‫الرئيسية‬ ثقافة سرد [العواصفُ الترابية القديمة]
سرد - 8 يناير 2026, 4:50

[العواصفُ الترابية القديمة]

يسرا حمزة
أعودُ في الاحلام الى مكانٍ بعيد وارى اشخاصاً نسيتُ اسماؤهم واصواتهم، كُنَّ صديقاتٍ في زمنٍ ما يبدو لي كوهمٍ طفولي واضح، في الغرفة المستطيلة قلنَّ بأنني غريبةُ الأطوار وارتدي الملابس بطريقةٍ لا تشبهُ ما عرفنَّ من قبل، واتذكرُ ضحكهنَّ وسخريتهنَّ كلها، وحتى اليوم ما زلتُ اسمع احاديثهنَّ المُرة، واقولُ لنفسي لقد كبرنا الان وربما يجب ان انسى، ولكنني لم استطع، وكلما قابلتُ احداهنَّ ارى خلف عينيها ما حدث، وكنتُ امشي في الدربِ دون ان انتبه ورغم ذلك يأتينَّ بالمصابيح ولا أرى الطريق واتعثر، وكنتُ اضحك واستدير واقولُ لنفسي لهُنَّ نفس دمي واهدأ، وفي الليل في الأماكن المزدحمة كنتُ اغني واصفق مع الاخرين بملابسي الغريبة وبيدي نقش حناء سوداء، وكنتُ اضحك وفي بيتنا اجلسُ في الظلام واسألُ نفسي (لماذا يعاقبنني؟) وكنتُ اطوي كل الأشياء الحزينة والمُربكة واضعها في اخر رفٍ في الخزانة حيث يجتمعُ كل الغبار وانساها، وكنتُ كلما اتينَّ لبيتنا اضحك واقولُ لنفسي انهنَّ كبيرات ولكنهنَّ طفلات وحسب، ومن ثُمَ يسخرنَّ من اشيائي ويسرقنها سراً، وفي الحرب كنتُ اقولُ لنفسي ربما الرصاص والقذائف اكثرُ اماناً من هناك حيثُ تعلمتُ النظرَ الى الأشجار والعصافير والمطر، وكانت درجاتُ الحرارة المرتفعة وانقطاع الكهرباء والجنود والجناجمُ يمرون بالطريق امام البيت دون ان يقول احدهم انها ترتدي ملابسَ غريبة، ولماذا لا تضعُ مساحيق على وجهها ولماذا حواجبها مبعثرة؟ وكانت النوافذُ تهتز والصنابير جافة، وتعلمتُ التجنُب وكيف اتحولُ الى طاولة او كرسي غير مرئي، ولم اخشى الحرب كما خشيتُ حديثهنَّ، وكنتُ اضحك واغيبُ داخل عقلي عميقاً وبعيداً، وعندما وبختنا المرأة لأننا جلسنا في مكانٍ ابيض بعيداً عن الاخرين شعرتُ برغبةٍ في العودة الى الخرطوم حتى لا اضطرَ للتحدث مع احد يخبرني كم ان ملابسي سخيفة ويسألني لماذا قمتُ بحلاقة شعري؟ واشعرُ بأن احدهم دفعَ كفاً ممتلئةً بالتراب داخل فمي واحياناً اعجزُ عن التجنب، وفي الليلة الوحيدة التي قضيناها هناك في الغرفة المستطيلة كانت البنتُ الصغيرة تراقبني بصمتٍ حتى نامت، ولم اعُد اتذكرُ الأيام التي قضيتها في الخرطوم بمرارة، واتذكر تلك البنت وهى تحدقُ بي حتى النوم، وبدتْ وكأنها في تلك اللحظة تحولت الى نسخةٍ من أمها التي اخبرتني قبل سنواتٍ طويلة بأنني سوف اصير مثل كل فتاةٍ أخرى حالما ابدأ الدراسة في الجامعة وسأرتبُ حواجبي واستعملُ مساحيق الوجه مثلهنَّ، ولم يحدُث، ويطاردني المنزل دائماً في احلامي بغرفته المستطيلة، ووحوشه المبتسمة الهادئة، واتذكرُ العواصف الترابية التي تسبقُ المطر بالخرطوم، وكنتُ اجلسُ في الفناء واراقبُ السماء وتحرُك كتلة الغبار نحونا ولم تأخذني مرةً الى ارض أوز، ولكن الحرب فعلت وما زلتُ أبحث عن حذاءٍ يعيدني الى بيتنا.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. ماشاءالله مقالات مفيدة وقيمة وبخاصة الموضوع عن العنف الجنسي خلال هذه الحرب كتابة موفقة ومقترحات الحلول ممتازة

‫التعليقات مغلقة.‬