
عندما يصبح الترخيص أداة عقاب… أين تقف حدود الاستقلال المهني للمحامين في السودان
مداميك: رندا علي
قرار واحد بسحب ترخيص محام، قد يكون كفيلا بإنهاء مسيرته المهنية بالكامل. فالمحامي، على عكس الصحفي الذي قد يواجه التضييق لكنه يظل قادرا، ولو بهامش ضيق، على البحث عن منصة أخرى يواصل عبرها عمله، فالمحامي لا يملك ترف البدائل. مهنته محصورة في ساحات القضاء وأروقة المحاكم، والخروج منها يعني عمليا الإقصاء من المجال الذي أفنى فيه سنوات عمره.
لكن هذا الأثر المهني لا ينفصل عن السياق الأوسع الذي جاءت فيه قرارات الإيقاف التي أصدرتها لجنة قبول المحامين مؤخرا والتي كالت ٣١ محاميا، ومن هذه الزاوية تتجاوز قرارات الإيقاف كونها إجراءات مهنية أو خلافات قانونية عابرة، لتفتح بابا أوسع لأسئلة مقلقة حول مستقبل استقلال المحاماة، وحدود حرية المحامين في التعبير والممارسة السياسية والحقوقية، في بلد ما تزال العلاقة فيه بين القانون والسلطة موضع نزاع دائم.
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل تتجسد في تجارب شخصية مباشرة للمشمولين بالقرار.
الوتر الحساس
تقول رحاب مبارك، عضو محامي الطوارئ وإحدى المحامين المشمولين بقرار الإيقاف، إن ما يؤكد كيدية القرار هو أنه لم يشمل محامين أعلنوا دعمهم لقوات الدعم السريع، بغض النظر عن حقهم في حرية الرأي، بينما استهدف بشكل واضح محامين انتقدوا انتهاكات جميع الأطراف.
وتلفت إلى أن طريقة الاستهداف لم تكن عشوائيا، بل اتسمت بالانتقائية.
وتوضح أن هناك محامين شاركوا في ما يعرف بتأسيس ولم تطلهم القرارات، في حين تم إيقافها وآخرين فقط لأنهم تحدثوا عن الانتهاكات دون انحياز، معتبرة أن هذا الانتقاء يكشف بوضوح طبيعة الاستهداف الذي لايقف عند حدود المواقف العامة بحسب مبارك. التي تضيف: بالنسبة لي شخصيا، أعتقد أن السبب الحقيقي لوضعي في هذه القائمة هو التقارير التي أعددتها، سواء كانت تقارير دورية أو متخصصة، لكن ما أوجعهم فعلا كانت تقارير فساد السلطة القضائية.
ومن هنا تنتقل رحاب إلى تفكيك العلاقة التاريخية بين النقابة والسلطة القضائية.
وتشير إلى أن نقابة المحامين لعبت تاريخيا دور المطبخ الحقيقي لإعداد قضاة الحركة الإسلامية، عبر تزكية أشخاص بعينهم وتقديم معلومات للسلطة القضائية عن عناصر موالية داخل الجامعات لتوظيفهم، ما يؤكد، بحسب قولها، أن النقابة لم تكن منفصلة يوما عن السلطة القضائية، خاصة في ظل حجم الفساد الذي وقع خلال تلك الفترة.
ولا ينفصل هذا المسار، وفقا لروايتة رحاب عن ملفات أخرى أكثر حساسية.
وتابعت أن استهدافعا تم ايضا بسبب تقارير تناولت فساد النيابة العامة والخلية الأمنية، إضافة إلى تقارير مرتبطة باتهامات باستخدام السلاح الكيميائي، معتبرة أن هذا الملف مس وترا حساسا لدى الإسلاميين، لا سيما أن هذا الاستخدام تم عبر كتائب البراء التي تعمل جنبا إلى جنب مع الجيش.
غير أن الخلاف، في نظر مبارك، لم يكن حقوقيا فقط، بل تنظيميا وقانونيا في جوهره.
من لجنة تسيير إلى ساحة صراع
وفي ما يخص اللجنة التسييرية لنقابة المحامين، توضح رحاب مبارك أنها تشكلت وفقا للوثيقة الدستورية بعد حل المؤتمر الوطني، وأن أعضاءها، ومن بينهم هي، تولوا مهامهم بشكل علني، بينما التزم الطرف الآخر الصمت في البداية.
لكن هذا الصمت لم يدم طويلا.
وقالت أن المواجهة الحقيقية لم تبدأ إلا بعد انقلاب 2021 وصدور قرار من عبد الفتاح البرهان بتجميد اللجان، وهو قرار رأت اللجنة التسييرية أنه لا يشملها، فلجأت إلى القضاء، من محكمة الاستئناف وحتى دائرة المراجعة بالمحكمة العليا، حيث صدرت جميع الأحكام لصالحها.
ومع تعثر المسار القانوني، تغيرت أدوات المواجهة، مشيرة الى ان عجز خصومهم عن إقصاء اللجنة التسييرية بالوسائل القانونية دفعهم إلى استغلال ظروف الحرب، ومع تشتت المحامين وعودة مؤسسات الدولة القديمة للعمل، جرى إصدار قرارات الإيقاف الأخيرة بهدف خلق شرعية بديلة، وتكريس رواية مفادها أن اللجنة التسييرية غير مخولة بإدارة شؤون المحامين، وهو الهدف الأساسي من نشر هذه القائمة.
* نصوص تحت التأويل
في موازاة هذه الشهادات، أصدرت لجنة قبول المحامين التابعة لنقابة المحامين في بورتسودان قرارا بإيقاف تراخيص واحد وثلاثين محاميا وحرمانهم من مزاولة المهنة، بدعوى ارتباطهم بما يعرف بحكومة تأسيس وبالتمرد.
قرار لم تتوقف تداعياته عند حدود المهنة، في خطوة أثارت مخاوف متزايدة من عودة سلوك سلطوي أكثر قسوة في التعامل مع الحريات، بالتزامن مع تنامي نفوذ الإسلاميين وعودتهم المتدرجة إلى مفاصل جهاز الدولة.
وشملت قائمة الإيقاف أسماء بارزة، من بينهم القياديان في تحالف صمود طه عثمان إسحق وحنان حسن خليفة، إضافة إلى رحاب مبارك.
وبررت اللجنة قرارها بنصوص قانونية فضفاضة واعتبرت ل أن عمل هؤلاء المحاميين مع تأسيس يمثل مخالفة لقانون المحاماة لسنة 1983 المعدل في 2014، مشيرة إلى أن الاشتغال بأي عمل لا يليق بمهنة المحاماة يوجب وقف الترخيص.
واستندت اللجنة إلى المواد 25 و27 و65 و66 من قانون المحاماة، مؤكدة أن إيقاف الترخيص يترتب عليه حرمان المحامي من عضوية النقابة ومن ممارسة المهنة.
لكن هذه النصوص، في نظر قانونيين، تفتح بابا واسعا للتأويل، ومن يملك سلطة الإيقاف
في هذا السياق، تقول المحامية الحقوقية رنا عبد الغفار إن النقاش الدائر يتعمد إغفال حقائق قانونية ثابتة، مشيرة إلى أن آخر نقابة محامين منتخبة كانت دورة 2017–2021، وانتهت مدتها القانونية في يناير 2021، ومنذ ذلك الحين لا توجد نقابة منتخبة شرعيا.
وهو ما يضع مشروعية القرارات موضع تساؤل.
وتوضح أن اللجنة التسييرية هي الجهة التي تدير شؤون النقابة حاليا استنادا إلى قرارات قضائية ومراسيم دستورية صدرت وفق الوثيقة الدستورية.
وتشير إلى أن الطعن الذي قبل بعد انقلاب 2021 شابه بطلان قانوني جوهري، سواء من حيث تشكيل الدائرة القضائية أو توقيت صدور الحكم أو تجاوز المواعيد القانونية للاستئناف.
وتخلص عبد الغفار إلى أن مجلس نقابة المحامين دورة 2017–2021 منحل قانونا منذ مارس 2023، وأن هذا التوصيف قانوني بحت لا علاقة له باعتبارات سياسية.
أبعد من خلاف مهني
بهذا المعنى، لا يبدو قرار إيقاف المحامين إجراء مهنيا معزولا، بل حلقة في صراع أوسع حول من يملك تعريف المشروعية، ومن يحدد حدود العمل القانوني والسياسي، في بلد ما زالت فيه مهنة الدفاع عن الحقوق نفسها بحاجة إلى من يدافع عنها.
وفي تعليقه على القرار، قال شريف محمد عثمان، القيادي بتحالف صمود وحزب المؤتمر السوداني، أن الجهة التي أصدرت القرار تفتقر من الأساس إلى أي نوع من الشرعية.
وأضاف أن القرار يمثل إساءة لاستخدام السلطة، واعتداء سياسيا على محامين بسبب مواقفهم، وليس لأسباب مهنية.
واعتبر أن هذه الممارسات امتداد لنهج النظام البائد في استخدام أدوات القمع ضد المجتمع المدني والسياسي.
* تحذير يتجاوز حالة بعينها
وحذر شريف من أن الاستمرار في هذا المسار سيقود إلى تكريس الاستبداد، ولن يفتح الطريق أمام السلام أو التحول المدني الديمقراطي، بل سيؤدي إلى إسكات أي صوت مخالف، والى تعميق الانقسامات في بلد يعاني أصلا من الهشاشة والانقسام.

