‫الرئيسية‬ مفكرة الحرب عشرةُ مقاطعَ في امتحان الصَّمت
مفكرة الحرب - 2 فبراير 2026, 20:30

عشرةُ مقاطعَ في امتحان الصَّمت

شعر : بابكر الوسيلة
إلى: عادل القصَّاص …. (ذات صفاء.. ذات نهار سادس أخضر)
(١)
قد تصمتُ الكلماتُ في شفتِي،
وقد يخسرُ المعنى عباراتي
على شِعرٍ قديمٍ قُلتُه من ألفِ عام
قد أنسى طريقَ البيتِ
في “أُمدُرَّتي”
حتَّى ولو كانت بذاكرتي الأزقَّةُ بالرَّوائح،
فوحَ دِلْكتِها العميقةِ في حنان الأمَّهات.
وقد تأتي بغاثُ الطَّيرِ
تعبثُ في حديقتنا أمامَ البيت،
في معنى النَّوافذ،
في مغنَى مُخيَّلتي الصَّغيرةِ
(كنتُ طفلاً حينما لبِسَ العساكرُ صورةَ الشَّيطان في دبَّابة مرَّت أمامي).
وقد أتذكَّر الماضي
ولكن، لست أنسى النَّهرَ
والدُّنيا تقوم بشاطئينِ
تشاطرا عِبَرَ الحكايةِ،
صورةَ البُسطاءِ
يشتركون شَهْقاتِ الغَرَق.
عِمْ صباحاً أيُّها التَّاريخُ..!
فالفقراءُ ما زالوا
ببابك يقتسمون حبَّاتِ النَّبق..
صورتي بطُفُولتي منفًى لذاتي
وقلبي لا يُعيدُ القُبلةَ الأولى بأمدرمانَ إلَّا بالعناق الحُرِّ من معنى حياتي،
يستعيدُ شذى
الفلَق.
(٢)
(لا أعلَمُ والله بأيِّ معاني الجُرح
تدورُ الأرضُ بأسماء القُبح..
“بلادٌ في البليغ من الجراحة خانها التَّعبير!”
لكنَّي أعرِفُ طينةَ حُبَّي
أوسِّدُ رأسي عليها غداً.. في تراب المصير)
……………
لو عشتُ قليلاً في ساعات غدٍ،
سأَخرجُ من “هُنا” جسدي
-ولست بهانئٍ أبداً-
عن بِكرة مأهولِ أبي،
“هنا” في الهويَّةِ الَّتي جرَّحتها مشانقُ الذِّكريات الموشَّاة بالشُّهداء،
بالمكانِ المقدَّرِ للتَّضحيات،
المكانِ المقدَّسِ بين خيوط “هُنا”.
سأُتنفَّس أغنيةً خارجةً من روح عاشقةٍ تُبلِّل للتَّوِّ نكهةَ تلك الرَّسائل، بين يدَيها، القديمة.
سأُقابلُ معلِّمين
ذاهبين صباحاً إلى الفصل
هل يتعلِّمون من غُبار أرواحِ تلاميذِهم،
درساً بليغاً في الشَّهادةِ
شبَّ عن طَوق الشَّوارع؟
سأُسائلُ في سرِّي
قصيدةً عاجزةً
عن المجاز في حنانها المُرسَل.
حتَّى أنَّها تقولُ ليَ الحقيقةَ عاريةً ببلاغةٍ للأكاذيب مدهشة.
سأُقابلُ القاتلَ يلبسُ دَولتهُ أنيقاً
وهو يدوسُ على طعنةٍ شخصيَّةٍ في ذاته المهترئة.
سأُغازلُ الخبزَ في السُّوق،
يقول لي: اِطعِمْني من جوعك المُشتهَى.
سأُقابلُ الماءَ
وأنا أعبُرُ جدولَ الأيَّامِ على عجلٍ..
سيسألني الظًّمأَ المتعطِّشُ للقُبلةِ
تحت الخريرِ البدائيِّ للأغنيات.
غداً سأتعلَّمُ الخُلُودَ
من حصص الأملِ الشَّاعريِّ
في شهقة العالم،
ومن دُرُوس الأدبِ المتجدِّدِ
في قلب كلِّ زهرة.
(آهِ لو أموتُ قائداً لموجة
البنات في الشَّوارع
فيما أُدبِّر للرُّوح مقطوعةً للعَرَق).
سأُصادفُ تفَّاحةً
قُطِفت من عهد آدم..
وسقطتْ مشاغَبةً في يدي..
(ما كان آنشتاين قُربي
ولا حافظ حسين)
لأَفهمَ اللُّعبةَ الوُجُوديَّة..
كنت وحدي أجتذبُ الجاذبيَّةَ
وأوكِّد الفاعليَّةَ عند الصَّباح.
سأُقابلُ نُوح..
قبل رسْمِ السَّفينة..
كنتُ شاورتُه – قدرَ تجاربي في النَّجاة بتجرِبةٍ واحدةٍ في الغَرَق –
وتمَّ بناء المدينة..
غرِقَ البدائيُّون في الذِّكرى
إلَّا لمَن كانت له في غمرة الأشواقِ رُوح.
سأُواجه نفسي..
كنتُ فارقتُها بعد أن ضيَّعتُها
في محبَّة بلدي.
يا سلاماً على الأبد المؤجَّلِ
في صفاء الصَّفحة البيضاء،
في لمعة “ليلة السَّبت”
في الجندول!..
سأُراقصُ النَّيلَ عند خِصرِ الملتقى
مع البدائيِّين من حِلف العُراةِ
حول فراشةٍ في النَّار..
هُم أصحابُ نهرِ خُلُودهم في ضفَّتين:
الحبُّ
ثمَّ الحب.
(٣)
يُؤجِّلني الوقتُ عُمراً فعُمرينِ
من الرِّيح..
لأشهدَ هذا الخراب على البيت
يُهدِّدني الموتُ دوماً بأن أستريح
(هذا عبءُ أن تحيا بقلبٍ مُثقَلِ الطُّرُقات للمنفى
ويَحملُ في المدى
أشعارَهُ أوفى..
أسفارَهُ الأصفى
وهي تحتمل المَجامِرَ
بين أرواحٍ وريح)
يا نهايةَ صرخةِ الكلمات..!
حين تضيعُ على ضفَّة الأملِ الأشرعة
يا نهايةَ موجةِ النَّبَضات..!
إذا وقف النَّهرُ ضدَّ موجته المترَعة
يا منتهى سقطةِ الرَّايات..!
إذا مات طفلٌ على جُثَّةِ أُمَّهِ المرضعة.
يؤجِّلني الموتُ
حتَّى لأشهدَ دمعةَ أمَّةٍ ضائعة.
(٤)
في الظَّلام البدائيٍّ..
من خيمة جارتنا في المُعسكَر.
خرجتْ على اللَّيل عاريةً
أنثى الأغاني القديمة..
فها أنذا الآن
أتنفَّسُ
حريَّتي ..
وفكَّرتُ أن أتناسجَ في ردهات المخيَّم وحدي
وأن أنسجَ لي جناحينِ
يطيرانِ إلى الله
حتَّى أُقبَّلَ في الفجرِ قرآنَه..
بيد أنِّي رسمتُ سماءً
من غيوم الدُّموع عظيمة..
وسافرتُ أنَّى تمنَّى حبيبي على لحنها
بالحنين الطُّفولي
وصارت بلادي، على كلِّ حالٍ، رحيمة
أتذكَّر أنِّي، مع النَّهر، كنتُ كتبتُ قصيدتَها
ووضعتُ صورتَها على الصَّفحة الأولى من الدَّفتر..
مصبوغةً بدم العاشقِ المتوجِّسِ
أن يخسرَ أولى المعاركِ في الذِّكريات.
من أين جاءت الأغنيات
إلى جسدي؟
من خُمرة حُضنهنَّ المطهَّمِ بالأمسيات
في بلدي
أم من دِلكةِ تلك اللَّيالي الحميمة؟
(٥)
السََّّمواتُ سوداء..
يُؤسفُني أنَّ بلادي بعيدة..
وأن لا صاحبَ لي في القصيدة..
(يرفع الكأسُ عنِّي عناءَ هذا المساء)
شربتُ كثيراً من الظَّمأ العاطفيِّ،
حتَّى دموعَ الحوائط..
ما لوَّنت طفلةٌ وجهَها بالخربشات..
وما زلتُ أشرَبُ ماءَ الحنين على صفحة أمِّي..
أين هو الظِّل؟!
وأين هيَ الأغنيات؟!
(٧)
متهيِّئٌ في هذه الأيَّام للذَّكرى
أُسمِّي البحرَ أغنيةً لصوتك يا معلِّمتي
أسمِّي الأرض فستانَ الزَّفاف لليلة عُرسِنا
في الموكب البشريِّ..
كلَّ الكونِ قلبَكِ نابضاً
وكلَّ النَّاسِ زهراتٍ تَفتَّحُ إثرَ ضوئكِ يا…..
(٨)
لا، لن يجفًّ النِّيلُ في
شريانِ هذا النَّهل..
ولن تخونَ ضفافَه الذِّكرى
والقبلُ الصَّباحيَّاتُ عند الأهل.
أنت الواحدُ المتوجِّعُ المنفى
ولطالما طالتك عند طلوعك الأوجاعُ.
أنت وحيدُنا المتوحِّدُ
الأملُ الشُّجاعُ.
إن قلتَ انتموا للسَّيف،
قلنا الأرض ما كان الصِّراعُ..
وإن قلتَ ارتموا في النَّطع،
كان حبُّك مستطيعاً،
إنَّ موجَكَ مستطاعُ.
(٩)
توقَّفَ شِعري عن النَّبض فجأة..
بلادي على الأرض
تبدو بلا عُمدةِ أو عِماد..
وروحي مع الجرحِ جرداء..
حين حطَّ عليها الجراد.
السَّماوات سودانيَّةُ البًرجِ،
بلا أنجمٍ يا حبيبي
بلا قمرٍ للغناء..
وبلا حُلُمٍ في ليالي السُّهاد..
(كان البُكاءُ بدمعةٍ بَكْماءَ)
والبحرُ ليس الماء
بل أنَّني في الختم أجهلُ بَدْءَه.
توقَّف نبضي عن الشِّعر فجأة.
جاءتِ الحربُ والجائحة..
ومن يومها،
وقصيدتي مُجهَدةُ الأجنحة..
كلُّما مرَّ عليها طبيبُ الهواء،
ارتعش الهوى في مكامنه الشَّاعريَّة،
غير أنَّ الدَّواءَ
صار بين الدَِّّوَيِّ
مصلَ دُعاء..
توقَّف شعري ونبضي عن الأرض فجأة..
كانوا قُساة..
وكلَّما صوَّبوا الأسلحة..
سقطتْ صورةٌ من ذكريات الحياة.. صورةٌ كنتُ حتماً سأكتبها
بالمَجازِ الحقيقيِّ
قبل المَجازرِ والمَشْرَحة.
(١٠)
لو قطرتان من النَّدى
في جسمها المخضلِّ عند دُخَانها بالطَّلح والحُمَّى
تجرَّدتا، عفواً، خِفافاً من أغنيات النَّهرِ والذِّكرى،
وهاجرتا إلى لغتي..
لكنتُ سكنتُ جنَّتها
وسكبتُ عن شعري جداولَ
في جدائلها
وقبضتُ في الشِّعر الأبد.
لو أنَّها نامت على صدري
هناءَ هُنَيهةٍ
بعيداً عن تقاسُمِنا دُمُوعَ الحرب.
لكنتُ إلهها في الطِّينِ
حُضنَ إلهها في الحب..
لكنَّ الوَهَن.
لو أنَّها
لو أنَّها..
لكنَّها في الرُّوح خضراءُ الوطن.
——————————————————-
اللوحة (موقع الفنان التشكيلي راشد دياب)

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *