
الرئيسية مفكرة الحرب نَنَظُر سَوِيًّا للغدِ البَازِغ كَنَجْمَة.. قِرَاءَةٌ انْطِبَاعِيَّةٌ فِي (يَابِسَةٌ تَحْتَ الحَنِينِ) لِعُمَرَ الصَّائِمِ
نَنَظُر سَوِيًّا للغدِ البَازِغ كَنَجْمَة.. قِرَاءَةٌ انْطِبَاعِيَّةٌ فِي (يَابِسَةٌ تَحْتَ الحَنِينِ) لِعُمَرَ الصَّائِمِ
شعر : عَادل سعد يوسف
سَتَرى كَمْ أَنْتَ بَائِسٌ، هَائِمٌ!
تُعَالِجُ الفَأْسَ بالشَّجَرة،
والسَّراويل بأُمَّهَاتِ القَضَايا المُفَخَّخَة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
يَبْدُو أنَّ مُقْتَرَحَ العُنْوَانِ لا يُضِيفُ إلا مَزِيدًا مِن التَعْقِيدِ عَلَى مُكَوِّنِهِ النَّصِّيِّ، تَعْقِيدُ تَفْرِضُه أسْئِلَةُ القِرَاءةِ فِيمَا يتَحَايُثِهَا مِنْ قُدْرَةِ التَّلَقِّي، وَمَا يُخَامِرُهَا مِنْ تأوِيلٍ.
مَا اليَابِسَةُ؟ مَا الحَنِينُ؟ مَا المَقْصُودُ بِمُرَّكِبِ العَنْوَنَةِ وَحَرَكِيَّةِ الإسْنَادِ؟
هَلْ اليَبَاسُ أوْ اليَابِسَةُ مَا نَحْنُ عَلِيه الآنَ فِي اتِّسَاعِنَا الجُغْرَافِيِّ وَالثَّقَافِيِّ، وَتَنَازُعِنَا الهُوِّيَاتِيِّ؟
هَلْ الحَنِينُ هِوَ مَا كَشَفْتُ عَنْهُ مُكَابَدَاتُ الحَرْبِ والنُّزُوحِ ومُجْمَلِ التَّصُوُّرَاتِ الوُجْدَانِيَّةُ لِتَشَوُّفَاتِ الرَّائِي وَنُزُوعَاتِهِ فِي رُؤيَةِ عَوْدَةٍ غَدَتْ مُضْطَرِبَةٍ وَلا يُرَشِّحُهَا اليَقِينُ؟
بِالتَّأكِيدِ؛
يَنْطَوِي العُنْوَانُ عَلَى مَتَاهَاتٍ تَنْطَلِقُ مِنْ أقْصَى تَبْنِينٍ لخُصُوصِيَّة الذَّاتِ الَّتِي تُعَانِقُ تَوَتُّرِهَا الوُجُودِي وَقَلِقِهَا فِي مُوَاجَهَةِ العَالَمِ.َلتهَلْ الحَنِينُ هِوَ مُجْلْلِ
إنَّهَا وَاقِعِيَّةُ اتِّسَاعِ رُقْعَةِ المُوتِ المَجَانِيَّةِ بِهَذِه الطَّرِيَقَةِ الهَنْدَسِيَّةِ الَّتِي تَنْتَقِلُ إَلى بِنَاءِ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ نَفْسِهِ، نَلْمَحُّ ذَلِكَ مُنْذُ القَصِيدَةِ الأولَى:
أيُّهَا المَوْتُ،
أيتُهَا الأَنَا،
يا شَجَرَ النَّدَى،
أَيَا عُودَ الثِّقَابِ،
كُلُّ شَيءٍ هَا هُنَا
يَمْضِى بِثَبَاتٍ إِلى الفَنَاءِ!
فِي هَذَا الدَّيْوَانِ تَتَمَوْضَعُ القَصِيدَةِ فِي مُتَوَالِيَّاتٍ الفَقْدِ، بِلُغَةٍ شَاعِرِيِّةٍ تَهْفُو إلَى أنْ تَسْبِغَ عَلَى النَّصِّ الشِّعْرِيِّ ثِيمَةَ الإرْجَاءِ وَالانْتِظَار ِالذَّي يَقُودُ النَّصَّ إلَى نُقْطَةٍ مُفْتَرَضَةٍ فِي الحُلْمِ الإنْسَانِيِّ، إلَى مَرَايَا المُهَيْنِمَاتِ الَّتِي تَسْتَيْقِظُ فِي المَتْنِ التَّخْيُّلِيِّ
لِمَ كُلُّ هَذهِ الضَّجَّة؟
أَدْرِكُ أَنَّها مَدينةٌ مِن تُراب!*
حُلْمِي فِي مُنْتَهى البَسَاطة،
كُرْسِي القُمَاش
وأنْ أَتَقَاعَدَ كَسَائِرِ النَّاس،
أَغْرِسُ شَجَرةً،
وأجلسُ بِمُحَاذَاةِ الذِّكْرَيات.
ما أَرَدْتُه لَيْسَ المُسْتَحِيل،
هَلِ الجُلوسُ صعبٌ
حِينَ أَغْدو مُسِنًّا؟
أَمِ الكُرْسِي عَسِيرُ المَنَال!
يَابِسَةٌ تَحْتَ الحَنِينِ، دَيْوَانُ يُقَدِّمُ الكَثِيرَ مِنَ المَفَاهِيمِ الفَلْسَفِيَّةِ وَالَّتِي يَتَوَخَّى مِنْ خِلالِهَا تَقْوِيَةَ وَتَمْتِينَ البُعْدِ الدَّلالِيِّ لِمُنْجَزِه الشِّعْرِيِّ، يُقَدِّمُ تَسَاؤُلاتٍ ذّاتِ بُعْدٍ حِجَاجِيٍّ.
أَنَا المَيِّتُ مُنْذُ البَّارِحَة
مَا حَاجَتِي بِصَنْدوقِ الأُغْنَيَاتِ،
وخَاتَمُ الحَبِيبَة الفِضيّ.
ما حَاجَتِي لِسَنَابِلِ القَمْحِ المُنَوِّرِ،
ومَطْعَمِ السَّمَكِ الشَّهِي،
وسِرْبِ الذِّكْرَياتِ؟.
وَيَقُول فِي نَشِيدِ الألَمِ:
يا للأَسَف لَمْ ينجُ أَحَد!
يَخْرج ُالإنسانُ للظُلْمَة،
مِن بَطْنِ أُمِّه إِلى عَتْمَةِ الجِوَار.
فِي اليوم التَّالِي تَصْطَادُهُ حَبْكَةُ الأَحلامِ الفَاسِدَة.
يُولدُ الأَطْفَالُ أَثْنَاءَ الحَرْب،
فِي تَطَرُّفِ المُنَاخات،
واِحْتِرار الأُسْرَةِ النَّازِحة.
يَتَزَوَّجُ العَاشِقُ مِن قِصَّةِ حُبِّهِ المُتَحَلِّلَة،
كُلُّ شَيءٍ هُنا مَدْعَاةٌ للأَسَف!
للأَرَقِ الكَرِيه.
فِي اللَّحْظَاتِ المُهَدِّدَةِ للهُوِيَّةِ يَتَكِئُ الشَّاعِرُ عَلَى اسْتِحْضَارِ الأيْقُونَاتِ الثَّقَافِيَّةِ (سِنَّار- مُوتْ دُنْيَا – صَدْرَ المَحَافِل – العنَج – عَلِي المَكْ –عَبْدَ الحَيِّ – صَلاح أحْمد إبْرَاهِيم – “أبودَاؤود” …الخ)، كَسَرْدِيَّاتٍ تَارِيخِيَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ وَمُنَاهِضَةٍ، فِي مُقَابِل سَرْدِيَّاتِ الحَربِ ليَطْرَحَ سَرْدِيَّةَ بَقَاءٍ تُعِيدُ تَشْكِيلَ الأيْقُونَةِ وَاسْتِمْرَارِيَتِهَا فِي مُقَاوَمَةِ الخَرَابِ.
يَقُولُ فِي (تَسَاؤلاتُ مُنْبَسِطَة):
مَا الوَطَن إِنْ لم أَكُنّْ!
سَأَعُودُ يَا سِنّار*
عِنْدَ يَقْظَة دُنْيَا*
فِي مَقَاعِدِ الشِّتَاءِ،
فِي جَوْهَرِ صَدْرِ المَحَافِل،
سَأَعُودُ حَامِلًا قَرَابيني،
تَوَابِيت العَنَج،*
ومِسّلات لياليَّ الزَّاهِيَاتِ.
كُلُّ ذَلِكَ يَتِمُّ عَبْرَ سَيْرُورَةٍ إبْدَاعِيَّةٍ مَحْكُومَةٌ بِاللايَقِينِ المُتَشَكِّكِ فِي التَّارِيخِ. بِالانْتِقَالِ الرُّؤيَوِيِّ مِنْ صَخْبِ الغَضَبِ إلى تَأمُّلِيَّةِ الخِطَابِ، مِنْ سُلْطَةِ الرَّفْضِ وَهَرَجِهِ البَيَانَاتِيِّ إلَى سُلْطَةِ الرَّفْضِ الإبدَاعِيِّ
بَيْنَمَا
الأَسَاطِيرُ حِزْمَةُ جِرْجِير،
الأَسَاطِيلُ تَحْمِلُ كِتْشِنَرًا* جديدا،
والمَسَاطِيلُ* يُفَاخِذُون ظِبَاء المَنَازِل..
بَيْنمَا ضَفَادِعُ الليلِ تُغَنِّي،
نَشِيدَ البَيَاتِ الوَطَنِيّ؛
غَرِقَتْ البِلادُ فِي شِبْرِ مَاء،
لَمْ يكُ مَاءً كالمَعْهُود..
اِحْتَرَقَ النَّهْرُ،
وتَفَحَّمَ قَارِبُ النَّجَاة.
يَظَلُّ عُمَرُ الصَّائِمِ فِي جُلِّ مَا قَرَأتُ لَهُ مُشْتَبِكًا بِخُصُوبَةِ الصُّورَةِ الشِّعْرِيَّةِ، وَعُمْقِ اللُّغَةِ وَقُسْوَةِ المَعْنَى:
( مَمْلُوءًا بالفرحِ المُرِيب- فِي الخَفَاءِ أُرَتِّقُ اللغةَ وأَلْبَسُها سَاتِرًا عَوْرَةَ الوَقْتِ- مَيْتٌ يَمْشِي إِلى حُبِّه بلا رَمْس – التقطَكَ النّومُ مِن تَلْقَاءِ طِرادِهِ- تَأَبَّطْ شَبَابَك واخْرُجْ للخَلَاءِ الفَسِيح- والشِّعرُ يَرْكُضُ بَيْنَ الأَيَائِل- هَذِه الأَمْكِنَة تَبْكِي، تُنَازِعُ رَمَقَها الأَخِير مِن الغُرْبَة – كَقَديدٍ يَلُفُّه الذُّبَاب، وتَرْمُقُهُ القِطَطُ السِّمَان … الخ).
فَالصُّورَةُ بِتَعْبِير “جَانْ لُوي جُوبِيرْ : ” عَلامَةٌ مُمَيَّزَةٌ لِلشِّعْرِ الحَدِيثِ، فَالنَّصُ، أصْبَحَ، يَتَحَدَّدُ كَشِعْرِ مِنْ خِلالِ مَا يَحْمِلُهُ وَيَخْتَزِنُهُ مِنْ صُوَرٍ”،
وأنَّك الآنَ نجمٌ؛ رغم غُلَالة الأكاذيب.
مَرَّةً أُخْرَى سَتَحْرِقُ عُمْرَكَ،
سَتَنْفِقُ وَقْتَكَ فِي التَّبَاكِي،
ثُمَّ يعودُ عليك نِبَالًا فِي الفؤاد،
تَغْدُو بلا أَمْس،
مَيْتٌ يَمْشِي إِلى حُبِّه بلا رَمْس.
” الشَّعْرَ هُو لُغَةُ التَّنَاقُضِ الناشئ عَنْ هَذَا الوَضْعِ الَّذِي يَضَعُ الإنْسَانَ بَيْنَ مَا هُو عَلَيْهِ قَسْرًا، وَبَيْنَ تَصُوُّرَاتِه عَنْ نَفْسِه وَعَنِ العَالَمِ”.
دَيْوَانُ ” يَابِسَةٌ تَحْتَ الحَنِينِ” عَالَمٌ شِعْرِيٌّ حَرِيٌّ بِالقِرَاءَةِ، بَاذِخُ الصُورَةِ الشِّعْرِيَّةِ، عُمْيقٌ فِي رُؤَاهُ الفَلْسَفِيَّةِ والجَمَالِيَّةِ وَجِدِّيَّةِ أُسْلُوبِهِ الانْزِيَاحِيِّ.
سَأَقِفُ أَرْنُو إِليك عِنْدَ تَلِّ الآخِرَة،
نَنَظُر سَوِيًّا للغدِ البَازِغ كَنَجْمَة،
نَجْمَةٌ تَحْتَفِي بالصَّبَاح،
تَرْتَاحُ فِي عَلْيَائِهَا،
يَقِظَةً، سَاهِمَةً، قَلِقَةَ،
تَنْفُضُ عَنْ جَسَدِهَا مَا كان مِن حُزْن البَارِحَة.
نوفمبر2024م

