
الخرطوم.. إغلاق(تكايا) وحجب مساعدات.. تجويع بأمر السلطات
مداميك : ندى رمصان
في الوقت الذي يشهد فيه السودان انهياراً في القطاعات الإنتاجية وانشار المجاعة مع ضعف بالغ للاستجابة الإنسانية، خرجت سلطات الخرطوم بقرار قضى بتجفيف مطابخ غرف الطوارئ (التكايا) وسط استنكار واستهجان واتهامات بفساد موظفين بالمحليات وسيطرتهم على مواد الإغاثة والتحكم في توزيعها دون الالتزام بعدد الأسر والحصص المخصصة لكل أسرة، في تجاوز خطير اعاد للأذهان مممارسات النظام البائد.
مجاعة ونقص تمويل
وكان برنامج الأغذية العالمي حذر من تعرض عدة مناطق بالخرطوم لخطر المجاعة مع تجاوز الاحتياجات للموارد، ونقص تمويل المساعدات للمناطق والولايات السودانية التي مزقتها الحرب. وقال مدير برنامج الأغذية العالمي في السودان، لوران بوكيرا، إن “مستوى الجوع والعوز واليأس شديد ويؤكد خطر المجاعة في تلك المناطق ” .
وقالت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة إنها تمكنت من الوصول إلى مليون شخص في سبع مناطق في الخرطوم، بعد أن تمكنت من الوصول إلى العاصمة. ومنذ بداية النزاع، اضطر أكثر من 3 ملايين شخص إلى الفرار من منازلهم في ولاية الخرطوم، وتضررت حياة الملايين .
ومع تحسن إمكانية الوصول إلى أجزاء واسعة من الولاية، عاد أكثر من 34.000 شخص إلى ولاية الخرطوم منذ بداية العام الجاري . ويعود معظمهم إلى منازل مدمرة في مناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك المياه والصرف الصحي، والتي تُعدّ ضرورية للوقاية من الأمراض . وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليون طفل يعيشون في المناطق المتضررة وسط انقطاع التيار الكهربائي وزيادة حدة نقص المياه .
تجاوزات وتعدٍّ
وفي ظل تلك التحديات اصطدمت الأسر المتواجدة بمنطقة الديوم الشرقية بالخرطوم بتعامل غير إنساني من المحلية مع غياب الشفافية والفوضى في التوزيع.
واكد الناشط مهند عبد القادر في حديثه ل(مداميك)، ان المحلية رفضت منح كل الأسر حصصهم كاملة من الإغاثة . واوضح قائلاً ” بالحي الواحد 400 أسرة ويتم منح 200 أسرة فقط .. ولنا أن نتخيل أن الديوم تتشكل من 22 حي” ، في اشارة منه إلى حجم المستقطع من مستحقات الأسر .
وكشف مهند عن رفض المواطنين في حي القنا شمال وجنوب تسلم الإغاثة، لأنها لا تكفي كل الأسر وتابع قائلاً : ” بعد ذلك بدت المفاوضات خلاص نديكم 250 طيب نوصلها ليكم 300 وهكذا ..” . واعتبر مهند ما يحدث تلاعب بالحصص المخصصة للمواطنين . متهماً محمد على مدير القطاع بالمحلية بالافتراء على المواطنين ومخاطبتهم بعنجهية بسبب تمسكهم بحقهم . مشيراً إلى أن المدعو كان يرد على مطالبات المواطنين بقوله : ” ديل عايزنها عايزنها ما عايزنها شيلوها ودوها أي منطقة تانيه .. ديل شبعانين ” .
وقال الناشط مهند “على الموظفين بمحليات ولاية الحرطوم القيام بدورهم كاملا تجاه المواطن دون حجر او تمييز او احتيال، وتوصيل المواد الإغاثية لمحتاجيها بمنازلهم معززين مكرمين”.
تجويع الأسر بأمر السلطات
وفي محلية بحري اوقف المدير التنفيذي التكايا وتقديم الطعام للأسر المتضررة من الحرب . وفي منشور قالت لجنة طوارئ بحري إن غالبية (التكايا) توقفت بسبب تدخل المفوضية والمحليات بعد رهن توزيع الإغاثة باخطارهم . وقاموا بمنع الجهات والأفراد من تقديم الدعم للتكايا دون علمهم ، بمعنى (ماف جوال عدس او فول يخش على التكايا دون موافقتهم و بحضورهم) حسب المنشور . ولتدارك الأمر خاطبت الجهة الوسيطة التي تعمل في توزيع المواد على التكايا، المفوصية ، لتظل حتى اللحظة في انتظار الرد على الخطاب الذي لازال بطرف المدير التنفيذي لمحلية بحري . وحسب منشور اللجنة أن المدير امتنع عن منحها تصريحا لاستلام الحصص من برنامج الأغذية ، و” لاحياة لمن تنادي” .
سلوك مرفوض
وتكررت ذات التجاوزات بمحلية شرق النيل. حيث كان عدد المسجلين 200 أسرة، وصلهم 150 جوال دقيق زنة ٢٥ كيلو وملح طعام فقط.
وهنا يبرز السؤال: أين تذهب الحصص المستقطعة بواسطة مجليات الخرطوم ولمصلحة من يتم ذلك ؟
مع سبق الاصرار
ووفقاً لإفادة أحد العاملين بمنظمة الأغذية العالمية لـ (مداميك) مفضلا حجب هويته ، ڤأن برنامج الأغذية العالمي هو الداعم الرئيس لمطابخ لجان الطوارئ بالأحياء (لتكايا)، بمعظم محليات ولاية الخرطوم عبر غرف الطوارئ او المنظمات الوطنية. وما حدث من مستجدات تمثل في تجفيف (التكايا) عبر تحويل دورها من تقديم الوجبات الى توزيع المواد، والآن تم تحويل 50% منها على أن يتم تحويل المتبقي خلال الثلاثة أشهر القادمة.
وقال إن برنامج الأغذية العالمي تأثر بقرارات ترامب الأخيرة ، ويعاني من ضعف التمويل. وزاد بقوله ” ومع ذلك تعمل المنظمة على تغطية حوجات اللاجئين بكينيا ويوغندا ومصر واثيوبيا وافريقيا الوسطى وغيرها من الدول”.
وحول تغول المحليات على العمل الإنساني بعد تحرير الخرطوم بات المواطن العادي لايثق في المحليات وانما ترسخت ثقته في غرف الطوارئ والمنظمات المحلية التي ساندته في الأيام والاوقات العصيبة. وفي ظل تلك الظروف، تصر الحكومة والجهات الرسمية على الاستحواذ والسيطرة على الموارد من خلال استلام الوزارات لكل الدعومات على ذات النسق القديم الذي يساعدهم على التعدي على قوت العالقين والمحتاجين بشكل منظم ومع سبق الاصرار والترصد .
الملاذ الأخير
ناشطون حذروا من خطورة استمرار تقلّص العمل الخيري المتمثل في (التكايا) باعتبارها ملاذًا أخيرًا لبقاء المواطنين على قيد الحياة. وأضاافوا ان إغلاقها ينذر بخطر شديد، ويهدد بحدوث مجاعة حقيقية، وبالتالي تزايد التفلتات الامنية بسبب الجوع. فالعالقون لا يجدون قوت يومهم ويعتمدون بشكل شبه كلّي على التكية وما يُنتَج في تلك المطابخ . في ظل عدم وجود مصادر دخل وتوقف دواوين الحكومة مع غياب الأمن والأمان وارتفاع أسعار السلع الغذائية ان وجدت بالأسواق.
وفي تقرير المشترك بين منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمي صدر منتصف يونيو الماضي، صنفت الأمم المتحدة سكان السودان ضمن خمس بؤر ساخنة للجوع في العالم يعانون من الجوع الشديد، ومهددون بخطر المجاعة والموت خلال الأشهر القادمة ما لم تُتخذ إجراءات إنسانية عاجلة وتُبذل جهود دولية منسقة لخفض حدة الصراع والحد من النزوح وتوفير إغاثة عاجلة . وتشير التقارير إلى أن أكثر من 24 مليون شخص في السودان يواجهون انعدام الأمن الغذائي الحاد.

