‫الرئيسية‬ مقالات مقال مستعاد للدكتور وجدي كامل : التيجاني الطيب بابكر.. رفقة على ظهر نهارات قصيرة
مقالات - 26 نوفمبر 2025, 16:04

مقال مستعاد للدكتور وجدي كامل : التيجاني الطيب بابكر.. رفقة على ظهر نهارات قصيرة

وجدى كامل
مستهل:
هذه شهادة للتاريخ أملتها وفاة الأستاذ المناضل التيجاني الطيب بابكر وغيابه الجارح الفادح عن الحياة. شهادة لا أبتغي منها سوى تمليك المعلومات التي صيرها بحوزتي بذات التفاصيل… أمانة أضعها بين أيدي الباحثين والراغبين مستقبلا علها تسهم مع غيرها من المراجع والمقابلات في دراسة السيرة الذاتية للرجل رغم غياب العديد من المحاور التي كنت أؤجل فتحها ومناقشتها معه.
النص:
لم يدر بخلدي أن الصداقة المتأخرة، المباغتة، الوجيزة التي عرفتني على نحو جديد ومغاير بالعم الراحل التيجاني الطيب بابكر سوف تعمل على تخزين معلوماتها بصفحات الورق وليس بذاكرة الة التصوير.
صحبة على عربة هارد توب بيضاء ما بين الحارة العاشرة بـ (الثورة) وصحيفة الميدان بالخرطوم اثنين، ما بين شهر يوليو واغسطس من هذا العام (٢٠١١)مؤانسة كنت أقدر لها أن تمنحني المعرفة الأفضل والأعمق بشخصية الراحل الشهيد عبد الخالق محجوب لكنها أغرقتني في بحر التيجاني الطيب المهيب وورطتني في فتنة شخصيته المتحدة، المنسجمة، وعالمه الثمانيني الصافي، الرافد، الرزين.
كنت ومنذ التحاقي بالحزب الشيوعي السوداني منتصف سبعينيات القرن الماضي حتى مغادرتي له في منتصف الثمانينيات مغرما بأسلوب ولغة التيجاني لافتتاحيات الصحيفة السرية ومنشورات الحزب أحيانا والتي لا يعثر القارئ المتمرس للميدان أدني صعوبة في تحديد هوية كاتبها.
كان أسلوب التيجاني سهلا وممتنعا، لا رتوش أو توابل أو زيادات تقترن به….. أسلوب يعمل كما الساعة يوفر ويتوفر على الدقة في التوصيف والإبانة القصوى للفكرة في حيز محدود ومقتصد. جمل مشذبه وحليقة لا تخلو من حزم وصرامة في الوزن والمكيال. فيما بعد تكشف لي أن ذاك لم يكن أكثر من أسلوب الرجل في التفكير والحياة معا. البساطة، الطهارة، الاستقامة، ونفاذ الرؤيا.
التيجاني الطيب اسم تردد على مسامعنا ونحن بعد فى سن يافعة منذ أحداث حركة يوليو1971 حين رددت أجهزة إعلام مايو (العائدة) الأوامر الأمنية بالقبض عليه كهارب كبير من العدالة.
تمكن المناضل الحصيف الجسور من إخفاء نفسه حتى لحظة اعتقاله بأواخر السبعينيات. حكى التيجاني فيما بعد لصديقي المهندس الشفيع الجزولي سعيد ضمن اشتغاله على مشروع كتاب توثيقي عن حياة أبيه المناضل الراحل الجزولي سعيد أنه والجزولي وبمجرد بلوغ الأنباء عن تحركات مناوئة للحركة وعودة نظام النميري للسيطرة على الاوضاع قد تمكنا من اللجوء لبيت أحد الأصدقاء بالخرطوم. غير أن الليل ما إن زحف حتى عاد إلى البيت أحد اخوة المضيف ليتعرف غلى المطلوبين ويقسم بأعلى صوته بانه سيذهب لإبلاغ الشرطة بأمر اختبائهما. بعد شد وجذب بين الاخويين تم التوصل إلى تفاهم حول مغادرتهما مع اول خيوط الفجر، لتبدأ رحلة البحث الجديد عن مخبأ.
نمضي بالعربة وأقول له هل تعلم أن عبد الرحمن أحمد يكون جدي في الحسبة. ابدى اندهاشه وسعادة معا. قال لي إنه زار أسرته بعد وفاته بموسكو وحكى لي بعدها أن عبد الرحمن الذي كان يسكن وتسكن أسرته بالشجرة دعا ذات مرة عبد الخالق واقترح عليه شراء ارض بالشجرة فأجابه عبد الخالق بانه سيفعل ذلك عندما تقوم الاشتراكية في السودان.

كان أبي المرحوم كامل صالح عبد السيد أول من حكى لي عن التيجاني في طفولة جمعتهما سويا بحي العرب…. ويبدو انها كانت ببدايات ثلاثينيات القرن المنصرم.. حكى كامل صالح عنه وعن اخيه احمد بذات المتعة والفخر الذي كان يستذكر به طفولته مع عبد الخالق محجوب بحي السيد المكي.
في ذات امسية من صيف عام1985 وكنت قد عدت في إجازتي قبل النهائية من موسكو استشرت والدي في الذهاب معا صبيحة اليوم الثاني لزيارة التيجاني بمبنى صحيفة الميدان والذي كان على مقربة من سوق الخرطوم اثنين. اعتذر الوالد بالبداية بان خمسين عاما او ما يقاربها لن تمكن التيجاني من تذكره ما يعنى ان ما من فائدة من الزيارة. الحيت عليه في الطلب وذهبنا صبيحة اليوم الثاني.
صيف ساخن. كانت الخرطوم ايامها خارجة للتو من انتفاضة ابريل تتمتع بأجواء الديمقراطية الثانية وكنا كطلاب شيوعيين أكثر سعادة بخروج حزبنا وقياداتنا الى العلن وامتلاك صحيفتنا لدار خاصة بها.
اذكر ان مباني الصحيفة كانت بها غرفة استقبال. ثمة حديقة صغيرة كأنما اعتزلت كسوتها تحدثك عن خضرة سكنتها في زمن غابر ما. كنت اعتاد زيارة الصحيفة فى تلك الاجازة بغرض مقابلة الصحفي عبد الجبار عبدالله وتسليمه موادا للنشر بالصفحة الثقافية باسم حركي , واحيانا اعرج لتحية جدنا الصحفي المرحوم عبد الرحمن احمد , الملقب ب( ابو الناس) وفى تلك الاثناء كنت ارى العم التيجاني واقوم بخفة وحماس شيوعي شاب بتحيته..يا استاذ .
عبرنا بقايا الحديقة ودلفنا الى مكتبه. كان التيجاني الذي يشغل رئيس تحرير الصحيفة جالسا منهمكا منكبا… امامه حزم متفرقة من الورق. سلمت عليه وكذلك الوالد والذي ما ان بادر بذكر اسمه حتى ابتسم وجه التيجاني وتعانقا وجلسا يتبادلان الاسئلة والاخبار والاستغراب من الزمن الذي تسرب دون لقاء يجمعهما. ذكر الوالد للتيجاني ومن ضمن المعلومات المتبادلة بينهما في تلك الدقائق بأني ابنه الاكبر وأنى ادرس السينما فى موسكو، فالتفت نحوي التيجاني معلقا بأنهم كانوا حريصين على تصوير اول اجتماع للحزب سينمائيا وانه لا يعرف ما هو مصير ذلك الشريط بعد كل هذه السنوات.
في العام التالي زار التيجاني موسكو وقدم ندوة سياسية عن الوضع السياسي بالسودان بقاعة من قاعات جامعة الصداقة بين الشعوب واذكر انى قد قابلته للتحية بعد الندوة.
في تلك الزيارة رفض لنا التيجاني الطيب ونحن مجموعة من الطلاب الشيوعيين الاجتماع به كرغبة منا جاءت بدافع اثارة ومناقشة بعض المشكلات التنظيمية لفرع الحزب هناك. اجاب التيجاني وحسب ما جاء به موفدنا له ان برنامجه للزيارة يخلو من اجتماع كهذا الذي نوده.
التصور الذهني لنا كشيوعيين متمردين وقتها نحسب أنفسنا كحداثيين ماركسيين غير مدجنين ان التيجاني الطيب يمثل راس القضب المتصلب الرافض لأى اصلاحات او تجديد فى الحياة الحزبية والتي كنا نرى ان لها حاجة قصوى في الاصلاح والتحديث. كنا — وهذا اعتراف متأخر– ننظر الى الحزب بعيون شباب الفنانين والادباء ونرى فيه مؤسسة للأبداع والثورة على المفاهيم التقليدية، بينما الحزب في زاوية نظر المؤسسين من الاحياء كالتيجاني الطيب امانة حياة ومهمة تامين مقدسة دونها التضحية بالنفيس الغالي.
تركت الحزب ومعي مجموعة من راغبي الاصلاح والناقدين لأوضاع الفرع بموسكو دون ضجيج او افتعالات او حتى خصومة مؤجلة.
الان اذ بعبارته الواضحة الحازمة على ظهر العربة التي كانت تمضي بنا ببط على شوارع امدرمان (كان همنا الحفاظ على حياة الحزب) تفتح بابا من المراجعات لمواقف اعطت الاخرين حق ضيق وتذمر وللتيجاني الطيب صفة المتشدد الصارم. بينما الرجل وحين تعرفه عن قرب وكما وصف مكسيم غوركي فلاديمير اليتش لينين كان أسهل من الماء واشد عطفا من العطف نفسه.
عشرون عاما ونيف مرت وإذا بي ابدا التفكير بنحو عملي لتحقيق فيلم عن عبد الخالق محجوب كحالة استثنائية كبرى في التاريخ السياسي والفكري السوداني.
كنت طيلة ترحالى واستقراري مدة ثلاثين عاما ورغم تبدل صروف وصنوف الايام اترصد وأسجل بذاكرتي المعلومات المستحقة وغير المستحقة عنه… تتسق هنا وتتعاكس هنالك.
عبد الخالق طائر النور الذى عبر حياتنا على ظلمات افاقها ولم نوثق له كسينمائيين اصبحت فكرة تحقيق فيلم وثائقي عن اسطورة حياته ومماته شاغلا ضاغطا استباح يقظتي ومنامي في الشهور الفائتة… الشهور التي سبقت هجرتي الجديدة عن الارض التي وصمتها السياسة الجاهلة الفاسدة بحروبها واستعمرت ارجائها مؤسسة الغرباء فاستحكمت بكل عتادها من بشر ومادة حتى احالتنا الى متفرجين واغلبيات صامتة كأنها تشاهد احدى مسرحيات اوجين يونسكو فى مسرح اللا معقول ,تلجم السنتها الدهشة ويعطل ابصارها كثيف برد .
ليس من كنز ثمين وما من راوي أفلح وأصلح من التيجاني الطيب. خرج منى القرار.. تحقيق فيلم وثائقي عن عبد الخالق عنى لى تجميع المعلومات على نحو نظامي من افواه من صادقوه وعاصروه، وحاكموه وقتلوه، ولم يوفروا جنازة له كى يمشوا خلفها.
فاتحت الاصدقاء احمد عبد المكرم والبروفسور منتصر الطيب والمخرجين السينمائيين سليمان محمد ابراهيم وناصر المك كما الاستاذ كمال الجزولى والدكتور عبد القادر الرفاعي (شفاه الله وعجل بعودته سالما معافى لأرض الوطن) بالأمر وبذات اقرا بالأنترنت مقتطفات من كتاب (عنف البادية) –الايام الاخيرة لعبد الخلق محجوب– للصديق الدكتور حسن الجزولي الذي اتصلت به فيما بعد.
كنت اشعر فى قرارة نفسي بأني قدمت ما قدمت لمالك عقار ومركزه بالدمازين وان الوقت قد حان وازف للتفرغ لمشروع فيلم عن عبد الخالق محجوب.
ما هي الا ايام الا وجدت نفسي اجالس العم التيجاني مساء يوم صيفي فى أحد بيوت (الثورات الجديدة) وكأننا كنا على ميعاد مسبق او ترتيب مشترك.
كنت قد قدمت لمشاركة احدى أخواتي فرحتها بتقدم ابنها لطلب يد احدى الحسان. بينما كان هو ممثلا لأهل واصدقاء والد العروس وبجانبه قد جلس العم الاستاذ حسن العبد.
كان عنوان المناسبة التعارف بين الاسرتين ولكن امتلاء المكان بالبشر جعله أقرب الى يوم زواج. حاولت تذكيره بشخصي ولكنه ابتسم بذكاء اعرفه من عينيه المعبرتين معقبا بهدوء: (متذكرك ومتابع لكتاباتك واخبارك).
حدثته بإيجاز عن مشروعي فرحب وأعطاني رقم جواله على ان اتصل به بعد عودته من نيروبي التي يزمع السفر لها بعد يومين. بعد مقابلة التيجاني ثمة يقين ملا جوارحي وثقة قد احلت مواضع شتي قررت ان تكون ضربة البداية مع عبد القادر الرفاعي اى تسجيل شهادته بالكاميرا حول ايام عبد الخلق الاخيرة بابروف جئت ومعي المصور القدير حامد تيراب ومساعد للإخراج لمنزل الرفاعي وسجلنا شهادته.
تصوري كان لشهادة التيجاني ان اتمهل واحاول قدر المستطاع من الاحاطة بخارطة ومسارب العلاقة وخباياها بينه وبين عبد الخالق حتى اعبر بعدها للتسجيل.
الرفاعي الذي كنت قد فاتحته في امر الفيلم أعلمني بعد ايام عن عودة التيجاني. اتصلت به في الجوال نهار خميس وضربنا موعدا الاحد بمباني الصحيفة فى الثانية عشر ظهرا.
حضرت قبل ربع ساعة من الموعد وظللت انتظره عند مدخل الاستقبال حتى الواحدة ولم يأت. اتصل موظف الاستقبال بسائقه وعلم بأنهم في بيت عزاء بام بدة. فهمت ان الرجل قد يكون نسى الامر وعدت أدراجي الى مكتبي بالجامعة. تفسيري كان لنسيان التيجاني فى تقدم السن وان خللا قد اصاب الذاكرة النادرة من كثرت ما حملت وحفظت. لم اعتب بل رأيت معاودة الكرة.
بعد يومين هاتفته وشرحت له ما اريد القيام به بالتفصيل. وافق واقترح ان احضر لأخذه للصحيفة وان بالإمكان الحديث اثناء ذلك. وصف لي موقع المنزل بالثورة الحارة العاشرة.
ذكر انه سيكون جاهزا منذ التاسعة صباحا. في التاسعة والنصف حضرت ولم اتعرف على المنزل مباشرة رغم انى كنت على بعد أمتار منه. مر من جانبي رجل قالت ملامحه انه من أهالي الحي فسألته وكلى ثقة في انه دليلي الى المنزل ولكن كم كانت المفاجأة عندما اجاب بان لا فكرة له عن المنزل او صاحبه.
اوقفت العربة ونزلت اسال صاحب بقالة امامها شجرة نيم على ما اذكر وقف تحتها زير بائس. نظرت اولا الى الزير فوجدت به بقايا ماء. ألقيت سلامى على الرجل الذي بدا بلا عمل يقوم به. تأكد لي ذلك وانا ارى البقالة خاوية الرفوف الا من بعض بضاعة تقنع صاحبها بجدوى جلوسه القاسي ذاك وان ثمة عمل بانتظار الانجاز. لم يخيب الرجل السبعينى ظني واشار الى المنزل الذي أمامي بانه منزل التيجاني الطيب. لم اشعر من رد فعله البارد باية خصوصية معرفية لديه عن التيجاني. كتمت استغرابي وقلت فى نفسي انهم سكان امدرمان ما بعد الانقاذ لا يعرفون احدا ابعد من موطئ اقدامهم.
نظرت الى البيت فألفيته بيتا متوسط الجمال وان ميزه طوبه الحراري الداكن عن بقية البيوت. طرقت على الباب فاذا بالعم التيجاني يرد.
في اقل من دقيقة كان قد خرج بعصاة. نزلت.. سالمته وعدت الى مقعد القيادة. صعد بصعوبة الى مقعد العربة العالية يجلس ويسألني بهدوء: كيف حالك؟
ما ان تحركت العربة قليلا ونحن بعد فى شوارع ترابية جانبية لم نصل بعد الى الشارع الرئيس المعبد حتى حيا التيجاني رجلا ستينيا يرتدى قميصا وسروالا يجلس على كرسي امام أحد البيوت. رد الرجل السلام بحرارة وابتهاج تسلل من ترددات صوته المرتفع.
قلت للتيجاني:
– لا بد ان هذا الرجل بالمعاش انتهى به الحال الى التبضع فى التحيات للمارة، والرقابة الاجتماعية الشعبية للأسر الجارة. ابتسم العم التيجاني وصار يضحك بصوت خفيض متقطع. حكى ان هذا الرجل كان كثير السلام عليه قبل شهور، وثمة شعور قوى كان عند التيجاني بان في صدر الرجل شي يريد اخراجه وايصاله اليه حتى فاجأه ذات مساء بزيارة قصيرة للغاية ذكر له فيه انه كان شيوعيا فى يوم من الايام وانه يعرفه حق المعرفة، وقد لاحظ تقدمه في السن وبذا…. فانه ينصحه بالإكثار من شرب اللبن المخلوط بعسل النحل ففيهما ديمومة الشباب ونضارة الجسد.
التيجاني الرجل المهذب قام بشكره ايما شكر— وعاد وسيماء وجهه قد اكتنزت بالسعادة والبهجة.
سألته عن البيت وملكيته وكنا قد مضينا قليلا في شارع الوادي. ذكر التيجاني ان الارض التي بنى عليها المنزل كانت عبارة عن خطة اسكانية وتم بنائه. بعدها سألته عن حي العرب وطفولتهم به، ثم عبرت راسي فكرة ان نعرج عليه في ذلك الصباح ووافق التيجاني وانحرفنا بالعربة من نهاية مقابر احمد شرفي من محطة البترول الواقعة فى نهاية المقابر ومنها تتفرع الشوارع باتجاه الشرق حتى مررنا بالمسالمة ثم بدأت طلائع بيوت حي العرب في الظهور.
بدا التيجاني الطيب فى ذاكرة باهرة الحضور واصبح يشير لى على البيوت باسماء من سكنوها من الاسماء المعروفة في الحياة الاجتماعية والسياسية والفنية والرياضية ونحن نتحرك ببط سلحفائى اذ شكل الزقاق الذى يفصل بين حى العرب والسوق ذروة الزحام ….بضاعات شتى محمولة, وركشات, وعربات كارو, وبشرمطحونين, غرباء فى غدو ورواح. لا مظهر لتطور حضارى بالمنطقة ولا تغيير كبير اصابها.
كنت فى تلك اللحظات أحس باننا لم نزل فى ثلاثينيات القرن الماضى…كل عناصر الزمن الخالى كانت شاخصة وكانما ان ماغاب وتبقى فقط هو استدعاء الشخوص الحقيقيين بلحمهم وشحمهم الى مسرح الحدث.
فجاة اشار لى الى بيت بدا وبمعايير اليوم بيتا لاحد اعضاء الطبقة الوسطى وقال: هذا بيتنا. عاينت فى البيت ذو الطلاء الاصفر والمنقسم الى جزءين وسالته ان كان به قاطنين الان ؟ وكانما اجابنى بان احد اقاربه او اخ له يسكنه …لست متاكدا من دقة المعلومة… غير انى اذكر بانه اكد بان البيت لا يزال ملكا للاسرة وقال انه وعندما تم تحرير الناس لهم من سجن كوبر بعد انتفاضة ابريل انه اختار النزول هنا اولا….. قاطعته: لماذا؟
اوضح بان حنينا طاغيا لا يجد له من تفسير الان كان يشده اليه ولكنه فوجئ بان لا احد يعرفه….. تغير المكان كان والزمان و واضاف : ما بالك الان.
في ناصية هذا الشارع وانت تتجه نحو اليمين اشار لي الى جزء من بيت وظهر انه يحسب على الجزء الذي يشغله السوق وخاطبني بابتسامة هادئة قائلا: وده كان بيت جدك ابوصلاح وهنا سكنت معاهو زينب وكامل.
اقول انه لم يكن ببيتا بالمعنى ولكنه ( بيتوت )على واجهته دكاكين ينبئك معمارها وتفاصيلها بالقدم والمحافظة. فى الشارع الذي سبقه كان يشير بسبابته الى الخلوة التى درسوا بها.
غرقنا كنا فى زقاقات حى العرب.
كنت رغم صعوبة قيادة العربة والمضي اماما اجتهد فى ان ادع التيجانى يتكلم. حين بلغنا المنطقة التى على شرقها جامعة الاحفاد تحدث باحترام وتقريظ عن بعد نظر وعلو وسمو وطنية بابكر بدرى وتوظيفه لهذه المؤسسة لخدمة الشعب وحكى لى قصة الطلب الذى تقدم به بدرى لسلطات الاستعمار للحصول على هذه الارض مادحا للفكرة والعائد منها…. كان صوته ينساب هادئا وساحرا يفصلك تماما من زحام الخارج الذى كنا قد قمنا بعزله باغلاق الزجاج منذ بداية التحرك. الخارج كان منظرا مخالفا، بل مؤذيا ان اردت الدقة وكانما كان يقول لناظره لا ترانى.
ونحن بعد بشارع بلدية امدرمان سألته عن عبد الخالق محجوب. متى التقاه وما هى اوضح علامات شخصيته وقتها؟
رد بان عبد الخالق كان ياتى الى منزل جدته بقربهم وان العاب الطفولة كانت تجمع بينهما احيانا.. فجاة نظر لى وقال بنبرة تنبيهية: بس ما كان صاحبى فى الوكت داك.
لم أرد ان أخلق فراغا هنا… فرحت ازيد فى أسئلتي عن علاقته بعبد الخالق. كيف تتذكر ذلك الطفل واردفت ان والدى كان يقول بان عبد الخالق كان قليل اللعب مع اقرانه.اجابنى بابتسامة لا تخلو من سخرية : كامل الكان ما بيشارك فى اللعب معانا. واعقب موضحا: كامل وامه وجدك كانو هادئين وكنا كسكان للحى نحتار فى وجودهم بالبيت من عدمه. اما عبد الخالق وحسب قوله: (كان شيطان وبتاع مقالب..بس اهم حاجة فيهو انو دمو كان خفيف.)
فيما بعد اكدت لى الاستاذة نعمات مالك بمنزلهم هذه المعلومة وكانما ارادت ان تقول لى بان التيجانى نفسه لا يخلو من خفة دم عندما حكت لى انه و عندما يزورهم بالمنزل بحى الرياض بالخرطوم ,ويقرا اسم عبد الخالق محجوب على يافطة البيت, يدخل وهو يحاول اغاظتها بالقول : البيت ده ما بيت عبد الخالق ….عبد الخالق بيته فى امدرمان.
سألته:
– متى اذن اصبح عبد الخالق صديقا لك؟ اجاب.. فى الثانوى.
سالته ان كانت هنالك مناسبة بعينها نسجت للصداقة. رد بنعم وان درسا فى حصة التعبير بالانجليزية كان المناسبة. استفسرته عن التفاصيل فحكى ان استاذ اللغة الانجليزية البريطانى الجنسية جاء اليهم فى ذلك اليوم وطلب منهم ان يعبروا بالإنجليزية عما هو حولهم داخل الفصل وخارجه فرفع عبد الخالق يده واختار التعبير عن مشاهدته لشجرة كانت تقف بحوش المدرسة –كان يراها عبر النافذة. قال عبد الخالق واصفا الشجرة التى بالخارج:
I can see the tree with my naked eyes تذمر التيجانى من ذلك التعبير واعتبره تعبيرا لا يخلو من حذلقة ,فلاحظ عبد الخالق الامر.بعد انتهاء الحصة و ابتدا التعارف الناضج بينهما. فيما يبدو ان المناقشات بين الصديقين قد امتدت ليس فقط خارج الفصل واسوار المدرسة و الاكاديميات بل ذهبت الى الثقافة والسياسة فاكتشفا امتلاءا مشتركا من ناحية المعلومات يجمعهما ويشدهما الى بعضهما شدا. سالت العم التيجانى مستفسرا عن الماركسية. هل قراتم لكارل ماركس او فريدريك انجلز او سمعتم عن فلاديمر ايلتش لينين وقتها– اى ماهو سر مطلبكما بالاشتركية؟
اجاب بالنفى وبأنهم لم يقراوا لهم انذاك ولكنهم ومنذ الاولية كانو يطلعون على احوال العالم عبر المجلات والكتب التى كان ياتى بها اساتذتهم لهم. سمعوا عن الاتحاد السوفيتى فاطلعوا عنه وعن الاشتراكية مثلهم ومثل الاخرين. ولكن قضيتهم كانت فى التخلص من الانجليز. ذكر انه ومنذ سن مبكرة كان يحب القراءة حتى أصبح يكاتب بعض المجلات المشهورة انذاك.
قلت أنشأتم حزبا للطبقة العاملة والفلاحين وكنتم من ابناء الطبقة الوسطى. اجاب.. لا بل انهم يحسب نفسه من الطبقة الفقيرة وان المصادر ليست هى المهمة بل مكافحة الاستعمار والتحرر. اعقبته: اذن لا بد انك تاثرت بابيك الطيب المظاهراتى . رد بان ذلك لم تكن له علاقة وانه لا يوافق على قصة التاثر وغيرها. اضاف: كان فى ظلم فى البلد وكنا عاوزينو يمشى.
سالت فيما بعد عن الصفة الاهم فى شخصية عبد الخالق والتى تجلت فى مرحلة الصداقة بالمرحلة الثانوية.
اجاب دون تردد كعادته: اللطف والقدرة على جذب الناس حوله. وصلنا هنا الى مبنى صحيفة الميدان .
نزل بصعوبة ايضا وكلمني ممسكا بركبته قائلا ان الركبة مش تمام. كان أمامي بعض المهام فاكتفيت بما جرى بيننا من أحاديث داخل العربة واتفقنا على ان اتصل به.
ليست غبطة …لا هو شعور بالرضا بل احساس بزلزال ناعم يعمل بداخلي ويحرك السؤال المقلق المعذب: هل انا بلقاء اليوم استعيد الاب المفقود واتمكن عبر عم التيجانى من القضاء على عقدة غيابه.
كانت تجمعنى ومنذ الصغر علاقة صداقة مفتوحة وواضحة وديمقراطية بوالدى الامر الذي كثيرا ما لفت نظر الاصدقاء والمعارف من الوسط الثقافى والفنى ممن زاروا بيتنا واقاموا فيه لفترات.
عقدنا عشرات الاجتماعات الحزبية والندوات الثقافية والجلسات الفنية التى كان حاضرها ومغنيها الاول الصديق الاستاذ محمد الامين.لم يعنى غيابى لسنوات بموسكو عائقا يحول دون مجيئهم للبيت وقضاء الاوقات الممتعة فى حضرة الوالد. صار لقبه فيما بعد عم كامل وعندما عدت بعد اكمال الدراسة وجدت ان البيت كان نقطة الدعم للتجمع الديمقراطى والحزب فى الانتخاب.
اخر المعجبين الواضحين بعم كامل كان الفقيد الفنان مصطفى سيد احمد ببداية التسعينيات. كان المقام قد استقر بى ومنذ عام 1986 كاستاذ بجامعة قاريونس ببنغازى بليبيا . منذ العام 1991 بدات فى التحضير لنيل درجة الدكتوراة بذات معهد السينما والتلفزيون الذى كنت قد درست به بموسكو.مصطفى كنت قد تعرفت عليه فى السودان عام 1987 فى احدى زياراتى له بمنزله بامتداد الدرجة الثالثة .سجلت للتحضير وتمسكت بعملى لعام بالجامعة.
صادفت بموسكو مجيئه بغرض العلاج واجراء عملية نقل الكلى حتى اجرى العملية بنجاح بمستشفى المعهد الطبى للكلى.دعوته وانا مودعا عائدا الى ليبيا لزيارتى بليبيا فقبل الدعوة وحضر لى وكان فى زيارتى الوالد رحمة الله عليه.
اقاما معا فى صالون بالشقة وتعمقت صداقتهما لدرجة انى وعندما كنت اهتم بدور المضيف ويلحظ ذلك مصطفى لا يتوانى فى مخاطبتى:
– يازول خلاص امشي ارتاح.. نحنا ما عاوزنك. انا عاوز اتونس مع عم كامل.
بعد ايام كان مصطفى يشد الرحال الى مصر عائدا فطلب منه الوالد تسجيل شريط يسمعه لاخوتى الذين هم من معجبيه فى السودان. مصطفى يبدو انه مزح وقال له ما يعنى ان الشريط يمكن ان يجلب تحقيقا امنيا لك بالمطار إذا ما وقع بايدى الامنيين. كنت بالعمل ولكن عندما عدت لاحظت ان ثمة تغير بوجه الوالد دخلت الى غرفتى بعد التحية وجاءنى الوالد معبرا عن استنكاره لرد مصطفى فيما اتصل بموضوع التسجيل . اذكر انه قال لى:
– انت صاحبك ده فاكر نفسو خلاص يعنى حاجة مهمة؟ … ضحكت وهداته بالقول بان مصطفى بيهظر.. لكن هو فعلا مشهور وبيغنى غنى فيهو نقد سياسى للجماعة اللى هناك. تقبل كلامي على مضض وعاد لصداقته مع مصطفى.
بعد اعوام من ذلك، وعندما توفى مصطفى وجى بجثمانه من الدوحة الى الخرطوم وشاهد الوالد ( الذى توفى فى ذات العام) الجموع التاريخية المهيبة التى شيعت مصطفى حتى ودسلفاب كتب لى رسالة كلها اسف وندم على عدم معرفته ايامها لوزن وحجم اهمية مصطفى خاصة وسط جماهير الشباب, ولا ازال احتفظ برسالته تلك حتى الان.
إذن عم التيجاني يحرك فيني مياه الوالد من جديد. غبت يوم… يومين ولم اتصل به. في اليوم الثالث ضربنا موعدا جديدا واخبرته بأنى ربما حضرت ومعي المصور. اتصلت بالصديق المصور حامد تيراب والذى جمعتنى به حوالى العشرة افلام واتفقنا ان يكون صهريج مياه القماير محطة لقاءنا على التاسعة صباحا.
جمعت بعض معدات الاضاءة و جهزت الكاميرا وشحنت البطاريات وانطلقت من بحرى الى امدرمان وقد قررت ان نأخذ قليل من القطات لهذا اليوم حتى لا نرهق التيجاني. انتظرت حتى التاسعة والنصف وعلى غير العادة لم يحضر حامد تيراب الذي وجدت بعد ذلك رسالة منه على الجوال تقول بانه فى محكمة وكان بالأمس ناسيا للأمر.
وصلت منزل التيجاني واعتذرت له على التأخير موضحا تفاصيل عدم حضور المصور. تحركنا نواصل ما انقطع من ونسة. قلت له وقد كنا اقرب الى شارع الوادي، حدثني عن سفركم الى مصر وعن سنوات مصر.
حكى بانهما وبعد الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية تقدما بشهاداتهما للبعثات الخارجية بمصر وجاء الرد على عبد الخالق قبله ليسافر عبد الخالق اولا ويلحق به التيجاني بعد شهور بعد ان تم اختياره للبعثة.
فى القاهرة كانوا مجموعة من الطلاب يعيشون فى بيت السودان وكانت مصر وقتها تتحضر لتغييرات تاريخية وكانت عسس الملك فاروق اعينها على الحركة الطلابية وانهم كطلاب سودانيين انخرطوا فى الانشطة السياسية لحدتو.
عبد الخالق فى تلك الايام وحسب التيجاني كان مشغولا بالاجتماعات ولا فراغ لديه. سالته هنا: وانتم كيف كنتم تقضون الفراغ؟
اجاب بكل عفوية وبساطة جاذبة:
– كنا بنمشى السينما. وعبد الخالق؟ سألته.
قال: عبد الخالق ما كان بيحب السينما. هنا اذكر اننى اردت التدقيق على ما يتم فى ادبيات الخصوم الايديولوحيين عن علاقة عبد الخالق بكوهين وما شابه ترميز ورسائل مؤذية تقدح فى وطنية الحزب الشيوعى. فعند ما يتحدث الخصوم عن علاقة عبد الخالق بكوهين وانه كان الصديق والطالب المدلل له بتم تصوير الحزب الشيوعى السودانى كأنه حزب تمت زراعة شجرته باسرائيل وان الديانة الرسمية له هى اليهودية.
قلت له وماذا عن علاقة عبد الخالق بكوهين؟ وكانما سخر من سؤالى عندما رد بالقول: يعنى عشان كوهين ديانتو يهودية عبد الخالق ما مفروض يصاحبو.. وأردف بان العلاقة كانت عادية وان كوهين كان ذو فكر وثقافة اشتركية ديمقراطية مفيدة كانت لعبد الخالق وللاخرين. اقتربنا كنا من الموردة سوق السمك فقلت له هنا مطعم مشكور تديره امراة اسمها عوضيه.. و.رد انه يعرفه. اقترحت عليه ان ننزل ونتناول وجبة الافطار.
على ما اذكر انه في ذلك اليوم اخبرني بانه لم يتناول الحبة لعدم تناوله وجبة الافطار بعد. رد لى :
– (جيبو بس انا ماحا انزل .) اتيت بطلبين من السمك من المطعم واسع الشهرة وانطلقنا الى الخرطوم.
صمت ساد بيننا الى ان مررنا من مبنى المجلس الوطنى وعطفنا نحو كوبري امدرمان. كنت احب المضى فى ثيمة مصر واتعرف منه على اسباب عودتهما رغم علمى بها قراءة وسمعا من بعض معاصريهما. قال العم التيجانى ان المرض حال دون اكمال عبد الخالق لدراسته وهذا ما كنت اعرفه …لكنى اردت التعرف على المرض فسالته: هل كان داء الصدر او السل فقال. انه مرض بالصدر وان عبد الخالق لزم جراءه المستشفى واضاف بان نوعية الحياة المرهقة غير المستقرة التى عاشوها كطلاب هناك كانت كفيلة بتحويلهم الى مستقبلين لشتى انواع المرض.
فاجاته بسؤال جديد:
– وانت لماذا كان كثيرا مايتم القبض عليك.. اين كانت مهارات الاختباء انذاك —ام أنك تعلمتها متاخرا.؟ اذكر انه ضحك وقال بصيغة الجمع: (كنا عورا…يعنى يجيك رجل الامن وانت تجلس خارج بيت السودان ويسالك هل تعرف التيجاني الطيب فتجيبه ايوه انا التيجانى الطيب ويأخذك الى السجن. وتتكرر العملية بنفس التفاصيل بعد ايام الى ان رحلونا).
اتذكر بأنى وعند سرده لطريقة الاعتقال تلك وبالبراءة التي سردها بها فأنى لم اعرف الاختيار__ هل اضحك ام احترم صدق واستقامة الطالب الجامعي الشيوعي واصمت. بالطبع فقد انحزت للخيار الاخير. فذلك كان عين الصدق و تلك هي الشجاعة متى كان الكذب عندهم مكروها ومحرما ومنبوذا بذات نواهى التربية الاجتماعية التى سادت لقرون وعقود حتى اتى زمان جاء فيه الكذب حاكما مطلقا لنا وبات قيمة ليست تجارية فقط, بل ايجابية مطلوبة, وكأنما دونها ينهار نسق العلاقات وتبور الايام بين الناس ويخلع النيل ماءه.
كنا وفى لحظات الصمت التي تتخلل ننظر عبر الزجاج في امواج الناس الهائجة المائجة نهار ذلك الصيف وقد وصلنا وسط الخرطوم. عربات من الخلف ومن الامام، ومن اليمين ومن اليسار تهدر وصبيان تجارة اشارات المرور او الطرق (البطيئة) يعرضون عليك بضاعات لا تهمك، ولا تفهم من اين ياتون بها ولماذا— بل يلحون فى طلب شرائك لها. ياويحك ياخرطوم كل امر فيك تبدل والصدق فى الناس انهار انحسرت…. يا ابناء الغد من اين سيكون لكم اباء مثل الذي يجلس بجانبى الان ساهما ينظر امامه، صامتا، صافى النظرات. هل هذا هو تقدم العمر؟ ام هذا هو التيجاني الطيب لمن عرفوه عن كثب من اصدقائه الاوفياء القدامى؟
حكى لى فى هذا الصدد ان دفعته وعبد الخالق منذ الثانوى لا يزال الاحياء منهم يلتقون ويجتمعون بانتظام كل فترة. ذكر لى رقم الدفعة دون ان اتمكن من تذكره الان.
وصلنا الميدان –المبنى.وهو يهم بالنزول من العربة وقفت الصحفية المناضلة عفاف ابو كشوة تستعد لتحيته باحترام ومحبة لم ار مثيلا له فى الزمن القريب من امرأة شابة لرجل مسن باواسط الثمانينات. .
سألته عن مصير السمك؟ قال لي احضره. ما ان وضعنا اقدامنا على ارضية الاستقبال حتى خاطب الموظف بلا الفطور — وان ينادى على الاخرين.
شعرت بإحراج غير عادى بسبب ان المقدار الذى اشتريناه بسيط ولو كان ذكر لي بان الافطار بالميدان، وسيكون جماعيا لكنت ضاعفت من كمية المشترى مرات ومرات, فانا ايضا احب هؤلاء المقاتلين المتطوعين في الغالب بعملهم في صحيفة يحاربها الاقتصاد الحكومي المسيس بادهى الوسائل والاسلحة. انه كرم المناضلين المتصوفين والتيجاني كان سيدهم دون منازع.
. لم يتاخر الشباب والشابات من الموظفين والصحفيين واحضروا فولا وتناولنا افطارا شهيا بكثرة الايادى التى شاركت.
دعاني الى المكتب البسيط الذي علقت بإحدى جدرانه صورة متوسطة الحجم لعبد الخالق محجوب. قبل ان نحتسى الشاي اخرج الحبة المقررة بعد الافطار ولكنها سقطت من يده. وقفت، رحت يمينا ويسارا انظر ابحث عن الحبة التي سقطت ولكن ما من جدوى كانت من مجهودي، فطلبت من الفراشة التي كانت ترعى طلباته مساعدتي فقضت وقتا تبحث عنها معي ولم نجدها.
سألته الن يؤثر ضياع الحبة على نظامك الصحي فأجاب بالنفي. هنا تذكرت صديقنا حسن الجزولي الذي لم يكن قد وصل عندما حضرنا. وقلت ربما يكون بمكتبه الان فاذهب لتحيته وأتفاكر معه في امور تتعلق بالكتاب وامكانية عثورنا على شخص بلندن يساعد فى حصر واحضار الارشيف المصور لعبد الخالق. وجدت حسنا وقد جاء وبدا الدوام اخذت واعطيت معه ومع الصحفية التي تعمل بالكومبيوتر في المكتب المشترك بينهما ومن ثم عدت الى صديقي لاستكمال ما بدأناه.
ساد المرحلة التى اعقبت عودة التيجاني وعبد الخالق الى السودان لغط بائن خاصة فى امر صعودهما التنظيمي وعملهما على تثبيت استقلالية الحزب الشيوعي كحزب ضمن منظومة الاحزاب العاملة آنذاك. ويمتد اللغط الى ما سمى بالانقسام الاول –انقسام عوض عبد الرازق. قلت له لقد قرات قبل ايام بيان بخط يد عوض عبد الرازق وفيما بدا لى ان للرجل وجهة نظر كانت لا تخلو من وجاهة وقتها خاصة وانه اشار الى غياب البنيات والشروط التي تبرر لتسمية حزب شيوعي.
رد لى بان ديدنهم وبرنامجهم فى العمل كان وقبل كل شى يقر النقاش الديمقراطى داخل اللجنة المركزية وانهم دعوا عوض عبد الرازق لمناقشته والتعرف اكثر على وجهة نظره ولكنه لم يحضر للقيام بذلك ومن ثم غادر الى بورتسودان وعليه ما كان من احد بمقدوره الطرح والدفاع عن وجهة نظره غيره. وهنا ذكر لى اسم حسن سلامة–أحد الأعضاء الذين كانو يناصرونه الرأي وتمت مناقشته وبدا مقتنعا بصواب وجهة النظر الغالبة لهم ولم يتم فصله بل استمر عضوا باللجنة المركزية وفاعلا تنظيميا من الصف الاول خاصة فى تيار ناشري الوعي بالأرياف ووسط الفلاحين.
هنا ضحك وكانما اراد تمليكي معلومة هامة قائلا: طبعا لمن تسمع اجتماعات لجنة مركزية في الوكت داك ما تفتكر انو الناس دى كانت بتقعد ساعة ساعتين فى كراسى ولا سراير بى مراتب … كنا بنقعد فى عناقريب وأحيانا ممكن الاجتماع والنقاشات تستمر لأربع وعشرين ساعة.
انتقلنا بعدها للحديث حول مؤتمر الجريف 1966والجدل الذي ساد في مجلة قضايا سودانية بينه و د. فاروق محمد ابراهيم المفاجأة كانت انه امن على صحة نقاط نقد عديدة لدكتور فاروق ولكنه ذكر بان كل ذلك ما كان ليسمح بتغيير اسم الحزب. وتذكرت هنا كلاما كنت قد سمعته عنه ولست متأكدا منه، عن ان فاروق إذا كان عاوز يغير اسم الحزب يمشى يؤسس ليهو حزب براهو. وتغيير اسم الحزب بدا لي تابو ممنوع حتى تداوله. اما عن تغيير عبد الخالق محجوب لوجهة نظره عندما عاد من موسكو فرده كان: ربما. هنا بدأت المح لكلام كان يقال عن تغير اصاب شخصية عبد الخالق وان ثمة مظاهر من الاستبداد والانفراد بالرأي سمعت انها بدأت تظهر في شخصيته، بل ان الامر ربما عبر عن نفسه في ان عبد الخالق بدا في استبعاد وتهميش ادوار البعض ممن اعتبروا منافسين له كقاسم امين مثلا.
دافع التيجاني باقتضاب قائلا انه لم يلاحظ ذلك. ذكرت له بانه شخصيا قد كان أحد ضحايا هذا التوجه حينما اوفدت الى براغ مشتغلا بمجلة قضايا السلم والاشتراكية وانه عاد وبعد كل الارث النضالي يعمل فى لجنة المديرية. رد وكأنما ثمة توافق مع وجهة نظرى بالقول: طبعا كل انسان بتغير. اكتفى بذلك التعبير هنا وللأمانة اقول بان الاستاذة نعمات مالك اكدت لي بان ما من تقدير ومحبة كان يكنهما عبد الخالق لشخص بعد التيجاني سوى لقاسم امين.
اما ومن باب التفسير الشخصي لتقلبات قد جرت لشخصية عبد الخالق فان ثمة احتمالين هنا ربما لعبا الدور الابرز. اولهما تطور الاحداث السالبة المستهدفة للشخصية، والصورة الذهنية لعبد الخالق خاصة في معركة زواجه والتي قادها (وكما كما تحققت من ذلك) المرحوم احمد سليمان. وثانيهما أثر المخبرين او العيون التي كانت تمد وتغذى عبد الخالق كل صباح او نهاية يوم بأخبار مجالس السياسة واحوال (القرية) المثلثة مما فاقم من شعوره بالذات المتفوقة اصلا والمتفردة منذ النشأة.
صحيحا كان هذا التفسير ام خطئا فان شخصية عبد الخالق بما فيها من تركيب وما تصدت له من مسؤوليات جسام كانت قابلة للتغير بحكم كل ذلك وان الامر متروك ببرمته لتحليل للباحثين المعاصرين والمستقبليين لأثر واسهام الرجل.
فيما بعد تحدثنا عن انقلاب مايو. ذكر التيجاني بان تواتر الاخبار عن احتمال وقوع انقلاب لم تكن من الاسرار قبيل صبيحة يوم 25 مايو. وان السجال الذي دار بين عبد الخلق محجوب واحمد سليمان على صفحات الصحف قد قراه الناس وابان فيه عبد الخالق رفض الحزب لفكرة الانقلاب العسكرى وعليه فان على الرغم من وجود وتمثيل بعض الضباط الشيوعيين في مجلس قيادة الثورة الا ان الانقلاب لم يتم تحت رعاية الحزب رغم انه قد يكون بعلم بعض قياداته.
اما العلاقة الشخصية الوثيقة الوحيدة التي جمعته بأعضاء مجلس الثورة فكانت مع الشهيد المقدم فاروق عثمان حمدنالله الذي كان يتبادل معه الزيارات احيانا. وقال انها كانت زيارات أقرب للمجاملة منها الى اي غرض اخر. هذا المحور لم أشأ الخوض فيه بالتفصيل معه او قل اخترت تأجيله الى ميعاد اخر وانتقلت الى عبد الخالق ويوليو 71 وذكرياته الاخيرة معه.
ذكر انه شاهده لآخر مرة بالخرطوم نهار يوم 22 يوليو وانه حدثه وهما يفترقان __ اى التيجاني لعبد الخالق بان ينتبه لنفسه العبارة كانت: (خلى بالك من نفسك).
هنا سالته :هل ساورك اى احساس بانها ربما تكون المرة الاخيرة التي تراه فيها؟ اجاب: ابدا
ساد صمت بيننا. هنا بدا التيجانى ساهما ينظر الى الجدار المقابل يتساءل بصوت حزين 😞 ليه صراع الافكار بين الناس ينتهى بالعنف الحصل ده…؟) شعرت بان اللحظات التى تمر بيننا لحظات مؤلمة وحزينة. جمعت ما كان بحوزتى من اوراق وخرجت منه لثواني وعدت .
طلب منى ان اوصله الى الشارع الذى يسبق شارع الصحيفة. خرجنا ونزل امام بيت من البيوت العريقة الجمال بنمرة اثنين. كان البيت الناصية على ما اظن ناصية يفتح بابه على شارع جانبى . طرق الباب وخرج طفل يرحب به. ذاك يوم شهد مساءه بمكان غير بعيد اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني—حسب افادة شخص اخر دون قصد اعلمني.
بعد يوم اتصلت به وسألته عن الصحة والاحوال وكان رده المعتاد: (ما بطال).
استاذنته وكان رمضان على الابواب فى انى سأغادر لايام للدمازين وكذلك ابلغت الرفاعي ولم ادر انى سأقضى ثلاثة اسابيع بمركز مالك اعود منهما ولا ارى بعدها التيجاني ولا المركز مرة اخرى. غادرت السودان تحسبا لتردى الاحوال بعد نشوب الحرب وقصف المركز، واستلامي لرسائل بالتصفية والتهديد تحولت الى قوة مدججة بالسلاح حضرت بعد ايام من المغادرة لمنزل صهري.
ها ذي هي هجرة لا أدرى سأتمكن رغمها وهل تحمل ما بعدها لمعاودة العمل على فيلم عن عبد الخالق محجوب واكمال الونسات مع سعاد ابراهيم احمد على كوب كركدى بارد ا وكذلك الاستمتاع لمؤانسة نعمات مالك المراة الجريئة الصادقة العبارة، ام هي هجرة ستطول وسيطوى الغياب كل شئ.
وكان عبارت عم التيجاني الاخيرة الان تترد على مسمعي:
– (ليه صراع الافكار بين الناس يتتهى بالعنف الحصل ده …؟).
وداعا والرحمة لك ولأسرتك وكل من عرفك عن قرب وارتبط بك.
الهم ارحمه واسكنه فسيح جناتك يارب.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال