‫الرئيسية‬ مقالات السودان لا ينتظر التبشير بإطالة الحرب… بل سلامًا حقيقيًّا للخروج من الكارثة
مقالات - 6 ديسمبر 2025, 18:46

السودان لا ينتظر التبشير بإطالة الحرب… بل سلامًا حقيقيًّا للخروج من الكارثة

مهدي داود الخليفة
لم يكن السودانيون ينتظرون من ظهور رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان على قناة «الحدث» تصريحات جديدة تزيد عمر الحرب، أو شروطًا تعجيزية تُقفل أبواب الحل السياسي، أو وعودًا متناقضة تجمع بين قبول المبادرات وعدم الاعتراف بجدوى أي مسار غير السلاح. كان المواطن البسيط ينتظر شيئًا واحدًا فقط: بارقة أمل تعلن بداية خروج السودان من جحيم مستمر منذ ما يقارب ثلاثة أعوام.
غير أنّ الرسائل التي حملتها مقابلة البرهان ذهبت في اتجاه آخر… اتجاه يعمّق الأزمة ولا يفتح أي نافذة على المستقبل.
حين يقول الفريق البرهان:
«لن نجلس مع الدعم السريع إلا إذا ترك السلاح»
«انسحاب التمرد وتسليم السلاح شرط لنجاح أي هدنة»
«الحل في السودان عسكري ومن ثم تأتي الحلول الأخرى»
فإنه يضع وصفة مستحيلة يعرف قبل غيره أنها لا يمكن أن تتحقق. فمن يسيطر على معظم دارفور، ويملك آلاف المقاتلين، لن يسلّم سلاحه دون اتفاق سياسي شامل. وهذا ما يجعل الشرط نفسه إعلانًا صريحًا باستمرار الحرب لا بوقفها.
لقد جرّب السودان هذا النهج من قبل:
ربع قرن من الحرب في الجنوب.
دمار لا يوصف، أجيال تمّت إبادتها، واقتصاد انهار، وفي النهاية جلس الأطراف إلى التفاوض كما جلس دكتور جون قرنق في القصر. فهل نعيد إنتاج التجربة نفسها… بوعي كامل؟!
في المقابلة ذاتها، يقول البرهان إنه:
يشكر ولي العهد السعودي والرئيس الأميركي
ومستعد «للتعاطي مع مبادرتهما»
لكنّه في الجملة التالية يصرّ على أن «الحل عسكري».
كيف يمكن الجمع بين مبادرة دبلوماسية قائمة على وقف إطلاق النار ومسار تفاوضي… وبين شعار «لا حل إلا بالسلاح»؟
هذا التناقض لا يحير السودانيين فقط، بل يرسل للعالم رسالة واحدة: أنّ أطراف الحرب ليست مستعدة لأيّ تسوية الآن.
وإعلان «عدم وجود الإخوان وعدم وجود مليشيات في المستقبل» بينما يستند النظام فعليًا على تحالفات أمنيّة وسياسية من هذا النوع يزيد الشكوك بدل أن يبدّدها.
الحرب ليست بطولة… بل انهيار شامل.. الشعب السوداني لا يهتم اليوم بمن ينتصر على من.
المواطن الذي فقد بيته، مدرسته، دواءه، رزقه… لا يرى في الحرب سوى لعنة مستمرة تحرق حياته.
الحرب ليست «استنفارًا» كما تُقدَّم للمواطن، ولا يمكن لأي سلطة أن تطلب من الناس أن يقاتلوا بدل الجيش، لا أخلاقيًّا ولا سياسيًّا. فكما قالت تلك الأم السودانية ببساطة مُوجعة:
«إنتو وحميدتي بتصارعوا في سلطة وكراسي… ونحن بنصارع في الأكل والشراب والعلاج والتعليم»
وهذه ليست مجرد عبارة… بل الحقيقة الوحيدة التي يراها الناس يوميًا.
الحرب لا تدمّر الاقتصاد والتعليم فقط، بل تضرب كل ما يبقي المجتمع متماسكًا:
حين ينهار التعليم… ينهار رأس المال البشري.
حين ينهار الاقتصاد… تفقد الدولة قدرتها على تقديم أبسط الخدمات.
وحين تنهار الأخلاق، كما يحدث الآن، تتحول البلاد إلى غابة.
الإنسان يمكنه العيش في نقص الغذاء والرفاه…
لكنه لا يمكنه العيش في مجتمع «مكسور الأخلاق»، حيث يسود اللئام، وتغيب القوانين، وتختفي المروءة، ويصبح البقاء للأقوى لا للأصلح.
وهذا ما يجعل استمرار الحرب أخطر من أي صراع سياسي.
الشعب ينتظر القائد العاقل… لا القائد المنتصر…القائد الشجاع ليس من يتحدث بمنطق التحدي، ولا من يرفع سقف الشروط، ولا من يعد بما يعرف استحالته.
القائد الشجاع هو من:
يقرّ بأن الحل العسكري غير ممكن
يفتح باب التفاوض بشروط واقعية تحفظ الدولة
يضع مصلحة الشعب فوق مصلحة السلطة
يتعامل مع المجتمع الدولي بوضوح لا بتناقضات
السودان لا ينتظر زعيمًا منتصرًا… بل زعيمًا عاقلًا يمنع سقوط البلاد إلى الهاوية.
السودان لا يحتمل مزيدًا من الدم
استمرار الحرب لم يعد خيارًا سياسيًا.
هو ببساطة خسارة وطن.
إن أي خطاب يقوم على التعجيز، أو الإصرار على الحسم العسكري، أو إغلاق باب التفاوض، هو خطاب يقود البلاد إلى تكرار نموذج اليمن وسوريا والصومال… مع اختلاف واحد: السودان أضعف اليوم من أي وقت مضى.
السلام ليس رفاهية…
هو الشرط الوحيد لنجاة من تبقى من هذا الشعب.
اللهم ألهم أهل السودان الرشد، وأصلح حال البلاد والعباد، واكفنا شرّ قادة الحرب من الجانبين، فإنهم لا يعجزونك.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *