‫الرئيسية‬ مقالات من السودان إلى إيران.. الشمولية تقرا من نفس الكتاب ونفس الصفحة في السلم وفي الحرب
مقالات - 14 يناير 2026, 17:58

من السودان إلى إيران.. الشمولية تقرا من نفس الكتاب ونفس الصفحة في السلم وفي الحرب

بكري الجاك مدني
لم يكن مستغربا البتة أن يقول بعض دعاة الحرب باسم الدفاع عن الدولة و مؤسساتها في السودان أن ثورة ديسمبر لم تكن سوي فعل خارجي و ليس لها جذور داخلية تتعلق بالاحتجاج علي مسيرة الفشل الطويلة الموثقة لنظام الإسلاميين الذي كان (و مازال) أكبر مهدد للدولة السودانية، مثل هذا القول كان يصدر مرارا من جهاز أمن البشير منذ أن كنا طلابا في الجامعات و لكن أن يصدر ممن تصدر مشهد الثورة سابقا ليؤكد لحلفاء اليوم من تحالف المال و السلطة في معسكر الحرب الداعم لتحالف القوات المسلحة و المليشيات القبلية أنهم ليسوا فقط نادمين على مشاركتهم في الثورة (عن قناعة أو مهمة أمنية) بل اوغل بعضهم في التطرف باتهام الغرب و الامارات و إسرائيل بصناعة ثورة ديسمبر وكأنها حدث يمكن صناعاته و كأنما الامارات لم تكن فعليا تحتكر جل حركة الاقتصاد السوداني من صادر و وارد و بإرادة الإسلاميين انفسهم؟ بل و خرج بعض من الذين ظنوا في أنفسهم أنهم مرجعيات و سلطات معرفية ليتحدثوا في شؤون حركة المجتمع و التاريخ (و لوسائط التواصل الاجتماعي في خلقها شؤون) ليبدو تخوفهم علي حراك الإيرانيين مدعين أنه ربما يكون خطرا علي الدولة. و ذهب بعض متوهمي احتكار المعارف أن معادلة ثورات الربيع العربي كانت بين الأمن و الاستقرار و السيادة مقابل الحرية و الديمقراطية و العدالة و خلص أحدهم أن ثورة ديسمبر فرّطت في السيادة و رجّحت كفة الحرية علي حساب السيادة و الاستقرار و كأنما ما تم من قبل البشير من فتح البلاد و تحويلها الي مستنقع فساد و ما يتم الآن من استباحة للسيادة (بعرض كل البلاد للبيع و الاستعمار) و الاستقرار (وهل هناك مهدد للاستقرار أكثر من الحرب) ليس له وجود لا في الذاكرة و لا الواقع.
و خلص بعضهم إلى أنهم يمتلكون التأهيل المعرفي و الأخلاقي المستمد من ترصد القوي المدنية و دعم الحرب في السودان لتقديم النصح في شكل وصاية للشعب الإيراني، الذي خرج إلى الشوارع مطالبا بالحرية و الحق في الحياة الكريمة، بأنهم يجب أن يتخلوا عن حلمهم بالحياة الكريمة التي تصون الكرامة (كما حرب الكرامة) لصالح السيادة و الاستقرار لأن الغرب يتربص بهم و بدولتهم ( المناظر هي ذاتها و الصور نفس المشاهد)
الغريبة أن السلطات الإيرانية التي اغتالت أكثر من الالفين 2000 متظاهر (نساءا و رجال) حسب تقارير موثقة نقلتها العديد من القنوات مثل ال CNN واليوم اقامت السلطات الإيرانية مأتم جماعي ( مع هتاف الموت لأمريكا) لما اسمتهم قتلي الأجهزة الأمنية الذين تم قتلهم بواسطة كوادر الموساد المتظاهرين في شوارع ال 21 محافظة في ايران حسب الكذبة البلقاء، بل ذهب أستاذ جامعي داعم لنظام الملالي في حديث لل BBC قائلا أنه لا يوجد متظاهرين البتة و كل الذين يهتفون في الشوارع، و الذين يقدرون بالملايين، بأنهم مجرد كوادر للموساد و المخابرات الغربية، و المدهش ليس في المقاربة التي تلوم الخارج فهذا ديدن و منهج الشمولية القديم المتجدد و لكن في القول و بكل جهالة أن الغرب جند ملايين الناس ليتظاهروا و لم يرمش جفن للسلطات الإيرانية و لا لسدنتها من أساتذة الجامعات و نخب السلطان من ترديد مثل هذه الأكاذيب التي هي اقرب الي القول أن أحدهم التقي بالأمس بالعنقاء و الغول في التقاطع.
المحير في أمرنا هل كان داعمي تحالف القوات المسلحة و المليشيات القبلية تحت ذريعة الدفاع عن الدولة و مؤسساتها من العدوان الخارجي ( حسب السردية التي أصبحت كالغول لتناقضاتها المنطقية) و الذين ادعوا و مازال بعضهم يصر أنهم مع مبادئ و قيم ثورة ديسمبر هل كانوا شموليين من دعاة السيادة و الاستقرار طوال تاريخهم و هل فعلا هم ضد الحرية و العدالة و ضد الغرب و ضد الديمقراطية، هل هم سدنة الإنقاذ و مشاركتهم في الثوة كانت مجرد توزيع اداور أم أنهم أناس تعقدت عليهم تشابكات و تقاطعات الواقع؟ و اذا كان الأمر مجرد حالة اشتباك مع الواقع فلما الإصرار علي سرديات الشمولية و كتابها في ايران و في السودان و لما الإصرار علي هذه السرديات التبسيطية المخلة في سياق أكثر تعقيدا و يحتمل مقاربات أكثر موضوعية؟
ثم منذ متي كانت السيادة بقرة يجب أن تقدس حتي عندما تغتال كل القيم الإنسانية المتعارف عليها وفق كل المعايير والأعراف الإنسانية، و من الذي له الحق في تقرير أمر السيادة؟ أوليس الإيرانيين، مثل السودانيين، أولي من اي كائن بالإجابة علي هذه الأسئلة؟
ثم هل يمكن أن تدفع الايجار و تشتري خبز و تسدد رسوم المدارس بعدد عشرة وحدات “سيادة” و خمسة وحدات “كرامة”؟ هذه هي أسئلة الانسان البسيط الذي يدّعي الشموليون أنهم يوفرون له الاستقرار و السيادة و الكرامة، متي يفهم الشموليين الذين يعرفون كل شيء حتي أهمية الهواء لحياة الناس و يقتلونهم ل(مصلحتهم) باسم حماية السيادة و صيانة الكرامة من الغرب أن الناس هم من يقرر في هذه المعاني و دلالاتها؟ القمع المفرط سيدفع الناس لحمل السلاح كما حدث في ميانمار و غيرها و ربما سيحدث في ايران و حينها ستكون حجة لوم الخارج أكثر نجاعة.
و بالفعل الشموليين جميعهم كما ملوك البوربون لم يتعلموا شيئا و لم ينسوا شيئا، و الساقية لس مدورة نفس الأحداث و نفس المنهج بتغير الزمان و المكان.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال