
“ترامب وإحلال السلام في السودان: بين الواقعية البراغماتية ووهم التعهدات”
مهدي داود الخليفة
في التاسع من يوليو 2025، عُقدت القمة الأميركية–الأفريقية المصغرة بمشاركة خمسة من زعماء دول الساحل الأفريقي. لم تنل القمة اهتمامًا كبيرًا في الإعلام الأميركي، ولم تصدر عنها مخرجات تُحدث اختراقًا في الملفات الكبرى التي تعصف بالقارة. لكن رغم ذلك، استوقفت المراقبين إشارة الرئيس دونالد ترامب – في تصريح جانبي – إلى التزامه بـ”إحلال السلام في السودان وليبيا”، دون تقديم رؤية أو إطار زمني أو خطوات ملموسة.
فهل تعكس هذه التصريحات مجرد لفتة انتخابية؟ أم يمكن البناء عليها كإشارة مبدئية لعودة السودان إلى دوائر الاهتمام الأميركي؟ وهل يمثل ترامب فعلاً حليفًا موثوقًا في مسار السلام السوداني، أم أنه سيعيد إنتاج أخطاء الماضي عبر دعم العسكر وتجاهل القوى
رغم أن السودان لم يكن جزءًا من جدول أعمال القمة، فإن مجرد ذكره على لسان ترامب يحمل بعض الدلالات:
إشارة ترامب قد تعكس نية لاستعادة موطئ قدم في القرن الأفريقي، خاصة في ظل التمدد الروسي في البحر الأحمر والوجود الإيراني في شرق السودان.
ايضا رسائل انتخابية داخلية اذ يستخدم ترامب قضايا السودان وليبيا كمؤشرات لفشل سياسة بايدن الخارجية، مما يتيح له تصوير نفسه كمنقذ محتمل قادر على إعادة الاستقرار.
وًتزامن كل هذا مع تقارير صحفية مثل The Africa Report إلى أن مستشاره اللبناني–الأميركي مسعد بولس سيجري مشاورات مع جهات سودانية، ما قد يشير إلى بلورة مبادرة قيد الدراسة.
لكن بالرغم من هذه الإشارات، يظل السودان غائبًا فعليًا عن الاستراتيجية الأميركية الكبرى، ولا توجد مؤشرات على تحرك دبلوماسي مؤسسي جاد، كما في حالة النيجر أو أوكرانيا أو تايوان.
و يبقي السؤال هل ترامب جاد فعلًا في دعم السلام بالسودان؟
الواقعية تفرض علينا التمييز بين النية السياسية، وهي حاضرة في التصريحات والإرادة الاستراتيجية، وهي غائبة حتى الآن.
لكن هنالك عدد من الدوافع التي قد تدفع ترامب لتحرك أكثر جدية:
احتواء النفوذ الروسي والإيراني في الموانئ والسواحل السودانية.
منع تفكك الدولة السودانية، تفادياً لانهيار مشابه لليبيا، وانعكاسات الهجرة واللجوء على أوروبا.
فرص اقتصادية ضخمة في المعادن والزراعة، تهم الشركات الأميركية إذا ما استقر الوضع.
لكن هذه الدوافع تظل مرتبطة بالمصالح الأميركية المباشرة، لا بالشعب السوداني أو معاناته.
لإضفاء مصداقية على وعود السلام، ينبغي على الإدارة الأميركية القادمة تبني حزمة متكاملة تشمل:
مسار أمني: وقف إطلاق النار بدعم قوى إقليمية (نيجريا، السنغال، الاتحاد الأفريقي)، والضغط على داعمي الطرفين.
مسار سياسي: إشراك القوى المدنية السودانية، لا الاقتصار على المكون العسكري، وإدارة حوار شامل برعاية أميركية–أممية.
مسار اقتصادي: خطة إعمار ترتبط بشروط سياسية واضحة (وقف العدائيات، العدالة الانتقالية، إشراك النساء والشباب).
هل يعتمد ترامب على العسكر فقط في احلال السلام في السودان؟
تجربة ترامب السياسية السابقة تشير إلى ميله لدعم “الرجل القوي”، كما رأينا مع:
السيسي في مصر، حفتر في ليبيا ، محمد بن سلمان في السعودية، كيم جونغ أون في كوريا الشمالية
لكن في السودان، فإن وجود قوتين عسكريتين متصارعتين يجعل من الصعب انتقاء “رجل قوي واحد”، مما يُجبر واشنطن على التفكير في بدائل مدنية أو عشائرية لتحقيق التوازن.
الإمارات وتأثيرها على موقف ترامب من القضية السودانية؟
الإمارات هي من اكبر حلفاء الرئيس ترامب و سيكون لها دورا مؤثرا علي تحرك الرئيس ترامب و على الأرجح، سيعتمد على التنسيق معها لفرض هدنة أو تسوية سياسية تؤدي لنجاح عملية السلام
موقف مصر والسعودية – حلفاء أم معرقلون؟
مصر ترى أن أي تسوية لا تضمن دورًا محوريًا للجيش السوداني هي خطر على أمنها القومي، خاصة في ظل تنافسها مع اثيوبيا. اما السعودية تُفضل المسارات غير المعلنة، لكنها تُراقب الموقف عن كثب. لذلك، من المهم أن تشمل أي مبادرة أميركية تنسيقًا حقيقيًا مع القاهرة والرياض، أو على الأقل احتواء مخاوفهم.
ترامب ليس رجل دولة تقليدي، بل ظاهرة سياسية جديدة. عقليته تعتمد علي الصفقات اذ يرى العلاقات الدولية كـ”Deals” وليست تحالفات طويلة الأجل. لديه نرجسيته عالية: يرى نفسه مركز اللعبة، ولا يؤمن بالمؤسسات. يتميز خطابه بانه خطاب شعبوي وصدامي: يعبّر عن قوى بيضاء غاضبة داخل أميركا.
لذلك، يمكن أن يدفع باتجاه صفقة سلام في السودان إذا ضُمنت له مكاسب إعلامية وشخصية واضحة (كجائزة نوبل أو صورة تُستغل انتخابيًا).
رغما عن ذلك تبقي الكرة في ملعب القوى المدنية السودانية، لا في ملعب ترامب وحده. المطلوب ليس التعويل على الخارج، بل:
التنظيم الداخلي للجهود المدنية.و الضغط السياسي الذكي في واشنطن. مع تقديم رؤية مدنية متكاملة للسلام، لا مجرد بيانات إدانة.
كما أن إعادة تعريف قضية السودان كـ”قضية استقرار عالمي”، لا كأزمة أفريقية منعزلة، قد يُجبر إدارة ترامب أو أي إدارة أميركية على الانخراط الجاد، لا الانجرار خلف العسكريين أو الممولين الخليجيين

