‫الرئيسية‬ مقالات آراء الثورة المهدية وذكرى فتح الخرطوم 26 يناير 1885
آراء - 27 يناير 2026, 19:22

الثورة المهدية وذكرى فتح الخرطوم 26 يناير 1885

بقلم/ سلمي محمد دَاوُدَ الخليفة
الثورة المهدية في سياقها التاريخي الصحيح
في كل عام، ومع ذكرى تحرير الخرطوم في السادس والعشرين من يناير 1885، يتجدد الجدل حول الثورة المهدية:
هل كانت ثورة تحرر وطني أم “حقبة سوداء” ينبغي نسيانها؟
غير أن السؤال الأهم لا يتصل بالموقف، بل بالمنهج.
و كيف نقرأ التاريخ ؟
وبأي أدوات؟
ولمصلحة من؟
حين تتحول الدعاية إلى “حقيقة تاريخية”
إن أخطر ما في الخطاب الذي يُقدَّم تحت عنوان «المسكوت عنه في تاريخ المهدية» ليس حدّة أحكامه، بل المنهج الذي يستند إليه.
فالتاريخ لا يُكتب بالانفعال، ولا يُقرأ عبر انتقاء شهادات أحادية، ولا يُفهم باستدعاء نصوص أُنتجت أصلًا في سياق الحرب النفسية الاستعمارية، ثم تُقدَّم لاحقًا بوصفها “شهادات محايدة”.
ويبرز هنا سؤال علمي لا مهرب منه…
هل يجوز، وفق أبجديات البحث التاريخي، و بناء سردية إبادة أخلاقية كاملة على مصادر كتبها خصوم الثورة، أو موظفو استخبارات، أو إداريون أُقيلوا من مناصبهم؟
الإجابة، عند كل المؤرخين الجادين، هي: لا.
الثورة المهدية في سياقها التاريخي الصحيح هي ثورة تحرر وطني لا
“غزوة همجية”
لم تكن الثورة المهدية حدثًا معزولًا أو انفجارًا دينيًا بلا سياق، بل جاءت استجابة مباشرة لواقع مركب تمثل في
استعمار تركي–مصري مدعوم أوروبيًا
استغلال اقتصادي فادح
تفشي تجارة الرقيق
قمع ديني واجتماعي
تهميش شبه كامل للأغلبية السودانية
لهذا السبب، حظيت الثورة المهدية بتقدير عالمي لافت، حتى من خارج السودان ودوائر التعاطف المحلي.
فريدريك إنجلز وصف الإمام المهدي بأنه الزعيم السوداني الذي هزم الإنجليز في الخرطوم.
الصحافة الأيرلندية عبّرت صراحة عن تعاطفها مع السودانيين في نضالهم ضد المحتل.
شو إن لاي، رئيس وزراء الصين (1964)، اعتبر الإمام المهدي رمزًا للتحرر العالمي، لا السوداني فحسب
هذه ليست روايات شفوية أو أساطير وطنية، بل مواقف موثقة في أرشيفات عالمية. تفنيد دعوى
“استباحة الخرطوم”
بين الوقائع الميدانية والدعاية الاستعمارية
1. التركيبة السكانية للخرطوم عام 1885
تؤكد دراسات
بروف مكي شبيكة
د. محمد سعيد القدال
د. أبوسليم
إن أكثر من 80% من سكان الخرطوم آنذاك كانوا من الأجانب، منهم أوروبيون، وشوام، وأتراك، ومصريون، ويونانيون، في حين كان السودانيون أقلية مُهمَّشة داخل عاصمتهم.
وهنا يفرض السؤال نفسه..
كيف تُصوَّر معركة تحرير مدينة ذات طابع استعماري كثيف على أنها “مذبحة ضد سكانها الأصليين”؟
2. أوامر الإمام المهدي الموثقة المنشورات والرسائل المحفوظة بدار الوثائق القومية تُظهر بوضوح أن قيادة الثورة المهدية حرّمت قتل المدنيين، حرّمت الاعتداء على النساء، أوجبت حماية من يُغلق بابه، أوجبت حماية من يستسلم، وفرضت عقوبات صارمة على أي تفلت أو تجاوز، بل إن الإمام المهدي نفسه عبّر في أكثر من رسالة عن غضبه وألمه من أي انتهاك، واعتبره خروجًا صريحًا عن قيم الثورة وأهدافها.
وهنا يبرز سؤال أخلاقي وتاريخي جوهري..
هل تُحاسَب الثورات بأوامر قيادتها ومقاصدها، أم بأفعال المتفلتين الذين وُجدوا – وسيظلون – في كل الحروب؟
حين يكتب التاريخ خصومه
الاستناد المكثف إلى كتابات
إبراهيم فوزي
أوهرواليدر
سلاطين باشا
يمثل مأزقًا علميًا حقيقيًا، وقد نبّه إليه مؤرخون كبار، من بينهم…
البروفيسور يوسف فضل
فيرغس نيكول
هولت
نورمان دانيال
إذ ثبت تاريخيًا أن هذه المؤلفات كُتبت أو عُدّلت تحت إشراف المخابرات البريطانية
استُخدمت لتبرير إعادة احتلال السودان عام 1898
امتلأت بالمبالغات، واللغة الإثارية، والتعميم الأخلاق
فكيف تُقدَّم هذه النصوص اليوم بوصفها «المسكوت عنه»، بينما هي في الأصل المنطوق الاستعماري بامتياز.
لماذا يُعاد هذا الخطاب كل عام في ذكري فتح الخرطوم؟
إعادة شيطنة الثورة المهدية اليوم ليست مجرد نقاش تاريخي بريء، بل تنطوي على مخاطر سياسية حقيقية، من بينها..
تغذية خطاب الكراهية والانقسام
تفكيك الرموز الوطنية الجامعة
إسقاط صراعات الحاضر على الماضي
تبرير ضمني لانتهاكات معاصرة عبر تشويه التاريخ
وهو مسار بالغ الخطورة في بلد يعيش أصلًا حالة حرب وتفكك اجتماعي.
نعم، الثورة المهدية ليست معصومة.
ونعم، وقعت أخطاء ، كما هو حال كل الثورات الكبرى.
لكن الفارق شاسع بين
نقد تاريخي مسؤول يسعى للفهم والتعلّم
وهدم رمزي متعمد يعيد إنتاج سرديات استعمارية قديمة بثوب جديد.
إنَّ الوفاء الحقيقي لتضحيات السودانيين لا يتحقق عبر جلد تاريخهم، ولا بتشويه رموزهم أو شيطنتها، بل عبر قراءة واعية ومنصفة لتجربتهم الوطنية؛ قراءة متوازنة وعلمية تصون الذاكرة من التزوير، وتمنح الأجيال حق الفهم لا حق الكراهية، وتحصّن الحاضر من إعادة إنتاج المأساة ذاتها بأسماء جديدة وأخطاء قديمة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 1.3 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال