‫الرئيسية‬ ثقافة “حادثة عيش السرايا” لحمور زيادة: السخرية في زمن الانهيار!
ثقافة - 4 نوفمبر 2025, 14:12

“حادثة عيش السرايا” لحمور زيادة: السخرية في زمن الانهيار!

بديعة زيدان
تأتي رواية “حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية” للروائي السوداني حمور زيادة، والصادرة حديثاً عن دار “العين” للنشر في القاهرة، كسردية أدبية شديدة الذكاء والعمق، تستخدم الهزل والسخرية لتشريح مأساة سياسية واجتماعية. في ظاهرها، هي “وقائع مسلية” عن صراع تافه في مدينة ريفية، لكن في باطنها، هي مرثاة ساخرة لانهيار “المشروع الحضاري” للحركة الإسلامية في السودان، وتشريح دقيق لنفسية رجاله في لحظة السقوط.
يستخدم زيادة ببراعة تقنية “الحكاية الإطارية”، وهنا تبرز الحكاية المحورية كإطار سردي، والحديث عن حكاية الهروب، حيث إن الراوي، وهو مدير مكتب وزير سابق، وأحد “فلول” النظام الإسلامي المنهار، يروي قصته لرفيق درب مجهول (“يا أخانا”) خلال رحلة طويلة، هرباً على الأرجح من الخرطوم، ويشكل هذا الإطار سردية الخوف، والترقب، والهزيمة.
أما الحكاية الثانوية وتُشكّل قلب الرواية، فهي “حادثة عيش السرايا” نفسها، والتي يسرد الراوي، عبرها، كيف لجأ إلى مسقط رأسه ليختبئ لدى شقيقه، ليجد نفسه في قلب صراع “مسلٍ” ولكنه مصيري بين امرأتين من أعيان المدينة: “الحاجة” و”التومة”، حول من منهما صاحبة الفضل في صناعة حلوى “عيش السرايا” التي قُدمت للرئيس المخلوع قبل عقود.
ويتخلل السرد حكايات من الماضي، تعمل كشظايا من ذاكرة الراوي، مثل قصة “الطبيبة” وجرأتها الأسطورية، والقصة المظلمة لـ”المجنون” الذي يطارد الراوي في أحلامه.
شخصيات الرواية، محورية كانت أم هامشية، هي تجسيد رمزي للصراع، ولنبدأ مع الراوي (مدير مكتب الوزير)، والذي هو الشخصية المحورية وبطل الرواية المهزوم، بحيث نرى العالم حصراً عبر عينيه.. هو “كوز” (لقب يُطلق على الإسلاميين)، يرى نفسه كجندي في “ثورة الإنقاذ الوطني”، ومدافع عن الدين، لكنه الآن “ضيف ثقيل”، مُهان، ومُطارد من قبل شباب الثورة الذين يسميهم “الفوضويين” و”الرعاع”.. هو “راوٍ غير موثوق به” بامتياز، يُبرّر خطاياه، ويحتقر خصومه، لكنه يكشف عن هشاشة مشروعه الأيديولوجي.
أما “إبليس”، فهو الخصم المباشر للراوي في المدينة.. “بشعره الثائر” و”هزاله المزعج”، يمثل الجيل الجديد الذي أسقط النظام.. يطلق الراوي عليه “إبليس” كشيطنة له، وهو يظل يطارد الراوي بلا هوادة، ويهتف ضده، هو و”صبية” الثورة.
وتمثل كل من “الحاجة” و”التومة”، “المدينة المنقسمة”، فهما توأمتان متطابقتان وعدوتان لدودتان.. الصراع بينهما على “عيش السرايا” رمزية محورية للحرب الأهلية المصغرة.. صراعهما التافه ينقسم حوله “الإسلاميون” (الذين يدعمون الحاجة)، و”الثوار” (الذين يدعمون التومة).
وهناك شخصيات هامشية لكنها ذات دلالات محورية، كـ”المجنون”، المُغمس بالرمزية، فهو ليس مجنوناً بالولادة، بل ضحية مباشرة للراوي، حيث يكشف السرد أن الراوي وشى به لجهاز الأمن في تسعينيات القرن الماضي، حيث تعرض لتعذيب وحشي “حتى فقد عقله”.. “المجنون” هو “ضمير” الراوي الميت، وهو “خطيئته” التي تمشي على الأرض، وظهوره المفاجئ في المسجد وإعلانه “أنا الله!”، هو الفعل الثوري الأكثر سريالية وجذرية في الرواية، مُطارداً الراوي في كوابيسه، يكرّر: “الله يخون الخاين”.
و”الطبيبة”، من بين الشخصيات التي لا يمكن تجاوزها في سردية “حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية”، وهي أم “إبليس”، وحب طفولة الراوي.. تُروى عنها قصة أسطورية عن تحديها للذكورية، حين فضحت رجلاً في السوق وتحدته أن يثبت رجولته، ما أدى لطلاقها، ومن هنا يتبدّى أن “إبليس” يرث “جنون” أمه المتمرّد.
أما “العديق”، وهو العدو والصديق في آن، ليس إلا شخصية معقدة تمثل “الآخر” العلماني أو اليساري، وهو صديق طفولة الراوي وخصمه الأيديولوجي، حد وصفه بـ”الماسوني”، لكنه من ينقذ الراوي!
المضمون الأعمق للرواية هو “التفاهة” التي تكمن في قلب السلطة المطلقة، فـ”حادثة عيش السرايا” ليست مجرد فاصل مسلٍ، إنّما هي جوهر الرواية.
يضع زيادة “المشروع الحضاري” الإسلامي، بكل ما حمله من شعارات جهادية (“لا لدنيا قد عملنا”)، وتغيير للتوقيت الرسمي للبلاد، في مواجهة صراع تافه حول “وصفة حلوى”.. هذا التناقض هو أداة الكاتب لتفكيك قدسية النظام وإظهار هشاشته، وهنا تبرز السخرية من الأيديولوجيا.
وفي ما وراء السرد ثمّة رحلة عقاب.. الراوي لا يهرب من الثوّار فقط، إنّما يهرب من ماضيه “المجنون”، فيما المدينة التي يعود إليها ليست ملجأ، بل “جحيم” رمزي يُجبر فيه على مواجهة تفاهة مشروعه (صراع الحلوى) وفظاعة جرائمه، في أتون “الخطيئة والعقاب”.
تتفرد الرواية بتقنياتها السردية التي تخدم هذا المضمون الساخر، حيث “الراوي غير الموثوق به”، هي التقنية الأهم، فنحن نرى الانهيار من عيون “الكوز” المهزوم، خاصة وهو يصف الثوار بـ”الرعاع” و”إبليس” و”الصِبية الفوضويين”، لكن أفعاله (الوشاية التي دمرت “المجنون”)، وأفعالهم (ابن شقيقه الذي يتطوع لرصد “المختفين”)، تجعلنا نشكك في أحكامه، لذا فإن علينا أن نقرأ ما “بين السطور”، أو نحاول ما استطعنا، لعلنا نرى شيئاً من الحقيقة التي يحاول بل يسعى إلى إخفائها.
وتبرز “السخرية السوداء” في الرواية المضحكة المبكية في آن، فعلى سبيل المثال، يبرز مشهد نقاش “لجنة تقصي الحقائق” الأهلية حول من اخترع “عيش السرايا” كمشهد عبثي بامتياز على هذه السخرية التي هي من بين ما يميز رواية زيادة الأحدث.
وفي ظل تداخل الأزمنة، يتنقل الراوي بسلاسة بين حاضره البائس (الهروب)، وماضيه القريب (سقوط النظام)، وماضيه الذهبي (تسعينيات القرن الماضي وزيارة الرئيس)، وطفولته (قصة الطبيبة).. هذا التشابك الزمني يوضح كيف أن “الآن” هو نتاج كل تلك اللحظات.
الرواية، التي نُشرت، حديثاً، تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الحرب الأهلية السودانية الراهنة، فهي واحدة من أهم الأعمال التي تناولت “ثورة ديسمبر” 2019، وإن تفرّدت باختيارها زاوية “الطرف المهزوم”، لتقدم تحليلاً نفسياً عميقاً لذهنية النظام البائد، لكن الأهم، أن قراءة الرواية، اليوم، تبدو كنبوءة مأساوية للحرب الأهلية، فالصراع العبثي والتافه بين “الحاجة” و”التومة”، الذي قسّم المدينة وشبابها إلى فريقين متحاربين بالقذائف الحارقة “مولوتوف”، يُمثّل استعارة دقيقة وموجعة للحرب الحالية بين الجيش و”الدعم السريع”، وكأن حمور زيادة يقول إن الصراعات الكبرى التي تدمر الأوطان تبدأ غالباً كـ”حادثة مسلية” حول سلطة رمزية تافهة، مثل حلوى “عيش السرايا”.
عوامل تفرد رواية “حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية” متعددة، لكن من أبرزها، علاوة على ما سبقت الإشارة إليه، قدرتها على الإمساك بلحظة الانهيار، وتجريدها من كلّ أبهتها الأيديولوجية، وكشف أن “الغول” الذي يحكمنا غالباً ما يكون مدفوعاً بتفاهات تشبه صراعاً على طبق حلوى!
صحيفة الأيام الفلسطينية
4 نوفمبر 2025

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال