‫الرئيسية‬ مقالات عن ازدواجية المواقف في خطاب مجلس السيادة الانتقالي حول السلام والعدالة
مقالات - 10 أكتوبر 2025, 0:42

عن ازدواجية المواقف في خطاب مجلس السيادة الانتقالي حول السلام والعدالة

مهدي داود الخليفة
تابعً جميع السودانيون باهتمام البيان الصادر عن مجلس السيادة الانتقالي في السودان، والذي رحّب فيه باتفاق السلام الموقع في شرم الشيخ بين الفصائل الفلسطينية، واعتبره خطوة جوهرية نحو وقف النزيف ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني. كما أثنى المجلس على الجهود الإقليمية والدولية التي قادت إلى هذا الاتفاق، واصفًا إيّاه بانتصار لقيم العدالة والإنسانية.
وإذ نشارك العالم الترحيب بأي جهد يضع حدًّا للمعاناة الإنسانية ويُوقف سفك الدماء، إلا أن ما ورد في بيان مجلس السيادة يثير تساؤلات عميقة حول المعايير المزدوجة التي يتبناها المجلس في مقاربة قضايا السلام والعدالة، لا سيما في ظل استمرار الحرب المدمرة التي يشنها داخل السودان، وصمته المطبق إزاء أحكام العدالة الدولية في ملف دارفور.
في الوقت الذي يُشيد فيه مجلس السيادة باتفاق سلامٍ خارجي، يواصل هو ذاته إدارة حربٍ داخليةٍ تُحرق المدن السودانية وتشرّد ملايين المدنيين، متجاهلاً دعوات وقف القتال، ومتنصلًا من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في حماية المدنيين.
الأدهى من ذلك، أن المجلس لم يُصدر أي موقف رسمي حيال الحكم التاريخي الصادر من المحكمة الجنائية الدولية بحق المجرم علي محمد علي عبد الرحمن (كوشيب)، الذي أدين بثمانٍ وعشرين تهمة تتعلق بجرائم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب ارتُكبت في دارفور بين عامي 2003 و2004.
ذلك الحكم لا يمثل فقط إدانة لفردٍ، بل يُجسّد بداية مسار عدالة طال انتظاره، ويضع الأساس القانوني لمحاسبة جميع المسؤولين عن الجرائم الجماعية في السودان، سواء من نفّذ أو من تستّر أو من عرقل العدالة. تجاهل المجلس لهذا الحكم يُعد موقفًا سياسيًا وأخلاقيًا فاضحًا، يُثبت أنه لا يزال يوفّر مظلة الحماية للمجرمين، ويغلق أبواب العدالة في وجه الضحايا.
* إن ترحيب مجلس السيادة باتفاق سلام غزة يستند إلى مبادئ القانون الدولي التي تُلزم الأطراف بوقف العدوان وحماية المدنيين. غير أن المجلس نفسه ينتهك هذه المبادئ يوميًا في السودان، عبر استهداف البنية المدنية، وعرقلة المساعدات الإنسانية، واستمرار التهجير القسري في دارفور وكردفان والخرطوم.
* هنالك ازدواجية في الخطاب الرسمي اذ تبنّي لغة “السلام والعدالة” في الخارج، ورفضها في الداخل، يمثل نموذجًا صارخًا للنفاق السياسي، ويُظهر غياب البوصلة الأخلاقية للدولة. فالمجلس الذي يصف سلام غزة بأنه “انتصار للإنسانية” هو ذاته الذي يبرر استمرار حربٍ أودت بحياة عشرات الآلاف من السودانيين.
* ان حكم المحكمة الجنائية ضد كوشيب هو خطوة أولى نحو مساءلة منظومة كاملة من الجريمة السياسية والعسكرية التي تأسست على الإفلات من العقاب. وهي منظومة امتدت من نظام البشير إلى تركيبة السلطة الحالية، التي لا تزال تضم عناصر متورطة في تلك الجرائم أو تغضّ الطرف عنها.
* بموجب القانون الدولي الإنساني، فإن أعضاء مجلس السيادة، بوصفهم قادة فعليين في النزاع، يتحملون المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي تُرتكب تحت سلطتهم، ولا يمكنهم الاحتماء بالشرعية الشكلية التي فقدت معناها الأخلاقي والوطني منذ اندلاع الحرب.
المطلوب الان اصدار موقف علني وواضح تجاه حكم المحكمة الجنائية الدولية في قضية دارفور و الاعتراف بحق الضحايا في العدالة بوصفه جزءًا لا يتجزأ من أي عملية سلام حقيقية داخل السودان.. المجتمع الدولي مطالب بعدم مكافأة الأطراف المتورطة في الحرب، بل ربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بالتزام فعلي بمبادئ العدالة والمساءلة.
السلام لا يُستورد من الخارج، وأن من يرحب بسلام غزة مطالب أولًا بصنع السلام في الخرطوم والجنينة ونيالا وزالنجي وكادوقلي.
علي القوى المدنية والحقوقية السودانية توحيد جهودها من أجل مسار وطني للعدالة الانتقالية، يضمن محاسبة الجناة وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة في الدولة.
إن الترحيب باتفاق غزة لا يُغني عن مسؤولية الداخل، ولا يُمكن أن يُغطّي على واقع الحرب والدمار في السودان.
إن العدالة التي يصفها مجلس السيادة بأنها “انتصار للإنسانية” في فلسطين، يجب أن تبدأ أولاً من دارفور، حيث تنتظر آلاف الأمهات والأرامل والنازحين أن يسمعن كلمة واحدة تُنصفهم بعد عقدين من الصمت.
فمن لا يُؤمن بالسلام لشعبه، لا يملك حق التحدّث باسم السلام في أي مكان.
ومن يتجاهل العدالة في داره، عيب عليه أن يُمجّدها في ديار الآخرين.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال