
السودان بين الحرب العبثية وبناء الأمم: من المسؤول عن إضاعة عقودٍ من التنمية؟
مهدي داود الخليفة
في لحظةٍ كانت فيها شعوب المنطقة تبني وتزدهر، وتتحول من دول نامية إلى اقتصادات صاعدة، وجد السودان نفسه ينهار تحت ثقل حربٍ عبثيةٍ لا مبرر لها سوى الجهل والطمع في السلطة.
بينما دشّنت إثيوبيا رسميًا سد النهضة لتوليد الطاقة وتوسيع التنمية، ومصر تنفذ مشروع النهر الجديد لتعزيز أمنها المائي والزراعي، ظل السودان يغرق في الفوضى والدمار، يبحث أهله لا عن التنمية ولا عن الخدمات، بل عن الحق في الحياة.
لقد أضاع انقلاب 25 أكتوبر 2021 على السودان فرصة تاريخية للانتقال نحو دولة مدنية مستقرة. فتح الباب واسعًا أمام الانقسام، والاقتتال، والدمار. ومنذ ذلك اليوم الأسود، دخلت البلاد في دوامةٍ من الخراب لم تخرج منها بعد، حيث تحولت البنادق إلى وسيلة حكم، والدم إلى لغة السياسة.
بلادٌ تتقدّم… وسودان يتراجع
بينما تشهد القارة الإفريقية نهضة عمرانية واقتصادية – من سدود إثيوبيا إلى موانئ تنزانيا والمناطق الصناعية في كينيا – يقف السودان على أطلال مدنه، يتقاتل على خرائبها أبناؤه، كلٌّ يدّعي النصر في معركةٍ لا منتصر فيها.
ماذا يعني أن تُحتل أو تُحرَّر أم صميمة أو الخوي أو الصالحة؟
مدنٌ كانت تحتاج إلى الكهرباء والماء والمدارس والمستشفيات، لا إلى المدافع والدانات.
من يتحدث عن النصر في حربٍ كهذه جاهل أو مجرم، لأن هذه ليست حرب كرامة، بل حربٌ على الإنسان نفسه.
تقديرات الأمم المتحدة والبنك الإفريقي للتنمية تكشف حجم الكارثة و الدمار :
الخسائر الاقتصادية:
• خسائر السودان منذ اندلاع الحرب تتجاوز 250 مليار دولار.
• انكماش الاقتصاد بنسبة 36%، وتضخم فاق 187.83% في عام 2024.
• 40% من الناتج المحلي لعام 2022 دُمّر خلال عام واحد فقط.
• الديون الخارجية جُمدت، وتعطلت كل برامج إعفاء الديون ودعم الموازنة التي كانت تتجاوز مليار دولار سنويًا قبل الانقلاب.
• العاصمة الخرطوم وحدها خسرت أكثر من 6 مليارات دولار من أصولها ومرافقها.
الخسائر الاجتماعية:
• أكثر من 30.4 مليون إنسان يحتاجون إلى مساعدة عاجلة.
24.6 مليون مهددون بانعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 3.7 مليون طفل وامرأة يعانون من سوء التغذية.
12.6 مليون نازح ولاجئ – أكبر أزمة نزوح في العالم.
17 مليون طفل خارج التعليم، وهو ما يعني جيلاً كاملاً يُمحى من الوجود المعرفي.
أقل من 25% من المرافق الصحية تعمل، مع تفشي الكوليرا والملاريا وسوء التغذية.
الخبير الاقتصادي و وزير المالية السابق الدكتور إبراهيم البدوي يقدّر الرصيد الرأسمالي للسودان قبل الحرب بـ 600 مليار دولار، وقد خسر في عامٍ واحد فقط 30 مليار دولار، وقد تصل الخسائر خلال خمسة أشهر إضافية إلى 160 مليار دولار.
حتى لو توقفت الحرب اليوم، فإن البلاد تحتاج إلى 11 عاماً لاستعادة المستوى الاقتصادي لعام 2022، وأكثر من عقدين لتعيد بناء مؤسساتها وبنيتها التحتية
لم يكن الدمار في الحجر وحده، بل في البشر.
فقد أفرغت الحرب المدن من معلميها وأطبائها ومهندسيها، وشردت ملايين الأسر، ودفعت عشرات الآلاف من الشباب للهجرة، ليصبح السودان دولة طاردة للحياة.
لقد شوهت هذه الحرب النفس السودانية، فبدلاً من التسامح أصبح الحقد هو اللغة، وبدلاً من الوحدة صار الانقسام هو الهوية الجديدة.
هذه ليست حرباً بين جيشين، بل حرب على مستقبل وطن.
ولذا فإن من يباركها أو يشارك فيها شريك في الجريمة الوطنية الكبرى.
قبل الانقلاب والحرب، كان السودان على أعتاب:
* إعفاء أكثر من 60 مليار دولار من الديون الخارجية.
* دعم مباشر للموازنة يفوق مليار دولار سنويًا.
* انفتاح استثماري عالمي في الزراعة والطاقة والتعدين
لكن كل ذلك تبخر.
تحولت البلاد من مرشحة لتكون “سلة غذاء إفريقيا” إلى أكبر بؤرة مجاعة في العالم، وفقًا لتقرير الأمم المتحدة (OCHA).
ليس أمام السودان خيار سوى وقف الحرب فوراً والبدء في مسار وطني جامع:
* تشكيل حكومة مدنية تحظى بثقة الشعب والمجتمع الدولي.
* حملة إغاثة وطنية عاجلة لإنقاذ 30 مليون إنسان من الجوع والمرض.
* إطلاق صندوق وطني لإعادة الإعمار تحت إشراف أممي لضمان الشفافية.
* إعادة 17 مليون طفل إلى المدارس خلال عامين كحد أقصى.
* محاسبة كل من تسبب في إشعال هذه الحرب.
هذه ليست حرب كرامة، بل حرب حرام، يقتل فيها أبناء الوطن بعضهم بعضًا لأجل كراسي زائلة وسلطة ملوثة بالدم.
الشعب السوداني الذي أضاء العالم بثورته في ديسمبر المجيدة، قادر أن ينهض من جديد إذا ما استعاد صوته، ووحد صفه، وأغلق باب الشيطان الذي فُتح بالانقلاب والحرب.
لقد آن الأوان لنقولها بوضوح:
لن يُبنى السودان إلا حين يسقط من أوقدوا نار الفتنة، وحين يعود الضمير السوداني إلى موقع القيادة.

