‫الرئيسية‬ اخبار الدراسة عن بعد في الجامعات السودانية .. حضور افتراضي وغياب وجداني
اخبار - تحقيقات - 12 يوليو 2025, 14:50

الدراسة عن بعد في الجامعات السودانية .. حضور افتراضي وغياب وجداني

مداميك : مرام معاذ مدني

“كان الأمر صعباً عليّ وأنا أرى أقراني يتخرجون وينطلقون في حياتهم المهنية، كان التعليم الإلكتروني هو الحل الوحيد المتاح الذي لا مفر منه، صحيح إنه يختصر الكثير من الوقت والجهد إلا انه يفتقد للجانب الحركي ويؤدي لملل في الدراسة ،.. وأيضا عدم استقرار الانترنت يشكّل عائقاً لتجربة التعليم الإلكتروني “. . ثم امتزج صوته بحسرة وغضب وقال  : ” تخلفت عن امتحان كامل بسبب انقطاع الشبكة ” .  بتلك الكلمات روى طالب علوم الإتصال (ا. ك.ع) لـ (مداميك) معاناته في إكمال مسيرة تعليمه الجامعي.

بحسب إحصائيات تقديرية فقد حرمت حرب 15 أبريل حوالي 40%_60% من طلاب السودان الجامعيين من الدراسة، كما أجبرت ،15%_20% منهم  للفرار من البلاد بهدف إكمال دراستهم بالخارج، بينما توقفت 50% من الجامعات الحكومية عن العمل كلياً وتحولت من منارات للعلم إلى ذكرى مؤلمة ليصبح التعليم في صدارة القطاعات تضرراً من الحرب الطاحنة، وهجرت الطلاب والأساتذة ودمرت البنية التحتية، للتعليم العالي واحرقت المكتبات ولم تسلم حتي المباني من القصف والسرقة. وأُغلقت قاعات المحاضرات وتحول معظمها  مراكز إيواء للنازحين .

ومع ذلك ليست هذه المرة الأولى التي تُغلق فيها الجامعات السودانية أبوابها، ولم يكن التعليم الإلكتروني حلاً جديداً من نوعه، فقد كان حلاً بديلاً خلال جائحة كورونا، وغيرها من المرات التي توقف فيها التعليم الجامعي بسبب ما مرّت به البلاد في السنين الأخيرة . إلا أن هذه المرة يظل الوضع مختلفاً  مع فرار آلاف الأسر من ولاية الخرطوم ثم عدد من الولايات،  طلباً لمناطق آمنة نسبيا تعاني أغلبها من انعدام او ضعف شبكات الانترنت والكهرباء، ما شكل عائقاً للطلاب لمواصلة رحلتهم الجامعية، علاوة للظروف الاقتصادية الطاحنة التي حلّت بهم جراء الحرب .

بين الحضور الإفتراضي والواقعي

يقول عميد الطلاب المتقاعد البروفسير (ع ,م) :” لم تكن الجامعات يوماً مكان للدراسة فقط ، بل هي تجربة اجتماعية هامة تُعد الأولى من نوعها في حياة كل طالب وان لم يخض هذه التجربة فمساهمته في المجتمع ستكون منقوصة وغير ناضجة ” .

ويوضح أن تجربة الطالب داخل المحراب الجامعي عالم يُوازي واقعية الحياة ليخرج منها قادراً على خوض الرحلة المهنية والدور الإيجابي تجاه المجتمع، بعد ان تفاعل مع بيئة صقلت شخصيته، وجعلتها تقبل الاختلافات، وابرزت مهاراته القيادية من خلال الأنشطة الجامعية المتعددة، وبناء العلاقات الاجتماعية .

وعن عملية التعليم عبر الانترنت تقول الطالبة ايمان عثمان ل(مداميك) : ” توفر الجامعة ندوات ثقافية وفنية تلعب دوراً كبيراً في تشكيل شخصية الفرد وتطوير مهاراته وقدراته . كما لا توفر الشاشات التفاعل المباشر المنشود بين الأستاذ والطالب، كذلك يفتقد الطلاب في التعليم الإلكتروني النقاشات الحيّة والجلسات العفوية مع زملائهم بين المحاضرات ، وتلك كلها أمور لا يوفرها الانترنت ” . وتضيف : ” للأسف تحولت العملية التعليمية الجامعية من رحلة ممتعة ومليئة بما ذكرناه إلى مجرد تلقين معلوماتي مما أفقد الجامعة سحرها وعمقها الفكري والإنساني ” .

