
كيف يمكن للبشر أن يكونوا أشرارًا إلى هذه الدرجة؟
عمار الباقر
“التاريخ لا يصنعه الساسة ولا الجنرالات، بل أولئك العاديون الذين يملأون الشوارع بالهتاف من أجل العدالة.”
تستعد القاهرة لمراسم توقيع الاتفاق بين الحكومة الإسرائيلية وحركة حماس بمدينة شرم الشيخ، والذي – حسبما رشح من أنباء – سيكون بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يعتبر نفسه المهندس الحقيقي لهذا الاتفاق، بمساعدة كلٍّ من مصر وقطر وتركيا.
لكن، الجميع يعلم أنه ما كان لهذا الاتفاق أن يكون، ولا لوقف إطلاق النار في غزة أن يتحقق، ولا للرهائن أن يعودوا، لولا الحملات التي قادها أشخاص عاديون، أمثال تلك الشابة السويدية ذات الاثنين والعشرين ربيعًا غريتا تونبرغ، ورصفاؤها من طلاب الجامعات الأمريكية والأوروبية الذين ملأوا الشوارع بالهتاف إلى الدرجة التي أرعبت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فأمر باستبعاد أي طالب يتضامن مع شعب غزة، ليأتي اليوم بلا حياء مطالبًا بالحصول على جائزة نوبل باسم الشعب الفلسطيني، هذا الشعب الذي لطالما عمل هو وصديقه نتنياهو على ذبحه، ونادوا صراحة بتهجيره.
لن تحضر غريتا هذا الاحتفال المهيب، لا هي ولا أولئك الأبطال في قافلة الصمود، ولا الطلاب الذين حُرموا من الإقامة والدراسة داخل الولايات المتحدة، ولا الآلاف الذين ملأوا الشوارع مطالبين بحق الشعب الفلسطيني في الحياة.
بل سيحضر الاحتفال أولئك الذين جعلوا ما حدث في غزة ممكنًا عبر صمتهم، وفتحهم الأجواء والبحار والقواعد العسكرية لنقل الأسلحة الأمريكية لذبح شعب غزة.
إنهم أناس عاديون، هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون لوقف إطلاق النار وعودة الرهائن. وهم في هذه اللحظات قابعون في بيوتهم، يضمدون جراحهم ويشحذون الهمم استعدادًا لجولة جديدة في معركة الإنسانية، وحرب وقف استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
علينا أن نتذكّر أن التاريخ إنما يصنعه أشخاص عاديون، أمثال غريتا تونبرغ، وقبلها كانت جميلة بوحريد، وسهى بشارة، والشهيد مطر، وأحمد الخير، وعبد السلام كشة، وعثمان تِيّة كافي، ومحجوب التاج.
من سخرية القدر وفساد النظام أن يجني شخص مثل ترامب ثمار تضحيات أشخاص عاديين أمثال الشابة غريتا وأترابها، الذين حرمهم ترامب نفسه من الإقامة والدراسة داخل الولايات المتحدة، وأن يتخذ قادة الجيش والدعم السريع وحلفاؤهم من قادة الميليشيات وبعض السياسيين الانتهازيين من دماء محجوب التاج وعثمان تِيّة ودماء عشرات الآلاف من دماء الشباب من صغار الضباط والجنود مطيّةً لطموحاتهم المريضة.
شكرًا غريتا، فقد كنتِ محقّة:
كيف يمكن للبشر أن يكونوا أشرارًا إلى هذه الدرجة

