المناورة السياسية ما يحكم السياسة في انفصالها عن الخطاب وسُلطته.
وفوق بَهو هذا الركام والفقر المنهجي والتاريخي للنظر إلى حرب أبريل، كحربٍ بين الفلول والجنجويد، كانت استضافة الرباعية (مصر، السعودية، الإمارات والولايات المتحدة الأميركية) مما يؤسس عودة الخطاب إلى مرابِعِهِ التي أصلًا لم يرتحل عنها ويفارقها: شراكة الدم كما أسماها الديسمبريون وشعارهم العسكر للثكنات والجنجويد ينحل.
التعليقات مغلقة.


نسي صديقي صلاح ما وجده الرأس الآخر من دعم وصل حد الانخراط في الحرب عمليا و هو قد فاق الرأس الآخر من حيث الدعم الإقليمي عددا ونذكر هنا مصر التي دخلت الحرب من قاعدة العوينات حسب ما جاء في صحيفة النيويرك تايمز و تتبعها تركيا إيران و اريتريا و تتماهى معها الصومال و أخيرا ذلك الدعم من العيار الثقيل المتمثل في موقف السعودية مؤخرا لجانب هذا الرأس الفلولي المتمنع عن أي خطوة لايقاف الحرب و الدخول في حوار السلام و إقامة الهدنة لتوصيل الإغاثة لملاين النازحين. هذه الجزئية تحتاج منك لمعالجة خطابها أيضا
مع استمتاعي الدائم بلغتك المتفردة و جهدي في فك طلاسمها
المقال جيد جدا و يناقش ازمة صمود التي تساوت مع المؤتمر الشعبي كما يقول المثل الدخول بصرفتين في عالم اصبح قرية و توفر المعلومات . و بؤس خطاب صمود يأتي من محاولتها للترويج لنفس الخطاب الذي اثبت فشله و قاد إلى الحرب دون الولوج حقيقةً للأسباب التي قادت لهذا الوضع المأزوم. اسف صغت على النجمة الاخيرة باعتبار انها قد تغطي على الكل ****.