
زيارة د. كامل إدريس إلى إريتريا.. المشكلة ليست في الهتاف وحده
عمار الباقر
ضجّت الأسافير استنكارًا لهتاف الدكتور كامل إدريس بحياة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، باعتباره مسؤولًا رسميًا يحمل صفة رئيس وزراء دولة ذات سيادة. وإذا كان لا بدّ من هتاف، فالأجدر أن يكون لحياة العلاقات الأخوية بين الشعبين الشقيقين، لا لشخصٍ بعينه، حتى وإن كان رئيس الدولة المضيفة. فذلك يخالف الأعراف الدبلوماسية، ويُظهر قدرًا من التكلّف والتزلف الذي يضرّ بصورة الدولة أكثر مما ينفعها.
هذا السلوك يتجاهل حقائق الجغرافيا والتاريخ التي يدركها الرئيس أفورقي نفسه جيدًا. فالسودان هو الدولة الأكبر مساحةً وسكانًا ونفوذًا، وله الدور الأبرز في دعم القضية الإريترية إبّان حرب التحرير، بل وفي تمكين أفورقي شخصيًا من الوصول إلى سدة الحكم. لذلك، ينبغي ألا تنخدع النخبة الإريترية بحالة الضعف المؤقتة التي تمرّ بها بلادنا تحت حكم مجموعة محدودة الأفق. فالشعب السوداني هو ذاته الذي عرفوه في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، قويّ الإرادة، صلب العزيمة، لا يقبل الضيم ولا الخضوع.
لكن الغرض من هذا المقال ليس التوقف عند مظاهر التذلل التي صارت سمة لطبقتنا السياسية، وإنما محاولة قراءة ما جرى في ضوء التطورات الإقليمية الراهنة.
فخلال الأسابيع القليلة الماضية، أعلنت إثيوبيا عن اكتمال سدّ النهضة بقدرة إنتاجية تبلغ 5,150 ميجاوات، بعد أن أنجزت المشروع منفردة ودون أي اتفاقات مع الدول المتأثرة به، وعلى رأسها السودان ومصر. كما وقّعت أديس أبابا في 25 سبتمبر 2025 اتفاقًا مع روسيا لبناء محطة طاقة نووية بقدرة تقارب 1,200 ميجاوات، وهو مشروع، إذا اكتمل، سيمثّل نقلة نوعية في مسار التنمية الإثيوبية ويفتح أمامها آفاقًا جديدة من النهضة الاقتصادية.
للأسف، لا تزال العلاقات بين دول المنطقة أسيرة الهواجس والمخاوف، إذ يُنظر إلى نجاح أي دولة على أنه تهديد لجاراتها، بدلًا من أن يُعدّ خطوة نحو التكامل والتعاون المشترك. وبهذا المنطق المأزوم، باتت الإنجازات الإثيوبية مصدر قلق لبعض الدول، مثل مصر وإريتريا. وبدأت في الأفق تلوح نذر توترٍ وربما مواجهةٍ بين أديس أبابا وأسمرا، مع احتمال تورط أطرافٍ أخرى في التصعيد، وفي مقدمتها الإمارات العربية المتحدة التي يظهر دعمها المريب لإثيوبيا في هذا السياق.
أما في السودان، فالوضع أكثر خطورة. فالحكومة القائمة في بورتسودان، وهي حكومة أمر واقع، تبدو تابعةً تمامًا للحكومة المصرية، تُستخدم كأداةٍ لتنفيذ أجنداتها الإقليمية، مقابل ما تتلقاه من دعمٍ سياسي وعسكري في صراعها ضد ميليشيا الدعم السريع. ومن هذا المنطلق، يمكن فهم زيارة الدكتور كامل إدريس إلى إريتريا باعتبارها حلقة في هذا المسلسل، جاءت لتأجيج التوتر لا لإخماده، وبتوجيه من القوى التي تتحكم فعليًا في مفاصل القرار السوداني.
حينما يبتعد القادة عن شعوبهم، تتقزّم طموحاتهم وتتضاءل أدوارهم. كان الأجدر بالدكتور إدريس، ومعه الفريق البرهان، أن يقودا مبادرة لنزع فتيل الأزمة بين إثيوبيا وإريتريا، لا أن يساهما في تأجيجها. فالشعبان الإثيوبي والإريتري يكنّان للسودانيين المحبة والاحترام، كما يكنّ السودان لهما الودّ ذاته. فلماذا نقبل أن نكون أداة لخدمة مصالح الآخرين على حساب مصالحنا الوطنية؟ إن مصلحة السودان الحقيقية تكمن في استقرار الإقليم وازدهار شعوبه، لا في إشعال الحرائق التي قد تمتدّ إلينا جميعًا.
السودان، بحكم موقعه الجغرافي وتاريخه السياسي، هو الدولة الوحيدة القادرة على الجمع بين مصر وإثيوبيا وإريتريا، لو وُجدت رؤية رشيدة وحكمٌ متزن. أما اتخاذ المواقف استنادًا إلى حسابات أمنية ضيقة أو توجيهات استخباراتية آنية، فذلك لا يصنع سياسة خارجية ناضجة، بل يجرّ البلاد إلى مزيدٍ من العزلة والارتهان.
ختامًا، يجب ألا نكرّر خطايانا القديمة في اليمن، حين زُجّ ببلادنا في حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل. فالشعب السوداني لا يقبل أن يكون مطيةً لإيذاء الشعوب الأخرى. تلك هي القضية الجوهرية —
وليست الهتاف.

