‫الرئيسية‬ ثقافة تداعيات يحيى فضل الله: (عمى فؤاذ )
ثقافة - 8 يوليو 2025, 7:14

تداعيات يحيى فضل الله: (عمى فؤاذ )

يحيى فضل الله
اتحسس بأصابعي جرحا قديما تحت شفتي السفلي ليقفز عمي فواد من ذاكرتي ليتباهي به الورق الأبيض امامي ، كنت وقتها انقب في نسيج هذه الذاكرة كي استدعي منها خياراتي في الكتابة ، عادة ما الوذ بهذه الطريقة و انا أحاول ان اهزم بياض الورق الذي امامي وهكذا حين كنت احدق بعمق في دواخلي وجدت اصابعي و بحركة تلقائية تتحسس هذا الجرح القديم علي شفتي السفلي فوجدتني الوذ بشخصية عمي فؤاد لعلاقته الوثيقة بهذا الجرح القديم .
عمي فؤاد، هكذا كنت اناديه ، هو من اسرة ثرية من أولئك التجار الشوام ذائعوا  الصيت بين مدينة الأبيض و مدينة كادوقلي ، كان عمي فؤاد متداخلا و بعمق في النسيج الاجتماعي محطما بذلك عزلة اسرته الاجتماعية ، تلك العزلة التي تحكمها تفاصيل الوضع الطبقي او قل حتي الوضع الديني والشوام عادة ما يقتربون من عوام الناس بحكم علائق التجارة و عادة ما يبعدون عنهم وهم يمارسون تفاصيل حياتهم الخاصة ، إلا ان عمي فؤاد كان نسيجا من الانفلات عن تلك العزلة ، كان قريبا من تفاصيل حياة الناس ويبدو انه كان متمردا علي الكثير من ضوابط الاسرة ، تراه يصيح طربا في الحفلات ، يتجول في السوق الكبير مؤانسا و مستأنسا من دكان الي دكان و من مقهي الي اخر و لعمي فؤاد ليل عربيد وممراح حيث يمتد به متوغلا حتي الساعات الاولي من الصبح ويبدأ ليل عمي فؤاد من النوادي وينتهي بالنادي المتناثرة بتلقائية في معظم احياء كادوقلي ، تراه في دار الرياضة منذ ان كانت تتباهي بحوائط من الشوالات وقبلها علي الميادين المفتوحة مثل ميادين الحرية المقابلة لنادي الموظفين او ميدان المدرسة الشرقية حيث كانت تقام مباريات كرة القدم خارج نظام التذاكر وحتي حين اصبح لمدينة كادقلي دارا للرياضة بحوائط من اسمنت و مدرجات ، تراه عمي فؤاد و هو يرتدي الزي الأسود ذا الشرائط البيضاء و يحمل العلم البرتقالي واحيانا الأصفر كرجل خط وهو يجري و يتراجع متابعا ما يحدث في الجانب الذي يخصه من الملعب و كانت جماهير الكرة ترتاح لطريقته في إدارة المباريات حين يكون هو الحكم الرئيسي .
عمي فؤاد ذلك المتمرد علي قيود اسرته ، المندمج في تفاصيل مجتمع كادوقلي و بطريقة تخص مزاجه وخياراته تلك المتعددة، ولعمي فؤاد صداقات عديدة و متنوعة لذلك تتنوع لديه مجالس الانس و قعدات الشراب في اندايات (الملكية) او (حجر المك) او في حيشان (حي السوق) ، تواقع خطواته الدروب و الازقة مترنحا يجادل نشوته ويجعلها تفيض حيوية و حبور علي تلك المقاهي و المطاعم الممتدة في الانس حتي بدايات الصباح ، تري هل لازالت كذلك ؟ ، ولعمي فواد شلة يستأنس بها و تستأنس به .
يبدو ان تفاصيل حركة عمي فؤاد المنفلتة تلك قد ازعجت اسرته فبدأت تقبض يدها عنه و تمنع عنه ما يدعم تلك الحركة من صرف مالي وغيره ، تمرد عمي فؤاد مبكرا علي العمل في التجارة مع اسرته ، انفلت منتميا الي مزاجه و رؤيته الخاصة للدنيا وهي رؤية لا تتوافق مع الاسرة المندغمة في كل تفاصيلها مع تعاليم الكنيسة وبدلا من ان يكون من سكان تلك البيوت الجميلة ذات الحدائق المكونة من زهور و ورود و تعاريش العنب و أشجار الليمون و البرتقال و اللارنج و اليوسف افندي في (حي السوق) اكتفي عمي فؤاد بزيارته لها فقط و لاذ بدلا عن كل ذلك بقطاطي و رواكيب و كرانك يعاقر فيها متعة الخمر و متعة التواصل الحميم مع الناس .
جاءني عمي فؤاد في احدي صباحات خريف 1967 م و كنت وقتها تلميذا في الصف الثالث بمدرسة كادوقلي الشرقية الأولية ، ولم تكن وقتها الابتدائية في حيز الوجود و لا حتي السلم التعليمي ، كنت وقتها في إجازة ، كانت إجازة المدارس في الخريف و كنت اكره الاجازات لاني اقضيها مكبلا في مطعم و مقهي والدي بينما اندادي و اصدقائي يستمتعون بالخريف و العابه المتنوعة من دافوري و سباحة في الخيران خاصة خور (المحلج) في الجانب الجنوبي من حي (العصاصير) ولعب البلي و القرقور و التسكع بعربات السلوك التي كان يتقن عملها الصديق الأستاذ (عمر الجعلي) و الفنان التشكيلي و مصمم العرائس (السر إبراهيم) ، جاءني عمي فؤاد في ذلك الصباح وهو يحمل عدد من المجلات ، عرضها علي وكنت اجلس علي تربيزة الحسابات استقبل الموارك من الجرسونات و احاسب الزبائن و اكتب علي دفتر ضخم ديون الرواد الدائمين في أوقات الوجبات خاصة موظفي المجلس البلدي و الاشغال و ممرضي المستشفى الذين يدفعون ثمن وجباتهم شهريا ، حياني عمي فؤاد و اشهر امام عيوني تلك المجلات قائلا : – (( شوف دي بتنفع معاك )) .
كانت المجلات هي ( سمير ) و ( ميكي ) و ( تان تان ) فكان ان برقت مني لهفة في العيون اصطادها عمي فؤاد و ابرم معي نوع من الاتفاق السري ، السري جدا وهو ان يأتيني هو بهذه المجلات و مجلات اخري و علي ان ادفع له مبلغ 25 قرشا – طرادة – و كان هذا المبلغ كبيرا وقتها بما يكفي ان يغطي ثمن قفة الملاح بكل تفاصيلها ، مدفوعا بشغفي للقراءة لم اتردد في تنفيذ هذا الاتفاق الجميل ، كان عمي فؤاد يجلب لي هذه المجلات من بيت اخيه بعد ان يلقي بها ابناءه و يبدو ان لهم اشتراك شهري و بذلك كان عمي فؤاد يتخلص من فقر و عوز الم به حين خاصمت اسرته ماديا إنطلاقه وتمرده علي قيودها.
كانت الزيارات التي يفعلها عمي فؤاد مع الاسرة الكبيرة زيارات سرية يساعده في ذلك حب نساء و أطفال الاسرة له وعبر تلك الزيارات السرية و بفضل نزوات عمي فؤاد تلك تفتحت قراءاتي علي عوالم ( سوبرمان ) و ( الوطواط ) , (الرجل البرق) و ( طرزان ) و ( بونانزا ) و ( الرجل المطاط ) و ( الرجل العنكبوت ) و تطورت هذه العلاقة حتي بدأت اقرأ قصص ل(كامل كيلاني) و اذكر انه مرة جاءني بكتاب ضخم اصفر الأوراق وقد كان ذلك الكتاب جزءا من ( الف ليلة و ليلة ) بالذات الجزء الذي به حكايات سندباد ولن انسي مطلقا سهراتي الممتعة مع هذا الكتاب علي ضوء اللمبة الشاحب .
بتأثير من هذه القراءات المنفتحة علي الخيالات الجامحة المستعينة بالتصاوير الجميلة حاولت ان انفذ فكرة (الرجل الوطواط) ، ربطت علي عنقي ملاءة و بدأت اركض بها في الحوش متحسسا فعل الهواء بها و تماديت اكثر حين حاولت ان اقفز بها كي تنفرد اكثر و لا انسي انني قد صممت قناعا من الكرتون لوجه (الرجل الوطواط ) ثبته علي وجهي مستخدما في ذلك لستك سروال قديم وفي محاولاتي تلك سقطت علي كرسي جلوس خشبي متين ، سقطت و اصطدم حنكي بعنف علي ذلك الخشب المتين فكان ان دخلت احدي اسناني في لحم شفتي السفلي فكان هذا الجرح الذي تحسسته الان و حرض ذاكرتي كي اكتب عن عمي فؤاد ذلك الذي إستثمرني لنشوته و استثمرته محققا بذلك قفزة كبيرة كي تكون القراءة اهم عاداتي الجميلة .
كنا نسمع و نحن في الثانوية العامة ان عمي فؤاد دخل ملة الاسلام ولكنه لم يتخل عن انفلاته و معاقرته للنشوة وسارت في ذلك نكتة تقول انه أجاب حين سئل عند دخوله الإسلام وكيف انه لم يكف عن الخمر :- (( انا مسلم عاصي )) واذكر ان المدينة وقتها كانت تتهامس حول اسلام عمي فؤاد وكيف ان اسرته قد اقامت مأتما رسميا أعلنت فيه ان عمي فؤاد قد اصبح في عداد الموتي بالنسبة لأسرته حين دخل الإسلام وقيل أيضا ان السبب وراء دخول عمي فؤاد الإسلام رفقة جميلة و منفلتة مع (ست انداية) جميلة تطورت الي زواج .
بعد ان اوغل عمي فؤاد في الإدمان وجد ميتا في احدي ازقة حي ( حجر المك) تري اين دفن عمي فؤاد؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال