‫الرئيسية‬ مقالات التنافس الدولي على المعادن النادرة وانعكاسه على الاستقرار فى أفريقيا
مقالات - 14 يناير 2026, 0:13

التنافس الدولي على المعادن النادرة وانعكاسه على الاستقرار فى أفريقيا

*صلاح خليل

تمثل المعادن النادرة مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والنيوبيوم، ومعادن الأرض النادرة عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه في صناعات البطاريات والمركبات الكهربائية والتوربينات الريحية والإلكترونيات الدقيقة. وبات تأمين إمدادات هذه المعادن يشكل ركيزة محورية للأمنين الاقتصادي والعسكري، فضلًا عن دوره الحيوي في تحول الطاقة العالمي.

وتمتلك القارة الأفريقية احتياطات ضخمة من هذه الموارد الاستراتيجية، أبرزها الكوبالت والذهب والليثيوم والنحاس، في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وموريتانيا وجنوب أفريقيا، ما يجعل القارة ساحة رئيسية للتنافس الدولي لتأمين سلاسل الإمداد العالمية. كما تمتلك أفريقيا مجموعة من 17 عنصرًا معدنيًا أساسيًا تمثل العمود الفقري للتقنيات المتقدمة في مجالات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والإلكترونيات والدفاع. وتُستخدم هذه المعادن في تطبيقات عالية الأداء، مثل الفوسفور المستخدم في الشاشات والمحفزات الصناعية، ويزداد الطلب العالمي عليها بوتيرة متسارعة بفعل التحول نحو الطاقة النظيفة والابتكار التكنولوجي.

الأهمية الاستراتيجية للمعادن النادرة

تُعد المعادن النادرة من الموارد ذات الأهمية الاستراتيجية العالمية، نظرًا لدورها الحيوي في دعم صناعات التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الطاقة المتجددة، وأنظمة الدفاع المتقدمة، والإلكترونيات الدقيقة والاستهلاكية. وتنبع قيمتها الإستراتيجية من كونها عنصرًا رئيسيًا في سلاسل الإمداد العالمية، ومن تركّز إنتاجها ومعالجتها في عدد محدود من الدول، مما يمنح تلك الدول أدوات نفوذ وتأثير جيوسياسي واقتصادي كبير.

إن الطلب المتسارع على التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون، وما يرافقه من توسع في إنتاج المركبات الكهربائية، وتخزين الطاقة، والتقنيات الرقمية المتقدمة، أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في أهمية هذه المعادن، وتحولها من مجرد سلع خام إلى أدوات قوة استراتيجية. فالدول التي تسيطر على عمليات الاستخراج أو التكرير أو التقنيات المرتبطة بها تمتلك اليوم قدرة متزايدة على التأثير في موازين القوى الاقتصادية والعسكرية العالمية.

وترتبط المعادن النادرة كذلك بصلب العلاقة بين الأمن الاقتصادي والسياسات الصناعية. وفي هذا السياق، تمثل أفريقيا نموذجًا معقدًا؛ إذ تحتوي على احتياطات ضخمة من هذه الموارد، لكنها تواجه تحديات بنيوية في إدارة ثرواتها المعدنية ضمن النظام الجيواقتصادي العالمي الجديد. فالدول الأفريقية ذات اقتصاديات السوق الحرة غالبًا ما تفتقر إلى الأدوات المؤسسية والسياسات الصناعية التي تمكّنها من حماية أمنها الاقتصادي أو تحقيق قيمة مضافة من استخراج هذه المعادن.

كما أن الاعتماد شبه الكامل على الصين في مجالات التنقيب والتكرير والتصنيع، يجعل القارة الأفريقية في وضع تبعية هيكلية ضمن سلاسل الإمداد العالمية. وحتى الآن، فشلت غالبية الدول الأفريقية في بناء منظومات وطنية قادرة على تقليل هذا الاعتماد أو جذب استثمارات تكنولوجية مستقلة في هذا القطاع الحيوي.

ولكي تحقق الجهود الأفريقية أهدافها في هذا المجال، سيكون من الضروري أن يعيد صانعو السياسات داخل القارة تصور نموذج العمل التجاري الحالي، وأن يتبنوا آليات جديدة تقوم على التكامل الإقليمي، ونقل التكنولوجيا، وتطوير الصناعات المحلية المرتبطة بالتعدين والتكرير. كما يجب تعزيز الشفافية في عقود التعدين، وتحسين بيئة الاستثمار لضمان توزيع عادل للعوائد وحماية الموارد للأجيال القادمة.

ومن المتوقع أن ينمو سوق المعادن النادرة بشكل متسارع خلال العقد المقبل، مدفوعًا بقطاعات المركبات الكهربائية، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الناشئة، مما يجعل السيطرة على هذه الموارد أحد المفاتيح الأساسية لمستقبل التحول الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.

إجمالًا، يمكن القول إن الحفاظ على الأمن المعدني العالمي يتطلب تعاونًا دوليًا وتوازنًا في المصالح بين الدول المنتجة والمستهلكة، لضمان استدامة هذه الموارد الحيوية، وتقليل التوترات الجيوسياسية المحتملة حولها.

استراتيجيات القوى الكبرى: تحركاتها وأدواتها

اختلفت استراتيجيات القوى الكبرى من أجل تعزيز حضورها في مجال المعادن النادرة التي أصبحت محركًا للسياسة الدولية، ويمكن توضيح هذه الاستراتيجيات على النحو الآتي:

1- الصين: تتبنى الصين استراتيجية شاملة ومترابطة تهدف إلى السيطرة الكاملة على سلسلة القيمة في قطاع المعادن النادرة، بدءًا من عمليات التعدين والاستخراج، مرورًا بالتكرير والمعالجة، وصولاً إلى الصناعات التحويلية المتقدمة مثل إنتاج المغناطيسات وقطع الغيار والتقنيات الدقيقة. وتعتمد بكين على مبادرة الحزام والطريق كأداة رئيسية لتمكين شركاتها من النفاذ إلى الأسواق الأفريقية وتأمين مواردها الطبيعية، عبر مشاريع بنية تحتية ضخمة تربط الاستثمارات الصينية بحقوق تعدين طويلة الأمد.

كما توظف الصين أدوات متعددة تشمل الاستثمارات السيادية عبر البنوك والشركات المملوكة للدولة، والعقود طويلة الأمد مع الدول الأفريقية المنتجة للمعادن، مما يمنحها نفوذًا اقتصاديًا واستراتيجيًا متزايدًا في القارة.

وتُعد الصين اليوم القوة المهيمنة عالميًا في هذا القطاع، إذ تسيطر على نحو 60% من عمليات تعدين المعادن النادرة وأكثر من 90% من عمليات التكرير والمعالجة، وهو ما يمنحها قدرة شبه احتكارية على الإمدادات الخام والمعالجة. وتستخدم بكين كذلك سياسات تصدير انتقائية وقيودًا تكنولوجية عندما تقتضي مصالحها، وقد توظف هذه الإجراءات كورقة ضغط سياسية واقتصادية عند الضرورة. وبذلك أصبحت الصين تمتلك نفوذًا مزدوجًا على كل من المواد الخام وسلاسل التصنيع النهائية في السوق العالمي.

2- الولايات المتحدة: تركز الاستراتيجية الأمريكية على تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين، من خلال بناء شراكات استراتيجية مع الدول الحليفة وتعزيز القدرات المحلية في مجال التعدين والمعالجة. كما تعتمد واشنطن على الحوافز الصناعية والمالية لجذب الاستثمارات، إلى جانب برامج دعم التعدين في الدول الصديقة مثل استراليا وكندا وعدد من الدول الأفريقية، وذلك بهدف تأمين سلاسل الإمداد الحيوية وتجنب المخاطر الجيوسياسية.

بالإضافة إلى ذلك، تستخدم الولايات المتحدة أدوات القوة الناعمة مثل الدعم الاقتصادي، والتعاون التقني، وبرامج الشفافية والحكم الرشيد، مقابل النفاذ إلى الموارد الطبيعية. وتلجأ عند الضرورة إلى الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على الدول التي تعارض توجهاتها الاستراتيجية.

ويشار إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن كانت قد أطلقت في عام 2022  شراكة الأمن المعدني (MSP) التي تضم 14 دولة، بهدف “تسريع تطوير سلاسل توريد متنوعة للمعادن الحيوية بالتعاون مع القطاع الصناعي”. كما أدرجت الولايات المتحدة التمويل المحلي للمعادن ضمن قانون خفض التضخم، وعقدت اتفاقيات ثنائية في مجال المناخ والمعادن الحيوية مع دول مثل استراليا واليابان. وتسعى واشنطن عبر هذه الجهود إلى تحقيق الاكتفاء الاستراتيجي وتقليل الاعتماد على الصين، من خلال تطوير قدراتها الصناعية المحلية، وتوسيع شبكات الشراكة والتعاون في أفريقيا وآسيا.

3- روسيا: تتبنى موسكو نهجًا مزدوجًا يجمع بين الأمن والاقتصاد لتحقيق نفوذها في قطاع الموارد الأفريقية. وعلى المستوى الأمني، تستخدم روسيا القوات شبه العسكرية مثل فاغنر (أو ما يعرف لاحقًا بالفيلق الأفريقي) لتقديم خدمات أمنية وتدريب لقوات الشرطة والجيوش المحلية في دول مثل مالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وبوركينا فاسو. في المقابل، تحصل الشركات الروسية على حقوق تعدين واستخراج الموارد المعدنية، بما في ذلك الذهب والمعادن النادرة، ضمن عقود طويلة الأمد.

أما على المستوى الاقتصادي، فتعمل موسكو من خلال شركات ووكلاء محليين لتأمين عقود امتياز للتنقيب عن الموارد، كما حدث في أفريقيا الوسطى حيث حصلت شركات روسية على امتيازات تعدين مقابل الدعم الأمني.

ويعتمد هذا النهج على استغلال الفراغ الأمني والسياسي في بعض الدول الأفريقية لربط المصالح الاقتصادية الروسية بعلاقات أمنية مباشرة، مما يمنح موسكو نفوذًا جيوسياسيًا واقتصاديًا متزايدًا في مناطق حساسة من القارة.

وهكذا يمكن القول إن الصين تعتمد على الهيمنة الاقتصادية والبنية التحتية كوسيلة نفوذ طويلة الأمد، بينما تركز الولايات المتحدة على التحالفات والشراكات الصناعية لضمان أمن الإمدادات، في حين توظف روسيا الأدوات الأمنية والعسكرية لتعزيز نفوذها الاقتصادي. وفي ظل هذه الاستراتيجيات، تُعد أفريقيا اليوم ساحة التنافس الجيواستراتيجي الأهم بين هذه القوى، في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة التي تعتمد أساساً على المعادن النادرة.

أهداف وأدوات القوى المتنافسة

تُعد القارة الأفريقية اليوم واحدة من أهم الساحات الجيوسياسية للتنافس الدولي حول الموارد الاستراتيجية، وخاصة المعادن النادرة والنفيسة التي تمثل أساس الصناعات التكنولوجية والعسكرية والصناعات في قطاع الطاقة الحديثة. لهذا تسعى القوى الكبرى، وفي مقدمتها الصين والولايات المتحدة وروسيا، إلى تعزيز نفوذها في هذا القطاع، مستخدمة مزيجًا من الأدوات الاقتصادية والسياسية والأمنية لتحقيق السيطرة على الموارد المعدنية الحيوية.

وتحت غطاء التنمية، تعمل العديد من القوى الإقليمية والدولية على توظيف أنشطة التعدين كوسيلة للنفوذ والسيطرة السياسية والاقتصادية، بذريعة المساهمة في تنمية اقتصاديات الدول الأفريقية أو تنويع مصادرها. لكن في الواقع، تستخدم هذه الأنشطة في كثير من الأحيان كأداة لإدامة حالة عدم الاستقرار الداخلي من خلال دعم أطراف الصراع المختلفة، بهدف تسهيل الوصول إلى الموارد أو توقيع عقود تفضيلية طويلة الأمد.

