‫الرئيسية‬ مقالات القاهرة – الخرطوم… اتجاه واحد
مقالات - 29 أكتوبر 2025, 7:08

القاهرة – الخرطوم… اتجاه واحد

عمر العمر

شاب العلاقات السودانية المصرية الموسومة بـ”الأزلية” كثير من أعراض الأزل. فمنذ عهد الوالي المؤسّس محمّد علي، ظلّت المصالح العليا للدولة المصرية تحكم العلاقة مع “جنوب الوادي”. وليست هذه الرؤية العليا وقفاً على القضايا الاقتصادية والأمنية، بل على عكس تيار النهر الخالد ظلّت التيارات الثقافية والاجتماعية تهبّ كذلك من الشمال إلى الجنوب. وبينما استسلمت السلطات المتعاقبة في الخرطوم لهذا التاريخ، لم يرهن الشعب نفسه للجغرافيا السياسية. فهذا التساوق هو على الصعيد الرسمي أكثر ممّا هو على المستويات الشعبية. النخب السودانية الشغوفة بنهل المعرفة والثقافة من الشمال لم تنهض بما يُحدِث تغييراً في المعادلة المختلة، لكن شخصيات وتنظيمات جأرت بالشكاوي في منحنيات زمانية متباينة. ومصر ليست استثناءً، فبحكم قوتها وطموحها يستهويها دور “الشقيقة الكبرى”، كما في عدد من علاقاتها الجوار العربي ودول مغايرة. لم ترضَ الدولة السودانية لنفسها استنكاف الندّية (إلا في حادثة يتيمة) فقط، بل جعلت الشقيقة الكبرى ظهيراً على شعبها. وحينما حاول ساسة سودانيون الخروج عن النصّ التأريخي، عمدت مصر إلى إزاحتهم من مسرح السلطة.

وباستثناء دور محمّد نجيب إبّان الحقبة الناصرية، ظلّ السودان ضمن مفهوم أمني قومي مصري غائم تجاه الدول الأفريقية قاطبة. منح جمال عبد الناصر للسودان اهتماماً في سياق بناء كارزميّته قائداً لمحاربة الاستعمار في العالم الثالث، فالحديث عن قبوله تقرير مصير السودان يتغافل عن إدراك خطورة الجلاء البريطاني عن مصر، والبقاء في السودان. كما أن التراجع عن التصعيد في حلايب ليس مردّه جرأة عبد الله خليل فقط، بل لأن عبد الناصر رغم دكتاتوريّته كان يصغي إلى مؤسّساته ومستشاريه. هذه ميزة افتقدها لاحقوه. كما أضاع خلفاء عبد الله خليل حسّه الوطني. أقحم هذا النقص المزدوج العلاقات الثنائية في نفق ملغوم بمغامرات عسكرية زادت من تعكير الأجواء. من ذلك بيع مدينة حلفا، وقصف الجزيرة أبا، واحتجاز بابكر النور وفاروق حمد الله في ليبيا، وتسويق انقلاب عمر البشير على التجربة الديمقراطية عربياً، ثمّ قضم مثلّث حلايب في ردّة فعل ثأرية على حماقة محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا.
في المقابل، الأنظمة في الخرطوم كلّها لجأت إلى الاتكاء على “الشقيقة الكبرى”، فحتى الرئيس الأسبق إبراهيم عبّود (1958 – 1964) لم يكن يستهدف إزالة ما سماها “الجفوة المفتعلة” عندما ارتضى إغراق مدينة حلفا العريقة مقابل ثمن بخس. فالقصد تعضيد نظامه العسكري. كذلك مضى جعفر النميري في الدرب نفسه حدّ توقيع تحالف عسكري بغطاء تكامل سياسي اقتصادي. وحده النظام قطف حصاد ذلك الجهد إلى أجل مؤقّت، ثمّ انتهى النميري نفسه رهينةً عند حليفه بأمر الحليف الأعلى. قطع القذافي طريق بابكر وفاروق (بأسنان تحالف عسكري رباعي) حسب تعبير أنور السادات. استنكف مبارك عن مناداة الصادق المهدي بمراجعة اتفاقات مياه النيل، فسارع إلى تأييد انقلاب الترابي ــ البشير. وقد أنجز الفريق عبد الفتاح البرهان على ثورة 19 ديسمبر (2018) بتنسيق وتدبير مع القاهرة. للمرّة الثانية، تقمع مصر تجربةً ديمقراطيةً في “جنوب الوادي”. لم يعد سرّاً تلقّي البرهان دعماً في حربه ضدّ الجنجويد رغم مساهمة “الإخوان المسلمين” في إشعال الحرب وإذكائها. لجأ آلاف السودانيين إلى مصر هرباً من نار الحرب، لأنهم لا يستطيعون الهروب من الجغرافيا، لكن مصر لم تكن أرض الميعاد حسب أحلام اللاجئين، ربّما لأنها هي نفسها مثقلة بهموم فوق الاحتمال.
هكذا ظلّت مصر تمتّن علاقاتها هي الأخرى مع أنظمة الخرطوم في غياب خريطة تنمية اقتصادية اجتماعية تشدّ بها أواصر الشعبين. كانت قادرة على هذا رسماً وتمويلاً وتنفيذاً منذ أيام عبد الناصر. ذلك جانب من قصور استراتيجي ضمن النظرة المصرية تجاه أفريقيا بأسرها والسودان خصوصاً. فالارتباط السياسي بين القاهرة وغانا أيام نكروما، ومع تنزانيا زمن نايريري وسيكونوري في غينيا، ومع إثيوبيا في عهد هيلا سيلاسي، لم يثمر أيَّ تعاون أبعد. حتى محاولات التغلغل داخل الحركة السياسية في السودان اعتمد على مكايدة “الاستقلاليّين” أكثر من فهم نافذ للواقع، فباء جهدها بتعثّر، إن لم يكن بإخفاق. وظلّت العلاقات السياسية أسيرة الاتجاه الرسمي الأحادي من الشمال إلى الحنوب. وحدها اتفاقية الحريات الأربع تشكّل خطوةً متقدّمةً في طريق تبادل الاستثمارات، لكن فئة محدودة أفادت من جدواها مقارنة مع موازنة عائدات استثمارات الدولة المصرية في الأزمة السودانية الراهنة.

ربّما أتاح وجود أكثر من رواق سوداني داخل الأزهر وهجرة طلاب للدراسة في الجامعات والمعاهد المصرية منذ عهد مبكّر، كذلك إنشاء فرع لجامعة القاهرة في الخرطوم، ربّما أتاح ذلك كلّه فرص بناء شبكة علاقات ثقافية تساهم في إصلاح ما أفسدته الأنظمة أو عجزت عن إنجازه. غير أن هذا التدافع للدراسة لم يُستثمر فيه بغية تكريس فهم معرفي عميق متبادل. فمصر استعصمت بدور الأستاذ من دون بذل أيّ جهد من أجل محاولة فهم الواقع الثقافي السوداني، بل ربما ليس مبالغةً القول إنها تجهل مقوّمات الثقافة السودانية. كذلك ليس من منطلق الإدانة أو الرجم القول إن ذلك يحدث من منظور استعلائي. فباستثناء ما كتب رجاء النقّاش عن الطيّب صالح، لا تكاد الذاكرة الثقافية السودانية تحتفظ بمساهمة مصرية لجهة التنوير بالثقافة السودانية. على المستوى نفسه، لا يوجد صدىً لجنوب الوادي في أجهزة الإعلام المصرية. وحده عبد الله حمدوك، المسؤول السوداني، تجرّأ وذكّر المصريين (وهو بينهم) بحتمية “الحوار في شأن المسكوت عنه” بغية تنقية الأجواء. لعلّها خطيئة لم تمرّ من دون محاسبة.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال