
سياسات الإصدار النقدي بين استقرار الأسعار وثقة المواطن
مجاهد علي الحسن
في ظل التحديات الاقتصادية التي يمر بها السودان، وما أفرزته من تضخم، أصبح من الضروري النظر لإعادة سياسات العملة الوطنية كواحدة من الإشكالات التي تواجه السياسة النقدية. فالعملة ليست مجرد وسيلة تبادل، بل أداة استراتيجية لحفظ القيمة وتنظيم حركة السيولة وإدارة الكتلة النقدية في الاقتصاد. غير أن التضخم وتراجع القوة الشرائية للفئات المطبوعة يزيدان من أعباء الاحتفاظ والنقل والتخزين، بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف الطباعة والتداول، مما يفرض واقعًا جديدًا يحتم إعادة النظر في سياسة إصدار العملة.
لذا من الأهمية بمكان النظر إلى هذه السياسة وفق ثنائية (حفظ القيمة) مقابل (عملات التداول).
عملة لحفظ القيمة:
تُطبع بكميات محدودة وتحتفظ بقوتها الشرائية نسبيًا، لتقليل تكلفة التلف وتسهيل عمليات التخزين والنقل والتأمين في البنوك. هذه الفئات تُستخدم عادة في المعاملات الكبيرة أو كوسيلة لتخزين الثروة النقدية قصيرة الأجل.
عملات للتداول اليومي:
وهي الفئات الأصغر التي تُستخدم في الأسواق والعمليات النقدية اليومية لسداد التداولات، وهي تتعرض للتلف بشكل أسرع نتيجة التداول المستمر، ويمكن ضبط كتلتها من خلال إعدام التالف وتعويض الطباعة.
طيب، تعالوا نرجع ورا شوية في نظرة تاريخية وعقد مقارنة لسياسة طباعة النقود:
عند مقارنة الماضي بالحاضر، يتضح التحول الكبير في القيمة الحقيقية للعملة السودانية بين عملات تعتبر مخزنًا للقيمة وعملات للتداول. فالفئات القديمة (خمسمائة وألف جنيه) كانت، وقت إصدارها، تعادل ما بين 2 إلى 3 دولارات أمريكية، وهو ما منحها موقعًا مناسبًا كـ “عملة حفظ قيمة”.
أما الفئات الأصغر (مئتان ومائة وخمسون جنيهًا فما دون)، فكانت هي المتداولة على نطاق واسع في الأسواق.
حديثًا أصدر بنك السودان نموذجًا جديدًا لورقة نقدية فئة الـ 2000 جنيه، التي يُفترض أن تؤدي دورًا مشابهًا للفئات الكبيرة السابقة، لكن بالنظر لقيمتها مع الأوراق القديمة إذا ما قورنت بالنموذج الجديد، نجد أنها لا تتجاوز في قيمتها نحو 60 سنتًا أمريكيًا، في مقابل 2 إلى 3 دولارات في شبيهاتها سابقًا.
وهذا يعني أن العملة وُلدت فاقدة لمقدرتها في لعب دور محفظة القيمة، وستصبح عمليًا عملة تداول يومي أكثر منها أداة من أدوات إدارة الكتلة النقدية. لذا يجب النظر إليها في إطار أنها عملة تداول تقلل من حجم كتلة التخزين والنقل وكلفة الطباعة، لا أنها ورقة بديلة تلعب الدور الآخر من السياسة النقدية لطباعة النقود لتشمل حل الظرف الثاني من المعادلة المذكورة أعلاه.
طيب، ما هي الحلول المطروحة الآن؟
من منظور عملي، يمكن التفكير في حلّين رئيسيين لمواجهة هذه الإشكالية:
1. سحب الأصفار وإعادة تقييم العملة:
كخطوة تُعيد الثقة في الجنيه وتُبسّط العمليات النقدية، كما فعلت دول عديدة عند مواجهتها لموجات تضخم حادة. ورغم أنه قد يؤدي إلى عدم ثقة في العملة الوطنية ويدفع الناس إلى البحث عن طرق أخرى لحفظ القيمة كالذهب أو العملات الأجنبية (وقد يخلق سوقًا سوداء تضر كثيرًا)، لكنه يظل خيارًا مطروحًا ويمكن العمل به مع وضع احترازات لنشوء عدم الثقة.
2. إصدار فئات أعلى (عشرة أو عشرون ألف جنيه):
وإلغاء فئات الخمسمائة والاحتفاظ بالألف، واستخدام الفئات الجديدة أدوات لحفظ القيمة. مع ملاحظة أن العشرة آلاف جنيه اليوم لن تتجاوز قيمتها نحو 3 دولارات، وهي تقريبًا تعادل فئة الألف القديمة.
وفي كل الأحوال، يبقى الخيار الأكثر استدامة هو تطوير أنظمة الدفع الإلكتروني وتقليل الاعتماد على النقد الورقي. فهذه الخطوة لا تُخفض فقط تكاليف الطباعة والنقل والتأمين، بل ترفع كفاءة المعاملات المالية وتُقلل من مخاطر التزييف والتسرب النقدي.
واحدة أيضًا من الخيارات المطروحة هي التحول الرقمي كخيار استراتيجي. ومن الإيجابي أن الحكومة بدأت بالفعل في هذا الاتجاه، رغم رأينا الواضح بأن هذه السياسة ليست مجرد أوراق تُقدَّم وقرارات تُصدر، فهي تحتاج إلى اشتراطات أخرى غير القرارات (سنعود لها لاحقًا). إلا أن القرار الأخير لرئيس الوزراء الذي أشار إلى خطة وزير الاتصالات الجديد لتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني وتطوير المحافظ الرقمية يمثل مدخلًا ضروريًا لبناء اقتصاد نقدي حديث، يتماشى مع التحولات الإقليمية والعالمية في أنظمة المدفوعات.
خلاصة القول:
إن هيكل الفئات النقدية ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو قرار استراتيجي يرتبط بفاعلية السياسة النقدية، واستقرار الأسعار، وثقة المواطن في العملة الوطنية. فمن دون رؤية واضحة تجمع بين إدارة الكتلة النقدية التقليدية وتوسيع التحول الرقمي، ستظل العملة السودانية رهينة التضخم وضعف القيمة، مهما تغيّر شكل الورقة أو رقمها المطبوع.