ويلاحظ اختلاف أدوات القوى الدولية في إدارة نفوذها داخل قطاع المعادن الأفريقي، لكنها تشترك في الهدف الإستراتيجي ذاته وهو تأمين الموارد وتقييد نفوذ المنافسين. فمن جهتها، تعتمد الصين على أدوات الاستثمار والبنية التحتية المشروطة، وفي سياق ذلك تستخدم مبادرة “الحزام والطريق” كأداة لتوقيع عقود تعدين طويلة الأمد، مقابل بناء موانئ وطرق وسدود في بلدان مثل الكونغو الديمقراطية وزامبيا وأنجولا. هذا النمط من “التمويل مقابل الموارد” يمنح الصين نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا مستدامًا.

أما روسيا فتوظف الشركات الأمنية والعسكرية الخاصة ومجموعات مثل فاغنر والفيلق الأفريقي لتأمين مناجم الذهب والماس واليورانيوم في أفريقيا الوسطى ومالي والسودان. هذه الشركات تعمل تحت غطاء “التعاون الأمني”، لكنها في الواقع تؤمِّن مصالح اقتصادية روسية مقابل خدمات عسكرية.

أما الولايات المتحدة والدول الغربية فتعتمد على التحالفات التجارية والسياسية، حيث تعقد شراكات رسمية في التعدين والطاقة النظيفة، مثل مبادرة الشراكة من أجل البنية التحتية العالمية (PGII) وشراكة الأمن المعدني (MSP). وتهدف هذه المبادرات إلى إيجاد بدائل آمنة لسلاسل التوريد الصينية وضمان مصادر مستقلة للمعادن الحيوية. كما تستخدم مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتوجيه السياسات الاقتصادية الأفريقية بما يضمن شفافية العقود وتطبيق معايير “الاستخراج النظيف”، لكن في الوقت ذاته تمنحها أدوات ضغط غير مباشرة على قرارات التعدين الوطنية.

ويلاحظ في هذا الصراع أن الصين تحتكر القدرات التكنولوجية في معالجة وتكرير المعادن، بينما تسعى الولايات المتحدة لتوطين هذه الصناعات محلياً. هذا الصراع يمتد إلى مرحلة ما بعد الاستخراج، حيث يصبح التحكم في التكرير والتصنيع أهم من السيطرة على المناجم ذاتها.

وفيما يخص أبرز مناطق التنافس، فمن الواضح أنها تتركز في عدة مناطق رئيسية وهي: جمهورية الكونغو الديمقراطية – التي تعتبر مركز إنتاج الكوبالت والكولتان، وتشهد أعنف النزاعات المدفوعة بالمعدن – إضافة إلى السودان وتشاد – حيث هناك تنافس روسي–صيني–خليجي على الذهب واليورانيوم-. كذلك هناك وجود في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهي مناطق نفوذ روسي متزايد عبر الشركات الأمنية مقابل انسحاب جزئي للدول الغربية. كما أن هناك تنافسًا بين الصين والدول الغربية في موزمبيق ومدغشقر، حيث يوجد الليثيوم والنيكل والعناصر الأرضية النادرة.

التداعيات واستراتيجيات المواجهة

أعادت المعادن النادرة إلى القارة مربع عدم الاستقرار، حيث تتغذى الصراعات الداخلية في دول مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية والسودان وأفريقيا الوسطى وتشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وحوض نهر موزمبيق على الارتباط المباشر بين الاقتصاد غير الشرعي للمعادن وتدخلات الفاعلين الخارجيين. إذ تمثل تجارة المعادن غير النظامية أحد أهم مصادر تمويل الجماعات المسلحة والمتشددة والمليشيات المحلية، مما يزيد من اتساع رقعة العنف وبؤر التوتر وانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة في مناطق القرن الأفريقي والبحيرات العظمى ومنطقة الساحل الأفريقي.

كما أدى التنافس الدولي في الأخير إلى زيادة الاعتماد الخارجي للدول الأفريقية على القوى الكبرى، عل نحو قاد إلى تفاقم النزاعات المحلية نتيجة تسليح وتمويل المليشيات عبر تجارة المعادن. ومن ثم تآكلت السيادة الوطنية في إدارة الموارد الطبيعية، ولم تراعي هذه الأطراف الخارجية والداخلية التنوع البيولوجي والمناطق المحمية بفعل التعدين غير المشروع في هذه الدول. وهكذا يظهر المشهد الأفريقي اليوم كساحة معقدة من التحالفات الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية، تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى مع الفواعل المحلية غير الرسمية. فبينما تسعى الصين للهيمنة الاقتصادية، تعمل الولايات المتحدة على تأمين سلاسل الإمداد، وتسعى روسيا إلى ترسيخ نفوذها الأمني عبر أدواتها العسكرية.

إضافة إلى ذلك، تتزايد مخاطر النزاعات والعنف المجتمعي، بعدما ازداد عدد الاحتجاجات وأعمال العنف المرتبطة بالتعدين في العديد من الدول، بسبب ضعف التعويضات، أو الإجلاء القسري للسكان، أو المنافسة بين الشركات المحلية والأجنبية. وتشير التقديرات إلى تسجيل مئات الحوادث الأمنية سنويًا المرتبطة بأنشطة التنقيب غير المنظم عن المعادن النادرة.

كما أن الواقع يؤكد تآكل مؤسسات الدولة، بعدما أدى تدخل الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، مثل مجموعة فاغنر الروسية، إلى تقويض سلطة الدولة في بعض الدول كـأفريقيا الوسطى ومالي، حيث مُنحت هذه الشركات امتيازات تعدين مقابل خدمات أمنية، مما عزز سلطة أمراء الحرب والمليشيات المحلية، وأطال أمد النزاعات.

وأخيرًا، عمّق التنافس على المعادن حالة الاستقطاب الجيوسياسي الاستقطاب الإقليمي والسياسي، إذ أصبحت بعض الدول الأفريقية تميل إلى محور الصين وروسيا، في حين تسعى أخرى إلى التحالف مع الدول الغربية. هذا الانقسام يهدد بتحويل أفريقيا إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى الكبرى، ما بين دعم أمني وقواعد عسكرية محتملة ونفوذ سياسي داخلي.

وبذلك، تظل الدول الأفريقية هى الساحة التي يدار عليها هذا التنافس، ما لم تُطوّر استراتيجيات موحدة لإدارة مواردها وتعزيز قدرتها التفاوضية والسيادية. لهذا، على الرغم من التحديات، بدأت بعض التحركات الأفريقية الرسمية في مواجهة آثار هذا التنافس، من خلال أطر استراتيجية على المستوى القاري والإقليمي، أبرزها:

1- استراتيجية الاتحاد الأفريقي للتحول نحو المعادن الخضراء (Africa’s Green Minerals Strategy): تركز على تعظيم الاستفادة المحلية من القيمة المضافة عبر تطوير التكرير المحلي، والتصنيع الإقليمي، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد.

2- رؤية التعدين الأفريقية (Africa Mining Vision – AMV): تهدف إلى إعادة صياغة علاقة أفريقيا بالموارد الطبيعية، وتحويلها من مصدر خام إلى ركيزة للتصنيع والتنمية المستدامة. كما تدعو إلى مشاركة الإيرادات بشكل عادل، وتعزيز الحوكمة البيئية والاجتماعية، وربط سياسات التعدين بالبنية التحتية القارية، خاصة للدول الحبيسة.

هذه الأطر القارية تمثل محاولات جادة لقلب معادلة “الموارد مقابل البنية التحتية” التي تفرضها القوى الكبرى، والسعي لبناء نموذج تكاملي أفريقي يربط الموارد بالصناعة والتنمية المحلية.

3- تنويع الشركاء الخارجيين: تسعى العديد من الدول الأفريقية إلى موازنة العلاقات الدولية عبر فتح مجالات التعاون مع شركاء متنوعين (الصين، الولايات المتحدة، روسيا، الاتحاد الأوروبي، والهند)، بما يعزز القدرة التفاوضية ويُحسن شروط التعاقد والاستثمار.

4- تحسين الحوكمة والشفافية: شرعت بعض الدول في إصلاح القوانين التعدينية عبر فرض ضرائب ورسوم أعلى، وإعادة التفاوض على العقود القديمة، مثلما فعلت زامبيا وتنزانيا والكونغو الديمقراطية. إلا أن تطبيق هذه السياسات لا يزال متفاوتًا وضعيفًا بسبب محدودية القدرات الإدارية، وضغوط المؤسسات المالية الدولية.

وبالمجمل، يمكن القول إن مستقبل أفريقيا في قطاع المعادن يعتمد على قدرتها على التحرك الجماعي، وتبني سياسات استثمارية موحدة على مستوى الاتحاد الأفريقي. كما تحتاج الدول إلى تطوير قدراتها الصناعية المحلية، وإنشاء تحالفات إقليمية لتكرير وتصنيع المعادن بدل تصديرها خامًا. كما يجب تعزيز الشفافية والرقابة البيئية ومكافحة الفساد لتقليل الاعتماد على الخارج وبناء اقتصاد معدني مستدام يحول الثروة الجيولوجية إلى تنمية بشرية حقيقية.

ختامًا، تشكل المعادن النادرة محورًا استراتيجيًا جديدًا في النظام الدولي، إذ أصبحت أساس الصناعات الحديثة والتحول نحو الطاقة النظيفة، مما جعل تأمينها أولوية كبرى للقوى العالمية. وتمتلك أفريقيا النصيب الأكبر من هذه الثروات، خاصة في دول مثل الكونغو الديمقراطية والسودان ومالي، وهو ما جعلها ساحة رئيسية لتنافس القوى الكبرى: الصين والولايات المتحدة وروسيا، من أجل السيطرة على مواردها.

وتسعى الصين إلى الهيمنة عبر السيطرة على كامل سلسلة القيمة، من الاستخراج إلى التكرير والتصنيع، مستفيدة من مبادرة “الحزام والطريق” ومن استثمارات ضخمة في البنية التحتية مقابل امتيازات تعدين طويلة الأمد. أما الولايات المتحدة فتركز على بناء شراكات مع الدول الحليفة وتنويع سلاسل الإمداد، مدعومة بمبادرات مثل شراكة الأمن المعدني (MSP) والشراكة من أجل البنية التحتية العالمية (PGII) لتقليل الاعتماد على الصين. بينما تعتمد روسيا على أدواتها الأمنية والعسكرية، لاسيما الشركات الخاصة مثل فاغنر، لتأمين مصالحها الاقتصادية في مقابل الدعم الأمني والسياسي لحكومات هشة في أفريقيا الوسطى ومالي والسودان.

هذا التنافس أدى إلى تعقيد المشهد الأفريقي، حيث ارتبطت أنشطة التعدين بتمويل الجماعات المسلحة ودوام الصراعات الداخلية، مما فاقم من ضعف الدولة، وتآكل السيادة الوطنية، وتصاعد انتهاكات حقوق الإنسان، خاصة في مناطق البحيرات العظمى والساحل الأفريقي. كما ساهمت سياسات “الموارد مقابل البنية التحتية” في ترسيخ التبعية الاقتصادية، بدلًا من تعزيز التنمية المحلية.

في المقابل، تحاول أفريقيا مواجهة هذه التحديات عبر أطر قارية جديدة مثل رؤية التعدين الأفريقية (AMV) واستراتيجية المعادن الخضراء للاتحاد الأفريقي، واللتين تهدفان إلى تحقيق القيمة المضافة محليًا من خلال التصنيع والتكرير، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتنويع الشركاء الخارجيين.

ومع ذلك، لا تزال هذه الجهود تواجه تحديات هيكلية مثل ضعف المؤسسات وضغوط القوى الكبرى وعدم التكامل الإقليمي. ومن ثم، فإن مستقبل أفريقيا في هذا القطاع يعتمد على قدرتها على بناء نموذج تنموي مستقل يقوم على التكامل الاقتصادي والتصنيع المحلي وإدارة الموارد بشفافية وعدالة، بما يحوّل الثروة المعدنية من مصدر صراع إلى رافعة حقيقية للأمن والتنمية المستدامة.

*باحث في العلوم السياسية

نشر المقال علي موقع  مركز  الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *