
سيد أحمد وأحمد سيد
عبد اللطيف علي الفكي
ربما نسمةُ صباحٍ طَلْقٍ قد مرَّتْ على وجهي وأنا استأنفتُ نومي الفجري في الفناء المشجر. ثلاثة شبان أعرفهم تماماً إلا واحداً ما قابلته في حياتي. كانت ملامحه واضحة. يلبس جلابية وطاقية بلون البياض. أسمر فاتح اللون. قال بلغة واضحة “نتقابل أمام مخبز الحلة الجديدة بجانب محطة الحافلة”. صحوتُ بتماسكٍ لم أشعر به من قبل. كل ما كان يضايقني قليلاً هو أي مكان؟ وكثيراً أي زمن؟
عملتُ معادلة سريعة وأنا أهم بركوب الحافلة إلى المدرسة الثانوية التي أعمل بها معلماً للغة الإنجليزية. الصوت لا يريد أن يضايقني في عملي، لذلك سأكمل عملي كروتين معتاد. وأنا في الفصل الدراسي أحياناً أهم بفتح باب الفصل، وكأن النداء الفجري ذاك يتردد. إذ كأني سمعتُ طرقاً على الباب، أثناء ما الطلاب يقرؤون بصمت شديد. رفع أحدهم يده، وحين دنوت منه بادرني سائلاً همساً:
Sir, what does the word illusion mean?
It means an idea or belief that is not true. My student,
do you believe that you are an illusionist? My student,
كان ذلك اليوم من دون أيام أسبوع يوليو غائماً. ممّا يحفزني أن أكمل مشواري إلى مخبز الحلة الجديدة. المشهد غبتُ عنه طويلاً لأن هذا المبنى العالي حين مررت بهذه المنطقة قبل ثلاثة شهور ونصف لم يكن موجوداً. أصوات الباعة. وخبب بعض المارة. أترك كل ذلك ورائي. تتلاشى الأصوات تدريجياً وأنا أتقدم نحو المخبز. نساء يحملن ما اشترين من المخبز، وشابات وشباب. كل ذلك بدون أصوات. دنوتُ منه. هو نفسه ذلك الشاب. شعرت بنسمةِ عصرٍ طَلْقٍ تمرُّ على وجهي. وبنفس يقين ذلك الصحو هذا الصباح وكأنني، لا، بل شعرتُ أنني على حافة سرير نومي هذا الصباح. بادرته “هل تعرفني”؟ أجابني بانعدام اكتراث، وبلا أية دهشة أو قليل اهتمام. قال بنغمةٍ تحت أنفه: “لو كنت بعرفك يا خي ما كنت سلَّمتَ عليك”. المباغتة التي تحمل يقيناً، وحالة اللا اكتراث لهذا اليقين، جعلت الأخذ والرد لصاً يريد أن يختفي.
كان المكان يقدِّمُ لك خفاءً مريحاً عن فضل الأسئلة. مريحاً في عبور الشارع، في الناس الذين يسألونك عن مواعيد الحافلة. في إظلام مغيب الشمس بدأت الأنوار ألوانها. شباب وشابات يتسوَّقون بأزياء تضاهي ألوان الأضواء. كل شيء كان منسَّقاً. “لو سمحتً ماشي أم درمان”؟ شكرت سائق طراحة التاكسي. حين تحسستُ حواف المقعد الأمامي على يدي اليمني تحسستُ حواف ذلك السرير الصباحي. حي الركابية الذي أسكنُ فيه حيٌّ عتيق. كلما يأتيني ضيف وأستقبله في محطة الحافلات أو التاكسي ونحن ندلف في أزقتها يقول لي “أهل الركابية أدرى بشعابها”. خطوتُ نحو مكتبتي. في رف أعمال علم النفس، مسكت بكتاب سيجموند فرويد ’تفسير الأحلام‘ الترجمة الإنجليزية. لكنني تلفَّتُ يمنةً ويُسرَة وأدخلته في محله بحذرٍ شديد. شيءٌ بين نية سرقته من مكتبة عامة وبين طغيان ذنبٍ حتى لا ينتبه له الباعة. بيقينٍ تام طرحتُ نفسي على سرير الصباح ذاك. زوجتي سارة لم تكن مشغولة بشيء سوى مشاهدة التلفزيون. صاحت لي “سيد أحمد تعال شوف في الأخبار. أحمد السيد حمد وزير التجارة تاني وقع في مشكلة فساد”. يقين سريري وطغيان ذنب كتاب فرويد شكَّلتْ لي الصوت صوتَ الإتيان بضجات. دقَّتْ ذبذبةٌ ما أُذنَيَّ “مشكلة فصاد”. أية مشكلة وأية فصاد؟ كل شيء كان مُهيَّأً تماماً لاستقبال يوم أربعاء جديد. على مائدة السُّفرة والتلفون الأرضي قريب مني اتصلتُ بمدير المدرسة أنني سأتأخر اليوم.
فجرُ أربعاء جديد لا ثُقْلَ له. في فِناء دار ورثة أبي شجيرات حناء وشجيرة قاردينا. جاء عطرها. شعراً أسود شديد السواد، ولحيةً وشارباً خفيف انتشاره على الشفة العليا، وفماً رقيقاً رشوفاً. يلبس قطعة بيضاء. ضغط على صدري وقال لي سأكلمك كلاماً. فتح فمه وإذا برائحة القاردينا. في صباحِ أربعاء جديد أرسل لي يومه نسمة صباحية من خلال نافذة الحافلة ونحن نحذو النيلين في المقرن. في سرير الصباح ذاك، كان بعد هذا القارديني أبي أحمد بكل تفاصيل جلسته يجالس شخصاً. وكلما تكلما تضاحكا جهراً. عرفتُ – داخل الحلم – أنه صديق أبي لأن المجاهرة بالكلام والضحك من علامات الصداقة. من هذا الرجل؟ من هذا الذي يستعمل نظارةً طبية سميكة، وعلى خديه لحية رقيقة تدس شلوخه الخفيفة. بشرته تميل إلى الصُّفْرَة. كنتُ متحيراً من هذا الرجل. لامحتُ أبي ملامحةً، وركَّزتُ فيه تركيزاً عالياً حتى سمعته وأبي يُصغي إصغاءً. “رَسَّلتَ ليك ابني أحمد لابنك سيد. ابنك ما قال ليك”؟ حين عبرنا الجسر، علمتُ أن شاب مخبز الحلة الجديدة هو غالب ظني أحمد.
حين سَلَّمْتُ عليه باسمه الأول “إزيَّكْ يا أحمد”، كان المشهد خالياً من الزبائن. وضع فنجان القهوة رافعاً رأسه جالساً “أهلاً يا ابن العم”. العمال يحضِّرون المخبز ليومٍ جديد. في ذلك الأثناء لم تمتد مُفاتحة الكلام أبعد من “يا ابن العم”. . . قوةٌ ما. . . مثل مروري على الجسر وحافة سرير الصباح ذاك والرجل القارديني، أجلستني على الكنبة القابعة خارج المخبز. لمحته يحمل الفنجان بين سبابته اليسرى وإبهامه، مرَّت عليَّ نسمة جَعَلَتْ ما شاهدته دقيقاً كل الدقة، في التفاتة وجهه نحوي. “أيوه أنا اسمي أحمد، إنتَ اسمك منو”؟ “أحمد ود منو؟ ود زول أصفر البشرة يلبس نظارات طبية سميكة، وعلى خديه لحية بيضاء خفيفة الشعر تدس شلوخه الرفيعة”. قام يلبي نداء رئيس عمال المخبز.
بدأت الكنبة الخشبية كحافة ذلك السرير الصباحي. لَمْسُها كَلَمْسِهِ. امتصاص المفاجأة جعلته كشيخٍ بوذيٍّ مثل زِنْ. الضُّحَىْ بمشاغله اليومية عند الباعة وعمَّال اليومية خارج اطمئنانهم لمستقبل أولادهم وأحفادهم حيث لا يشعرون سوى أن يُلبِّي النداء زبونٌ ما. عند تكئة الكنبة غفوت. “أحمد” نودي بصوتٍ بعيد. كوعاي على فخذيَّ وأنا ألتفتُ إليه يقول “تاني بقول ليك مين ورَّاك اسمي. يا ابن العم أنا ما شفتك قبل كده”. حين دخلتُ مكتبي متأخراً بعذر استئذاني، بدأتُ أحضِّر لحصة الأدب الإنجليزي لأُدَرِّسَ الفصل الثالث من رواية اتش. جي. ويلز ’تاريخ السيد بولي‘. السيد بولي يعاني من الإمساك. بمعنى آخر هو يعاني من الانقباض. هل أنا أعاني من انقباضٍ ما؟
“إنتَ مجنون”؟ تبحث عن دكتور نفسي؟ باغتتني سارة زوجتي. شرحتُ أنني بالفعل أخذتُ علم النفس مادةً فرعيَّة مع المادة الرئيسية للغة الإنجليزية في الجامعة. لكن هناك فرق يا سارة بين المحلل النفسي والطبيب النفسي. المحلل النفسي له حالة جاهزة شَخَّصَها له الطبيب النفسي. يجب أن يتعامل معها. وفوق ذلك، الطبيب النفسي قد يستقبل حالات غير جاهزة ومباغتة. عليه أن يستنط لمريضه حتى يجعل له شفاء من حالته. حالتي مباغتة.
“يا تو حالة بتتكلم عنها”؟
التماسك كان قوياً جداً. بنفس قوته تلك التي قدمها سرير الصباح ذاك. في هذا الأوان بيني وبين سارة يكون أحمد قد اختلط عليه الأمر وهو يدخل بيته في الحلة الجديدة. وفي نَفْسِ بُرًهَةِ أحمد زارني الرجل القارديني. كنتُ مستلقياً على سرير النوم أتقلَّب، لكزتني سارة.
“منو أحمد ده”؟
على حافة كرسي قبالة باب البيت كان أحمد يضغط عليه كلما أراد التفكير في ذلك الرجل الذي قابله. بعض بيوت الحلة الجديدة تفتح أبواب غُرَفِ جلوسها مباشرة إلى الشارع. غرفة الجلوس مفروشة بثلاث أرائك. مائدة تتوسطهن، وثلاث صغيرات على حواف كل أريكة. قطة بيضاء لامس ذيلها ساق أحمد الداخل عاقفاً قدماً على قَدَم تحت الكرسي. انقطع تركيزه. حملها على حَجْرِهِ مداعباً، ماسحاً، وهي تتقوَّس وتموء حشرجةً. واضعة الشاي على المائدة الصغيرة التي حملتها من حافة الأريكة. رفع رأسه “شكراً، يُمَّـة”.
“ليه كنتَ مدنقر راسك، بتفكِّر في شنو”؟
“متين”؟
“قبل شوية اِتْلَفَتُّ على الشباك لقيتك مدنقر على الواطة”.
“جاني واحد، مرَّة قال لي أنا شفتك وين؟ وتأني مرَّة ناداني باسمي أحمد، وتالت مرَّة وصف لي أبوي. في الحقيقة، وأنا مدنقر ما كنت بفكِّر في الزول ده. كنتَ بفكِّر في أمي الماشفتها”.
“آي زي ما عارف أمك ماتت في ولادتك. الجماعة قالوا لأبوك بعد أسبوع من الوفاة تعقد على أختها. أنا كنت أصغر منها طوالي. والله بتشبهني شديد. الكلام ده كان زمن قام البحر في دنقلا”.
في بداية انتخابات الديمقراطية الثانية كانت حملات الانتخابات على أشدِّها. السيارات والأصوات تزحمان الشوارع. في عصر ذاك اليوم كان تاكسي طراحة بحري لا يجد طريقاً سالكاً نحو الخرطوم بحري. وأنا أعتب داخلاً عيادة الدكتور طه بعشر للطب النفسي، سمعت صوتاً واضحاً التفتُّ. يستمر الصوت مع نسمة مسائية طَلْق. الصوت واضح لكني لا أفهم اللغة. عند كرسي وثير في صالة الاستقبال لمستُ حافته. جاءني الصوت مرَّة أخرى.
“أي شيء قلته يدخل في التليباث أو التخاطر. وده بعيد من دائرة تخصصي النفسي. لكين في دكتور دارس تخصص طب نفسي في موسكو. اسمُهْ د. مصطفى بدر. عيادتُهْ في الخرطوم شارع المستشفى. آخر الشارع. ده ممكن يساعدك. بعض الروس اشتهروا بالتليباث، زي ما عارف”.
وأنا على طرف الشارع ترنُّ في أذني ’خارج تخصصي‘. بدأتْ قوة اليقين التي لزمتني منذ صحوت على السرير الصباحي ذاك تهتز. شيءٌ ما على سماء قوة اليقين يعكس أمرَ شيءٍ آخر. إفادات الطبيب لا تجعلك في حالة الوسط؛ بل في حالة إما أو. صحيح قرأتُ عن ذلك الشاب الروسي الذي يجعلك أن تفعل شيئاً. كان ذلك أواخر العشرينات عند حكم استالين الذي شدَّدَ ألا يروِّج الإعلام أخبار هذا الشاب. أراد أن يعرف حالته هذه بصورة علمية. بعضُ الناس أوصوا هذا الشاب أن يذهب إلى فرويد. كيف، والتشديد ضارب عليه بقوة؟ قرر أن يذهب. ولأن قوته النفسية في التحكُّم على الآخرين أشد ولا تُقهر، أرغم أي فرد في طاقم المطار أن يختم على جوازه. حين وصل إلى فرويد وحكى حالته، قال له فرويد جرِّب هذه الحالة عليَّ. كان يجلس مع فرويد أينشتاين. فجأة نهض فرويد وحمل مقصاً ليقطع سبيبة من شارب أينشتاين. هذا ما تحكَّمَ فيه الشاب الروسي. عرض أينشتاين الورقة التي بمثابة نية التحكُّم على فرويد. اندهشا. اعتذر فرويد ’هذا خارج الطب النفسي‘. أنا ذلك الشاب الروسي ودكتور بعشر هو فرويد. أترى الدكتور مصطفى بدر سَيَتَفَرْوَدْ عليَّ؟
شِعاب حي الركابية، في ذلك المغرب، كتلافيف الدماغ. سارة كقبطان سفينة تسوق البيت دائماً إلى بَرِّ الأمان. على السُّفرة زهرتان، وزجاجات النبيذ، وشموع. واقف على باب غرفة الجلوس مندهشاً، مدت يدٌ بوكيه ورد، وهي مختبئة خلفه “مبروك سيد أحمد الليلة عيد ميلادك”. سارة ليست فرويد لأنني شعرت بقوَّةٍ ما تُستَرَد.
“عشرة رغيفات. ده ريال”. يناول زبون أحمد.
كرَّر الزبون صائحاً: “أحمد”! جاءه الصوت من بعيد. “كم مرَّة قلتَ ليك يا ابن العم إنتَ كيف عرفت اسمي وأنا ما لاقيتك قبل كده” هو ما زال خافضاً رأسه على درج محصلة النقود. “استلمْ الريال ده” غادر الزبون. في هذه اللحظة رفع رأسه. “سبحان الله”! الشمس في بداية شروقها. المخبز ليس مزدحماً، لكنه لا يخلو من زبون كل دقيقتين أو ثلاث. رائحة الخبز، حركة الطاولات، كلاهما ورأس أحمد ملئ بالهمهمات. لم يطلب قهوة الصباح. ماذا يعمل ذلك الشاب؟ ما اسمه؟ لماذا لم يخبرني به؟ أمَّا حين وصل لسؤال أوصاف أبيه، ارتعش جسمه وبللت جبينه حبات عرق. أشياء عابرة صادفة تقلب الأيام العادية رأساً على عقب. هؤلاء الأطفال الذين يرسلونهم أهلهم كان يحييهم بأسمائهم سائلاً عن أهلهم. “يا ساتر يا أحمد، باقي قروشي كبيته على الأرض وأنا مادة ليك يدي”. مدَّ يده مائلاً من كرسيّه على الأرض. ناولها بكفّ ترتجف. في هالة صمت كانت المرأة الزبون تضاحكه مهـذارةً “بقيت عاشق”.
حين ارتفعت شمس الصباح على مساكن الحلة الجديدة، كانت الأم وبنتها تحضِّران الفطور وشاي الصباح بالحليب. “امشِ شوفي أحمد اتأخر ليه”؟ في ذلك الأوان كان حي الحلة الجديدة يولد من جديد بدعاش خريف نهاية شهر يوليو. صباح نشيط في غلالة الدعاش الخريفي. ينشط كل الحاضرين لحظة هذا الصباح قُبيل صعود الشمس في اكتماله. خطت اعتدال داخل مكتب المخبز لتجد أخيها ساهماً تماماً. “منتظرنك بالفطور”. هطلت أمطار شديدة الضربات مدة ثلاث دقائق ثم غادرت. طائر السمبر ميزان فصل الخريف حام حول المحطة ثم غادر إلى غابة الحلة الجديدة الصغيرة التي تحيط بالحفير. “يُمَّـه الصباح ده أحمد ما براهو”. “وينو”؟ “جايي وراي”.
“عندما دخلتُ عيادة الدكتور مصطفى بدر، حصل لي انقباض”.
“. . . . . .”
سارة وين انتِ؟
عند وقوف الأمطار كانت سارة عند حافة باب البيت لتجلب الجبن والزيتون لفطور الصباح من دكان القبطي في نفس شارع بيت سيد أحمد. نهض سيد أحمد نحو غرفة الجلوس المؤدية لباحة المنزل. وجد باب البيت يُقفَل لِتوِّهِ. على الطاولة الصغيرة وجد مجلة reader digest. جلس على الأريكة الكبيرة متمدداً يقرأ. جاء صوته مع أصداء الفصل “يا أولاد، المجلة دي – وهو يلوِّح بها – تأسست عام ١٩٢٢ في مدينة نيويورك، هي مجلة عائلية. لو وفَّرتَ جنيه واحد ونصف ستشترك لمدة عام لأن الاشتراك السنوي خمسة دولارات. هي تصدر كل شهر. معي عنوان المراسلة والاشتراك. لازم تتابعوا اللغة من أصولها”. وضع المجلة على حَجْرِهِ. دخلت سارة. اعتذرت “أمس الخميس كنت في مناسبة جيران؛ عندهم عرس. عشان كده نسيت، معليش يا سيد أحمد”. في كل هذه الاعتذارات سيد أحمد كان في أصداء الفصل. “أعتقد معظمكم أولاد أغنياء، تقدروا على المراسلة والمشاركة. لكن عندي خطة نشترك بالجملة”. حين مسك سيد أحمد على حافة الأريكة، واستقام جالساً “الحاصل شنو ما سمعتيني”؟ كان قد أدرك أن سارة تقف أمامه. في تلك اللحظة نفسها حين قالت بهدوء “أنا اللي اتكلمت معاك مش إنت”، تأكد سيد أحمد تماماً أن الصوت الذي جاءه وهو يدخل على عيادة طه بعشر وحكاه لدكتور مصطفى بدر كخيط يدله، ليس هو صوت سارة زوجته.
إذا خرجتَ من حي الركابية، فسوف ترى متاجر كبيرة على شكل نصف دائرة. في وسط هذه المتاجر دكان كبير دخلتُهُ مساء هذا الخميس. هذا متجر هريدي المشهور بِبَدلاته المستوردة من إيطاليا. غداً سأبدأ تدريبي مع المحامي الكبير ادريس الهندي في الخرطوم. في آخر لقاء قال لي ’يا أستاذ مُنَـوَّر النور، جَهِزْ ملابس الشغل واخسر قَدُرْ ما تقدر‘.
عارف يا مُنوَّر النور لمَّا كُنَّا في الجامعة ونحن في السنة الثانية . . .
(مقاطعاً) إنتَ يا سيد أحمد طوالي بجيب السيرة دي ليه؟
طيب طيب، أنا مُشْ عايز أقول ليك اتعارفنا كيف؟ لا، كنت عايز أجيب سيرة ثورة أكتوبر. لمَّا كنا متحمسين. أمس زوجتي سارة نبهتني على مشكلة فساد وزير التجارة.
أهو ديل وزراء الثورة.
لا، يا مُنَوَّر ديل وزراء الأحزاب. ونحن لازم نفرِّق بين وزراء الأحزاب وشباب الطلاب القاموا بالثورة. ديل المعاهم أحلام الثورة والتغيير. مش ناس الأحزاب. ديل ناس راكضين، وراكدين. يخافوا من الشباب والجديد الوراهم. وده جديد بيهدم طائفتهم. المشكلة مشكلة وعي يا مُنوَّر.
بدآ ينزلان من الطابق الثاني حيث بار العين الزرقاء. كل البار تضيئه إضاءة لمبات النيون الزرقاء. سأل منوّر النور سيد أحمد “ما تميت قصة أحمد سيد بتاع حلمك وهو حلم اتحقق.. عمل شنو أحمد سيد”؟
هنا فاجأ سيد أحمد سكوت لا يعرف بداية استنطاقه. ضرب بوري عالي الصوت فجأة في وسط المحطة الوسطى أم درمان. فجأة استجمع سيد أحمد تركيزه بعد مغالبة هواء ليل وفجاءة سؤال صديقه المحامي مُنوَّر النور. تكلم سيد أحمد هامساً وهما يقفان بجانب عماري أم در. “كل الحصل نداء باطني أثناء الحلم”.. ثم استطرد “أبوي اسمه ’أحمد‘ وأبوه اسمه ’سيد‘. هما أصدقاء وتواعدا أن يسمي كل منهما ابنه على اسم الصديق. فأنا اسمي سيد أحمد على صديق أبي واسمه سيد، وهو اسمه أحمد على صديق أبيه أحمد.