الي ذلك  فهناك تحديات اخري تواجه عملية التعليم عن بعد عبر الأنترنت بمختلف مراحله، تتمظهر في الطالب الذي كد في التعليم الأساسي وترقي للمرحلة الجامعية فهو  لم يختبر او يخوض التجربة الجامعية أصلا، وقد عبّرت عنه إحدي الطالبات اللواتي اجتزن امتحان الشهادة السودانية الأخير حيث أبدت حماسها لمرحلة الجامعة مقرونا بقلق غياب الأنشطة الجامعية باعتبارها تخلق من الطالب شخصية اجتماعية، حركية، وتحب التفاعل وبناء الصداقات وأردفت قائلة : ” أؤمن بدور الجامعة في صقل شخصية الفرد وجعلها أكثر وعياً، وصحيح أن الانترنت ساعد في تحريك عجلة التعليم ووفر علينا الوقت والجهد ولكنني اخشى أن يقف ضعف شبكات الانترنت والكهرباء عائقاً “.

أيضا هناك طلاب في منتصف دراستهم يشعرون بفجوة كبيرة بسبب انقطاعهم عن زملائهم وبيئتهم، أما الخريج فقلّت فرصه في بناء علاقات مهنية والتي غالبا ما تُعدّ من أهم مخرجات الجامعة . وفقا لما جاء في شهادة الطالب احمد خالد : ” توقف التعليم لم يكن سهلا خاصة وأنا مقبل على سنتي الدراسية الأخيرة ، كان الأمر صعباً عليّ وأنا أرى أقراني يتخرجون ويبدأون حياتهم المهنية، كان التعليم الإلكتروني حلاً وحيداً لا مفر منه، صحيح انه يختصر علينا الكثير من الوقت والجهد، إلا انه يفتقد للجانب الحركي مما سبب مللاً دراسيّا ، كما أن عدم استقرار شبكات الانترنت شكّل عائقاً حيث أذكر انه فاتني امتحان كامل بسبب انقطاع الشبكة في منطقتي” .

وأوضحت ندي حامد اختلاف طفيف في وضع الخريجين ، وقالت لم أعاني بسبب غياب الأنشطة الجامعية أو إرسال المادة الدراسية عبر الانترنت لأنها كانت سنتي الأخيرة ، صحيح أن إدارة الجامعة تأخرت في معالجة الوضع لاستئناف الدراسة في البداية مما أثّر على وضعنا الاكاديمي والنفسي إلا أنني أرى التعليم عن بعد أكثر مرونة وراحة للجسد مما ساعدني في إكمال مشروع تخرجي، واضافت  لم تكن التجربة سيئة بالنسبة لي فسرعان ما تكيّفت مع الأوضاع والظروف.

ولكي تكتمل الصورة  التقت (مداميك) بالأستاذة الجامعية (ب.ح) التي أدلت بشهادتها بقولها : ” ساعد التعليم عن بعد في تحريك عجلة التعليم، وسمحت للطلاب من مختلف بقاع الأرض بمواصلة دراستهم رغم الظروف. ولكن غياب التعامل والتواصل الشخصي مع الطالب لإيصال المعلومة التي يصعب علينا أحيانا شرحها اسفيرياً بالطبع امرا صعباً علي الأستاذ الجامعي . كذلك عدم معرفة مدى تجاوب الطلاب مع المادة لكثرة المعلومات وتضاربها لم يكن سهلاً علينا “. وقالت : أرى التعليم عن بعد قد وفر للأستاذ الجامعي فرصة للتدريس في أكثر من جامعة دون تضارب وبالتالي زيادة في الدخل، ولكنني أفضل المدرسة التقليدية المتمثلة في القاعات والمشاركات الفعّالة بين الأستاذ والطالب وإمكانية إلقاء المحاضرة بالمشاركة مع الطلاب عن طريق ال ” presentations” .

تظهر بيانات وسائل التواصل الاجتماعي ان الملل أصاب الكثير من الطلاب بسبب رتابة التعليم عن بعد، الجلوس لساعات أمام الكمبيوتر دون تفاعل حقيقي يفقد الطالب حماسه ويقل استيعابه للمعلومات . كما أن غياب البيئة التنافسية التي توفرها الجامعة أفقد بعض الطلاب حافز التفوق . وبالرغم من هذا يرى الكثيرين انها كانت قفزة الكترونية ساهمت في التطور التقني وجعلت الطلاب والأساتذة يتعلمون مهارات رقمية جديدة قد تساهم في مواكبة الحداثة والتطور.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 4.7 / 5. Total : 3

كن أول من يقيم هذا المقال