‫الرئيسية‬ ثقافة نزوح النازح: قراءةٌ في سردية الحيِّزِ والمكان ( 12 )
ثقافة - 20 يناير 2026, 14:14

نزوح النازح: قراءةٌ في سردية الحيِّزِ والمكان ( 12 )

صلاح الزين

اختلافُ الرواةِ ولسانُ الحُلُمِ: ما المكان وما الحيِّز؟؟

النازحُ كائنٌ ينتقِلُ من المكان إلى الحيز.
الأول، أعني المكان، مُعرَّفٌ بعاداتٍ هي فيه لازمةٌ له كلونِ البشَرة وفصيلةِ الدم. بينما الأخير، أعني الحيز، بعاداتٍ بمِثلِ اختلافِ لونِ السماءِ شتاءً وصَيْفًا.

الكائنُ يُعرَّفُ بالنازحِ عند الانتقال من المكان، مكانهِ، إلى حيزٍ لا علاقةَ له بمكانهِ، كانتقالِ الغيمَةِ بين منخفَضَيْن، عالٍ ومنخَفِضٍ.

المكانُ “الهُنا” لا حيّزَ له وإنْ كانَ فهو ما أهملَهُ المكانُ سهوًا فيُصِحُّ فيه ما يُصِحُّ على صلاةِ السهوِ: استعادةُ ما سهوْتَ عنه إنْ كان صلاةً أو مصافحةً.
بينما المكانُ “الهُناكَ” يتقاصر عن تعريفِ نفسهِ، فيُعرِّفهُ الحيزُ ويُعْرَفُ به: مجردُ خلاءٍ منثورٍ في بَريَّةِ المجهول، والمجهولُ ليس من عاداته السهوُ حتى يلَزمَهُ استعادةَ ما سها عنه، إنْ كان صلاةً أو تحيةْ. مكانٌ بحيِّزاتٍ لا تُعرِّف المكان إذِ السهو لا يُعرِّف المعلوم والماثل في تردُّدِهِ مقابلَ حيِّزٍ بلا مكانٍ في استحالةِ صيرورةِ الحيِّز مكانًا بعاداتٍ ورحمة.

خِصامُ الحيِّز والمكان يستوطِنُ في المسافة بين الجُبْلَةٍ والإيحاء: الأولى تشي بالإنوجاد بينما الأخير يُلمِّح إليه ولا يكونه. الأولى يؤثِثُها المحسوسُ والدائمُ، بينما الثاني فقيرٌ من ما هو دائمٌ وهناك، كامتلاءٍ وشحوبِهِ أو برقٍ لم يكتمل نصْلُهُ وخانَهُ الغيم.
إنها سرمديةُ الخصومةِ بين المكانِ والحيز، مكانٌ بحيِّزٍ وحيِّزٍ بلا مكان. وبذلكَ يكون النزوحُ ابتعادٌ من عاداتِ المكان إلى حيزٍ آخرَ تجهل عاداته وما يقتضي منها.

والنازحُ هو ذاك الكائنُ العابرُ بنعالٍ من ريحٍ بين المعلوم والمجهول، كإرادة إلهٍ تتنازعه آلهة أخرى فيما يجب أن يكون عليه الحال.

النزوحُ فتنةٌ نائمة توقِظُها الحربُ فتُصارُ إلى حربٍ أخرى بين النازحِ وذاتِهِ. حربٌ عَلنُها في السرّيِّ وما لا يُرى. فيصبح النزوحُ مهارةً ودرايةً مِثلُهُ مثل العيش. مهارةً لا تقِلُّ عن مهارةِ القط في اصطياد فأرٍ بأربعة جحورٍ، أو قُل تمييزُ تبدُّل عطرِ المنديل وبقاء ذات القلب (الرمز) المفطور ومفردات جواب الغرام.

