
من هضبة التبت الصينية إلى معسكرات النزوح.. ألواح الطاقة الشمسية ليست مصدراً للطاقة فقط
تصور بيئي لإعادة إعمار السودان مع ربطها بالزراعة وخطط الآثار ومحاذير التعدين
م. خيري عبدالرحمن أحمد
مع تعاظم أهميتها، لم تعد الطاقة الشمسية في العالم اليوم مجرد خيار تقني لتوليد الكهرباء فقط، بل أصبحت في بعض السياقات أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والأرض، والربط العضوي لإحتياجاته الحياتية. ولذلك عندما انعقدت الجمعية السادسة عشرة للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (IRENA) يومي 11 و12 يناير 2026، إختارت أن يكون شعارها “تزويد الإنسانية بالطاقة: الطاقة المتجددة من أجل الازدهار المشترك”، بمشاركة أكثر من 1500 مندوب من مختلف دول العالم، وتزامن ذلك مع الذكرى السابعة عشر لتأسيس IRENA. وقد أكد المدير العام فرانسيسكو لا كاميرا في كلمته الافتتاحية أن جوهر التحول في مجال الطاقة أصبح لا يُقاس بعدد الميجاواط المُركبة، بل بما يحدثه من أثر مباشر في حياة الناس، قائلاً: “إن أعظم معيار لنجاح التحول نحو الطاقة المتجددة يكمن في الأرواح التي نمكِنها ونحوِلها من أجل تحسين حياة البشرية.”
هذا التصور يهمنا جدا في السودان، الذي يواجه بسبب الحرب تحديات النزوح، وتدهور الأراضي، وانهيار البنية التحتية، ويطرح ذلك سؤالاً عمليا: هل يمكن توظيف الطاقات المتجددة، وبالأخص الطاقة الشمسية كأداة لإعادة الإعمار والاستقرار، لا كمصدر طاقة فقط؟
وهنا أقول وبحزم (firmly): الأمر بالنسبة لنا مصيري ويرتبط عضوياً بواجب إستعادة وحدة الإعتزاز بالإنتماء للوطن والإخلاص في تعظيم شأنه، ليس عاطفياً، ولكن هذه المرة عبر برامج تنموية تعطي أولوية قصوى لإنسان المناطق التي عانت منذ وقبل الإستقلال ثم ذاقت الأمرين بعد إشتعال الحروب داخلها وأحرقت الغالي والنفيس. إن مرونة الطاقات المتجددة في التركيب والتشغيل بشكل مستقل، يضعها كأفضل الخيارات التي تناسب أطراف الوطن وفي مناطق التهميش.
التجربة الصينية: الطاقة تُغيّر المناخ وتربة الأرض
تقدّم التجربة الصينية في البيئات الصحراوية مثالاً لافتاً على هذا التحول، حيث أظهرت أن محطات الطاقة الشمسية، إذا صُممت وأديرت بعناية، يمكن أن تُنتج الكهرباء وتُسهم في تحسين خصائص التربة والغطاء النباتي في آن واحد. ففي هضبة التبت، في إقليم قينغهاي، أنشأت الصين مجمّعات شمسية تراكمية ضخمة بلغت في مجملها نحو 16-17 قيقاواط على مساحات تجاوزت 60 مليون متر مربع. والدراسات العلمية التي نُشرت في العديد من الدوريات تابعت الأثر البيئي لهذه المشاريع، وخلصت إلى نتائج غير ممتازة فاقت التوقعات في بعض جوانبها، من بينها:
* ارتفاع رطوبة التربة الصحراوية الجافة تحت الألواح.
* نجاح وتحسّن الغطاء النباتي بنحو 15% في بعض المواقع.
* زيادة محتوى الكربون العضوي في التربة.
* انخفاض التبخر وحرارة سطح الأرض.
النتيجة لم تكن فقط استصلاحا زراعيا مباشرا، بل هو تغير المناخ الناتج عن الظل الجزئي تحت الألواح وفي نفس الوقت تقليل فقدان رطوبة التربة، إضافة إلى الإستفادة من الكميات المحدودة من المياه المستخدمة في تنظيفها.
وهنا برز مفهوم الألواح الشمسية البيئية: أي أنها طاقة تؤدي دوراً بيئياً غير مباشر، عبر تهيئة الأرض بدلا من استنزافها.
السودان والحرب: الطاقة كأداة لإعادة الإعمار بالتوافق مع الري والزراعة والتنسيق مع الأثار والتعدين والتنمية البشرية
نحن لا نحتاج الى ذلك الحجم الكبير من الإنتاج مثلما في التجربة الصينية، مثلما لا نحتاج الى تركيز ما يمكننا إنتاجه في موقع واحد، ولا منطقة واحدة. على العكس تماما، نحتاج الى محطات إنتاج طاقات شمسية صغيرة معزولة عن الشبكة الكهربائية (Off-Grid) وموزعة بعناية على مناطق متعددة بناء على إحصاء علمي يؤشر الى مواقع التركيز السكاني وكذلك كميات الموارد وأنواعها. لكننا نورد مثال محطة قينقهاي الصينية لنستفيد من تجربة توظيفها لتحقيق هدف هام جدا بالنسبة لنا، وهو إستصلاح الأرض التي ستقام عليها المحطة الشمسية وما حولها. وما أحوجنا الى إستصلاح الأراضي الصحراوية الواسعة والتي هي أفضل مواقع لإنتاج الطاقة الشمسية. ومن الممكن أن تبدأ عملية الإصلاح قبل تركيب الألواح بزراعة كل مساحتها بأي نوع من المحاصيل التي تخدم إستصلاح التربة، ثم فرمه وخلطه بالتربة عند تقليبها بالكامل لتجهيزها للزراعة من تحت الألواح.
كم عانينا من عدم وجود خطة تنموية قومية تضع في إعتبارها التنسيق ما بين خطط كل القطاعات من أجل توفير متطلبات الناس بأفضل السبل وأقلها تكلفة. ونموذج ربط الطاقة بالزراعة يحقق ذلك ولو جزئيا. وربما سيكون من المطلوب وبكل حزم أن يُظهر كل مشروع يتقدم به أي قطاع، البرامج المشتركة التي يتضمنها مع بقية القطاعات.
في واقعنا الحالي، تشير التقديرات الإنسانية الحالية إلى أن السودان يضم:
أكثر من 9 ملايين نازح داخليا، ومنهم نحو 3 مليون شخص يعيشون في معسكرات أو تجمعات نزوح منظّمة بمتوسط: 10,000-40,000 شخص في المعسكر الواحد، لا تتوفر فيه كهرباء مستقرة، ويعتمد السكان على مولدات ديزل صغيرة عالية الكلفة في قيمتها وتشغيلها المتقطع، بينما تظل المياه والخدمات الصحية والتعليمية شديدة الضعف.
من جانب آخر إعادة بناء الشبكة القومية للكهرباء وتمديدها الى هذه المناطق قد تستغرق 5-10 سنوات، في حين أن مشروعات Off-Grid يمكن تنفيذها خلال 3-9 أشهر، ما يجعلها أداة مناسبة لمرحلة التعافي المبكر.
ولنأخذ مثال لنموذج معسكر نزوح أو تجمع عائدين (20,000 شخص)
* الاستهلاك الكهربائي الأساسي: 0.8 – 1.2 كيلواط ساعة للفرد في اليوم
* الإجمالي: 16-24 ميغاواط ساعة يوميا
* متوسط قدرة المحطة الشمسية المطلوبة: حوالي 3 ميغاواط مع بطاريات تخزين بقدرة 8-12 ميغاواط ساعة ( Optional )
* المساحة المطلوبة:
> كل 1 ميغاواط شمسي يحتاج تقريبا الى 15,000 – 20,000 متر مربع
> محطة 3 ميغاواط تحتاج تقريبًا 45,000 – 60,000 متر مربع
هذه المساحة المحدودة نسبيا يمكن استخدامها ليس فقط لإنتاج الكهرباء، بل أيضا كمنطقة ظل تساعد على تقليل تبخر التربة ودعم غطاء نباتي غذائي ورعوي خفيف، وكذلك تثبيت التربة والحد من العواصف الرملية وزحفها.
كيف نسقط درس الماء الصيني على السودان؟
في الصين، لعبت مياه تنظيف الألواح دورا غير مباشر في ترطيب التربة.
في السودان، يمكن تعظيم هذا الأثر عبر الاستخدام المدروس لمياه الحوض النوبي الجوفي “Transboundary Aquifer North Africa” وقد أصبح لزاما علينا أن نسخدم مياهه ما أمكن ذلك ! ولحسن حظ السودان هو يغطي الشمال حيث الإشعاع الشمسي المناسب للإنتاج الكهربائي، ويغطي أيضا غرب البلاد حيث تزداد معسكرات النازحين. فإذا قدرنا أن تنظيف الألواح يستخدم 5-7 لترات ماء لكل واحد م² في الشهر وهذا قد يحدث ترطيب موضعي للتربة لما هو ≤ 15% من مساحة الموقع، حيث تغطي الألواح ال 85% من المساحة. سنجد أن الاستهلاك السنوي يوازي ما هو أقل من 1-1.5% من استهلاك المياه لمشروع زراعي تقليدي على المساحة نفسها.
وبذلك يصبح الماء عامل تمكين للاستقرار البيئي، لا مصدر استنزاف طويل الأمد.
أمثلة ولائية لإعادة الإعمار
# نموذج يناسب شمال السودان ونهر النيل
> 10 محطات Off-Grid
> قدرة كل محطة: 3 ميقاواط (للمقارنة بمثال واقعي: محطة كهرباء الفاشر الشمسية كانت 5 ميقاواط)
> إجمالي القدرة: 30 ميقاواط
> المساحة الإجمالية: 450,000 – 600,000 متر مربع
> المستفيدون: 150,000-250,000 شخص
يمثل هذا النموذج إعادة إعمار وقائية، تقلّل الضغط على النيل وتُثبت القرى في مواقعها.
# نموذج يناسب دارفور وكردفان
> 20 محطة بقدرات 1.5 – 2.5 ميغاواط
> المساحة الإجمالية: 450,000 – 1,000,000 متر مربع
> المستفيدون: 150,000 – 400,000 شخص
هنا تكمن أهمية إستراتيجية تتحول فيها الطاقة الشمسية إلى أداة بناء سلام محلي عبر تقليل التنافس على المياه والأرض، وتفتح الأبواب لمشروعات زراعية ورعوية، بالإضافة الى إستقرار خدمات الصحة والتعليم وبالتالي التنمية البشرية. كما يساعد ذلك على تنظيم وضبط نشاطات التعدين وكذلك دعم خطط الآثار بدلا من تدميرها.
ماذا تعني هذه الأرقام لإعادة الإعمار؟
إذا استهدف السودان في مرحلة أولى 500,000 نازح:
القدرة المطلوبة: 60–80 ميغاواط Off-Grid
المساحة الإجمالية: 900,000 – 1,600,000 متر مربع ، أي أقل من 2 كيلومتر مربع لإعادة توطين نصف مليون شخص بتوظيف الطاقة النظيفة وفتح المجال الي الإعمار.
أختم لأقول: تُظهر التجربة الصينية أن الألواح الشمسية يمكن أن تكون أكثر من مجرد منشآت للطاقة، بل هي أدوات لإعادة تهيئة الأرض. وفي سودان اليوم وبسبب الحرب، فإن تبنّي نموذج الألواح الشمسية البيئية بنظام المواقع المستقلة من الشبكة الكهربائية (Off-Grid) يتيح الانتقال من منطق الإغاثة المؤقتة لمواقع النزوح إلى مشروعات إعادة إعمار تُخفف الضغط على الموارد، وتمنح الأرض فرصة للتعافي.
إعادة الإعمار ليست فقط إعادة ما تهدّم، بل تأسيس علمي لما يجب أن يصمد أمام صعوبات البناء القادمة.
المراجع
Zhang, Y. et al. (2023).
Ecological effects of large-scale photovoltaic power plants in alpine desert ecosystems.
Scientific Reports – Nature Portfolio.
> دراسة تحليلية حول تأثير محطات الطاقة الشمسية في قينغهاي على رطوبة التربة، الغطاء النباتي، والكربون العضوي..
International Renewable Energy Agency (IRENA). (2022).
Off-grid renewable energy systems: Status and methodological issues.
> مرجع أساسي لتقدير قدرات محطات Off-Grid، كثافة المساحة، ومتطلبات التخزين.
UNHCR. (2024).
Sudan Situation: Displacement and Humanitarian Needs Overview.
> تقديرات أعداد النازحين داخليًا، توزيع المعسكرات، وحجم التجمعات السكانية.

