
قرار فصل محامين يعمّق أزمة استقلال القضاء ومهنة المحاماة
مداميك: ندى رمضان
أثار قرار فصل وإيقاف تراخيص 31 محامياً ومحامية في السودان موجة واسعة من الجدل والاستنكار في الأوساط القانونية والسياسية والحقوقية، بعد أن أصدرته لجنة قبول المحامين بمدينة بورتسودان، متضمناً إنهاء عضوية المحامين المفصولين من نقابة المحامين، ومنعهم من مزاولة المهنة بشكل كامل.
ويأتي القرار في ظل أوضاع سياسية وأمنية معقّدة تشهدها البلاد، وانقسام مؤسسي طال العديد من الأجسام المهنية، وعلى رأسها نقابة المحامين، ما أضفى على الخطوة أبعاداً تتجاوز الجانب المهني إلى سياق سياسي وقانوني بالغ الحساسية.
مبررات القرار:
وبررت لجنة قبول المحامين قرارها باتهام المحامين المفصولين بالانضمام إلى حكومة تأسيس الجناح السياسي لقوات الدعم السريع، واعتبرت أن ذلك يشكل مخالفة صريحة لقانون المحاماة لسنة 1983 المعدل في 2014. وأشار القرار إلى مخالفة المواد 25 و27 و65 و66 من القانون، وهي مواد تتعلق بشروط مزاولة المهنة، والسلوك المهني للمحامي، والعقوبات التأديبية، واختصاصات الجهات النقابية المختصة. غير أن القرار، وفق معارضيه، لم يوضح كيف تحققت المخالفة أو طبيعتها، ولم يسند الاتهامات إلى وقائع محددة أو مستندات منشورة.
موضع نزاع:
الاعتراض الأبرز الذي واجه القرار تمثل في التشكيك في شرعية الجهة التي أصدرته. إذ يؤكد قانونيون أن نقابة المحامين التي تتبع لها لجنة قبول المحامين جرى حلّها عقب ثورة ديسمبر 2018 بموجب قرارات دستورية، ضمن مسار تفكيك مؤسسات النظام السابق.
ويشير محامون إلى أن الجهة الوحيدة المخولة قانوناً بإدارة شؤون النقابة حالياً هي لجنة تسيير نقابة المحامين السودانيين، ما يجعل أي قرارات تصدر من أجسام موازية أو منتحلة للصفة، عديمة الأثر القانوني.
وفي السياق، قال المحامي عامر أبكر عثمان، أحد المعنيين بالقرار، إن القرار صدر عن نقابة غير شرعية ومحلولة، واكد أن الجهة التي أصدرته لا تملك أي ولاية قانونية على المحامين، ولا صلاحية لسحب التراخيص أو الفصل من المهنة.
خروقات إجرائية:
إلى جانب مسألة الشرعية، لفت معارضوا القرار إلى وجود انتهاكات إجرائية جسيمة رافقت صدور القرار أبرزها عدم إخطار المحامين المعنيين مسبقاً، وعدم استدعائهم للتحقيق أو تمكينهم من حق الدفاع، ما يُعد مخالفة صريحة لمبادئ العدالة الطبيعية والإجراءات التأديبية المنصوص عليها في القوانين المهنية.
ويرى خبراء قانونيون أن أي مساءلة تأديبية للمحامين يجب أن تمر عبر مجالس مختصة ومحايدة، ووفق إجراءات تضمن الشفافية وسماع الأطراف، لا عبر قرارات إدارية مفاجئة ذات طابع عقابي جماعي.
رفض وتحذيرات من التسييس:
من جهته، اعتبر القيادي في التحالف الديمقراطي للمحامين، عمر سيد أحمد، في تصريح صحفي أن القرار لا يستند إلى أي سند شرعي أو قانوني، ووصفه انه خطوة ذات توجه سياسي، تهدف إلى سحب المشروعية من لجنة تسيير نقابة المحامين واختطاف صوت المحامين، في وقت تتصاعد فيه محاولات السيطرة على الأجسام المهنية. وشدد على أن الزج بالمحامين في صراعات سياسية يهدد الدور التاريخي للمهنة بوصفها أحد حماة الحقوق والحريات العامة.
تداعيات خطيرة:
وحذّرت عضو هيئة محامي دارفور، نفيسة حجر من أن القرار يمثل “انتهاكاً صارخاً لسيادة حكم القانون وتغوّلاً غير مسبوق على استقلالية مهنة المحاماة”، وأشارت إلى أن استهداف المحامين ينعكس مباشرة على حقوق الضحايا، خاصة في مناطق النزاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمل القانوني الطوعي والحقوقي.
ويرى مراقبون أن حرمان عشرات المحامين من ممارسة مهنتهم في هذا التوقيت قد يؤدي إلى إضعاف فرص التقاضي والمساءلة، ويقلّص من إمكانية توثيق الانتهاكات الجسيمة التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب.
موقف لجنة تسيير النقابة
في رد فعل رسمي، أعلنت لجنة تسيير نقابة المحامين السودانيين بطلان القرار، وأكدت أنه صدر عن جهة غير مختصة ولا تملك أي تفويض قانوني. ودعت اللجنة إلى احترام استقلالية المهنة، وعدم استخدام القوانين المهنية كأدوات للإقصاء أو تصفية الخلافات السياسية.
أزمة تتجاوز القرار:
ويذهب محللون إلى أن هذه القضية تعكس أزمة أعمق تتعلق بتفكك المؤسسات المهنية، وغياب سلطة مركزية متفق عليها، في ظل الحرب والانقسام السياسي. كما تكشف عن محاولات لإعادة تشكيل النقابات وفق اصطفافات سياسية، ما يهدد ما تبقى من الفضاء المدني في البلاد.
وفي ظل استمرار الجدل، تتصاعد الدعوات لإلغاء القرار بشكل عاجل، وفتح تحقيق مستقل حول الجهة التي أصدرته، وضمان عدم المساس بحقوق المحامين أو استخدام المهنة كأداة في الصراع السياسي، حفاظاً على ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون في السودان.

