
مرايا الحرب والحكاية ( 9 )
صلاح الزين
الحرب قصة تحكي حكايتها من فوق جبل الأولمب مطلةً على البشر تحتها بمرآة تشتت الحكاية وتسرد بعضًا منها.
“كانت وما زالت محلات التمباك طرفًا محايدًا في هذه الحرب بصفوف منظمة وآمنة يشتري منها الجياشة والدعامة والمواطنون والعصابات. وظلت تعمل قرب مناطق الاشتباكات وتفانت في دورها بتكييف طرَفَي النزاع طيلة هذه الفترة باحترافية وأمانة دون استغلال لإحدى فئات المجتمع والذين بدورهم لم يتعرضوا لها”
( @MozirBashir )
المرايا لا تؤتَمَن على سرد طفولة الحكاية فتأتي الحرب لتكمل ما عجزت المرايا عن قوله إنْ كان حياءً أو حياءً آخر. إذ الحرب إفلاس متجر الحقيقة حتى تكون الأخيرة بدفاتر وشهود.
كما خواتيمها، الحرب آفتها الرواة، رواتها ومَن يطفيء النور لتنام الحكاية بعينٍ واحدة بينما الأخرى ترعى قطعان الأمل.
كما للحرب رواتها للحكاية رواة آخرين.
“صحيت الصباح لقيتها في الحوش، شكلو جات رايحة من ضربة امبارح دي.
ده شغل بنات الفيحاء ولّا حي الهُدى نحن م عندنا كائنات ذي دي، لابسة سلسل مكتوب فيهو سولي كمان. المهم متحفظين عليها لحدي م نلقى سِتّها”
(@zozoosman3 )
والحرب جسر لحكاية بين “الهناك” و”الهنا”.
الحكاية نعال المواسم والمرايا. يُبلى الحذاء ولا يُبلى نزق المواسم.
تنكسر المرايا وتبقى الصورة كدرب السيل وشبق الغمام للهطول.
فالحكاية بِنتُ الخلود وعدوة الجغرافيا ورنين جرس المكان المكرور.
الحكاية تُحكى لِتُسمَع سيان إنْ كان رفقتها بشر أو حجر. وكما الصورة في جوف المرايا تظل الحكاية هي ذات الحكاية وإنْ بدّلت زيها وفوح غواية عطرها.
فكان أنْ سئم “الهناك” من قول الحكاية فعلق جرسها على رقاب قطيع وعصاة راعي وحاسةِ شمِ دربٍ يقود إلى “الهنا”: فإخوة المكان رحمة من الله. وكلاهما سلالة شهرزاد وشهريار ومهماز يخضُّ الحكاية حتى لا تكتمل ويصحو الصباح.
كما يخطو الماء، الحرب لا تملك من أمرها شيئًا لتكمل الحكاية.
هي هناك، دومًا هناك مثل الدم في الوريد. وُجِدت منذ أزل خصومة الله وإبليس فكان الأزل معطفها وأرقها الذي لا ينام كصهدٍ يعرف الصحراء وواحة مجاورة.
نزقة، كروحٍ تغادر الأظافر وتُعلن قيامةَ الموت وميلاد حكاية الوجود والكينونة.
انكتبت بأحرف ما قبل الأبجدية وحبر الآلهة. وُجدت لتوجَد وتحكي خصام الله مع مخلوقاته واطمئنان البذرة لمخدة الطين والبلولة.
الحرب لا تموت، كما الهواء، ومِثلُه، بنت مواسم إخصاب الريح لغيم وَلود.
لِتُنصِب مرآتها، الحرب تكسر كل المرايا، المحدودبة منها و المقعرة. تعلقها على شجرات حيز الخراب لتكون الحقيقة، فاكهة التاريخ، أقرب لليد من الظفر وبمثل بُعد البصر عن البصيرة.
بعين النسر والحكمة، تطل الحرب على مرآتها فترى ثقوبات معطف التاريخ، فتحتار. وبذات العين وبصيرة الحكمة تشرع الحرب في إعادة غزل نَوْل المعطف لتسد الثقوب في وجه حروبات قادمة: فالحرب بِنتُ التاريخ وخِصمُهُ في ذات الآن !! تقاتله لتفقع دمامِلَهُ وتَهِب خُيولَهُ حرية الركض في بيدر الحقيقة بغير رماح وسيوف. إنها حربُها التي لا تضِنُّ بها على الآخرين في نقضِ وسادةِ تاريخ اليقين ليصحو على صباحٍ بطعمِ قهوةٍ مغاير وحكايةٍ ليومٍ بضجر أقل.
إنها ديمقراطية الخراب وروحُ من أنشدَ: لا هطلت عليَّ سحائب لم تعم البلاد.
توعِدُنا الحرب بإكمال الحكاية ولكنها، مثل كل الحروب، تَمِلُّ مراياها ولا تكمل الحكاية وتترك للسمار ليلًا بلا مرآة ليبحثوا عن مرآتهم ويكملوا الحكاية.
لكم حرية إكمال الحكاية، قضمها أو كسر المرايا، تستطرد الحرب.
وكما يعتذر الغيم عن هفواته وحجب فضة القمر، تعتذر الحرب عن بطء خطوِها وخفرِها كقصيدة يلزمها الاعتذار عن فقر الخيال ونضوب الإحالة.
نمسح على رأسها ونجد لها العذر: معليش القَدم ليهو رافع !!
ونبادلها عُذرًا بعذر وإسماحًا بإسماح.

