
مرآة العالم السوداء … أنا الفاشر
سارة شرقاوي
مدينةٌ أُطفِئت فيها المصابيح وصار الضوءُ تهمة لا تُغتفر، أنا التي احترقت ولم يسأل عنها أحد، التي اختنقت تحت سماءٍ من دخانٍ وصمتٍ دوليٍّ كثيف.
في كل شارعٍ من شوارعي، هناك ظلّ إنسانٍ كان هنا، امرأةٌ كانت تُطعم طفلها وشابٌّ كان يحلمُ أن يصير طبيبًا، كلهم صاروا أسماءً تُمرّر في نشراتٍ باردةٍ كأنهم أرقام.
أنا الفاشر…
أُبادُ على مهل، يُهدمُ جسدي بيتًا بيتًا وتُسفكُ دمائي أمام العالم الذي يشاهدني من خلف شاشاتٍ عالية الدقّة، يُحلّل المأساة كأنها فيلمٌ وثائقيّ ثم ينامُ على وسادةٍ من سلامٍ زائف.
يقولون: نحن نراقب الأوضاع عن كثب.
وأنا أقول: راقبوا إذن موتي ببطء، راقبوا الطفلة التي تبحث عن أمها تحت الركام، راقبوا الجائع الذي يقتسم حفنةَ ترابٍ ليصمد، راقبوا الدموع وهي تتحجّر في العيون، راقبوا الأرض وهي تبتلع أبناءها في صمت.
أنا الفاشر…
صرتُ مرآةً سوداء يرى فيها العالم وجهه القبيح، وجهه الذي يبتسم للموت إن كان بعيدًا عنه، لا أعادي أحدًا ولا أطلب المستحيل، فقط أردتُ أن أعيش، لكن الحياة صارت ترفًا والنجاة معجزة لا تأتي إلا بالدم.
أسمعُ بياناتٍ كثيرة وتصريحاتٍ أكثر، لكنّي لم أسمع بعد نبض إنسانيةٍ واحدٍ يخفق لأجلي، المنظماتُ تحصي الجثث، لا الأرواح والقنواتُ تبحثُ عن صورةٍ تصلحُ للعرض ثم تُخفي البقية لأن المشهد قاسٍ للغاية.
أنا الفاشر…
أُقاوم كي لا أُمحى، أجمعُ بقاياي وأرتّبها على هيئة وطنٍ مصغّر، أضعُ وردةً على الركام وأقول:
“ما زلتُ حيّة، رغم أن العالم مات فيّ”.
إن ظننتم أن صمتي ضعف، فأنتم لم تفهموا بعد معنى الصبر، أنا لا أصرخ لأن الصوت خُذل، بل لأنّ الصرخة الأخيرة ستكون قيامةً من هذا الرماد.
أنا الفاشر وأنتم العالم، أنا المحرقة التي تتنفس وأنتم الرماد الصامت من حولي، لكنّي — رغم كل شيء — سأبقى، لأقول للأرض حين تهدأ “شهدتِ عليّ وها أنا ما زلتُ هنا”.