النزوحُ من المكان يستولدُ، ضمنَ أُخرٍ، نزوحات أخرى: الصمديةُ والشعار، كما الترجمة وبوطيقيا القول. فهو انزياحٌ من حيِّز الخطابِ، على سعتِهِ، إلى خطابِ الحيِّز، على ضِيقِهِ.

النازحُ ينتقلُ في المكان ويستقر معلولًا في الحيِّز في أوديسةِ إبحارٍ من الدائم إلى المؤقت، كما هطولَ الماءِ من سماءٍ تضيقُ به إلى أرضٍ وسهولٍ تسِعهُ أو نحلةٍ تَعصِفُ بها ريحٌ من فوقِ شفاهِ وردةٍ واحتمالِ شهدٍ.

الحيِّزُ دابةُ اللجوءِ والأفقِ الأخير لبحَّارةٍ يروْنَ ضوءَ منارةٍ تعكِسُهُ صفحةُ الماءِ ولا تجود به بَريَّةُ اليابسة. فالحيِّز يتلِفُ صحنَ العادة لحينٍ من غير أنْ يغسِلَهُ، بينما اللجوء يطيحُ بالصحنِ والتوابل.

الحيِّزُ، عكس اللجوء، لا يستلزم أو يورِّث لغةً أقصرَ من تنُّورةِ اللغةِ الهناك، بينما الأخير مقدودٌ من لغةٍ بذاكرةٍ زَلِقة وطينٍ بحاسةِ شمٍّ وقرونِ استشعار. حتى لسانَ الحُلم يختلفُ باختلافِ المراوحةِ بين مكانٍ يُفضي إلى حيِّزٍ وحيِّزٍ يفضي إلى لجوء. إنه العبورُ بين حدودٍ وظلالٍ لبلوغِ الأفقِ الأخير إنِ استطعت لذلك سبيلا.

تتناسلُ الحيزات فتتناسل عاداتٍ لا ذاكرةَ لها كهبوبٍ غشِيَت جبالًا وسراب.

ما أحقرَ الحيِّز البلا جدرانٍ تَسِع بخارَ الذكريات وتهِبُها قوامًا لا ينقصفُ كخيبةٍ تتوسد ما تحت اللسان أو نكتةٍ بايخةْ!!

النزوحُ جغرافيةٌ بعطرٍ حيٍّ يُرشدُ إليها بينما اللجوء تاريخٌ يحيلُ الآلهة إلى عُطلةٍ من غير صلاةٍ ودَنَسٍ ذميمٍ وحساب.

النزوحُ أمانةٌ في عُنُقِ الغيمِ الرحيمْ، والمكانُ شجرةُ حرازٍ تلعنُ الغيمَ وتزدريه.

الأمانةُ نفيُ الحيِّز من غير إفناءٍ يُنجبُ شهادةَ ميلادِ اللجوء بلا قابِلةٍ أو حتى إمضاءُ طبيبٍ وزغرودة.

ويبقى نزوحُ النازحِ انتقالًا ثانيًا من حيِّزٍ إلى آخرَ يُنهِكُهُ وَهْنٌ وغروبُ شمسِ عاداتِ المكان الأول، الأول كإلهٍ لم يُنجِب ذريةً بَعدُ، أو قصيدةً تبحثُ عن أبجديةٍ بحِبرٍ سرّيٍّ يُكملُ قولَ القصيدةِ الأولى ويلَوِّحُ لقافلةٍ تغذُّ السيرَ نحو نقصانٍ به يكونُ شرطَ تمامِ الاكتمال.

هكذا يظلُ النازحُ في نزوحهِ الأول ونزوحاتٍ أخرى محتملةٍ كائنًا طرَفيًا يرمُقُ ابتعادَ المكانِ، مكانه، وصيرورته حيزًا آخرًا لمكانٍ بلا عاداتٍ تَهِبُهُ فضيلةَ أنْ يكونَ مكانًا للعيش والسلام.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال