‫الرئيسية‬ مقالات ما وراء الأسوار: الثورة السودانية وإدارة التغيير الاجتماعي مفاهيم سوسيولوجية (٣)
مقالات - 13 سبتمبر 2020, 9:00

ما وراء الأسوار: الثورة السودانية وإدارة التغيير الاجتماعي مفاهيم سوسيولوجية (٣)

الدولة المدنية

بقلم: دكتور ياسر موسى
كنا قد تناولنا في المقالين السابقين أهمية الثورة السودانية في إحداث تغيير اجتماعي شامل، لخصته الثورة في مطلوبها الأعلى دولة مدنية. وطالما أنه هدف استراتيجي للثورة كان من الضرورة تناوله كمفهوم ضمن الرؤية السوسيولوجية التي تسعى لتيسير معرفة مفاهيمية تساعد على إدارة التغيير الاجتماعي على ضوء أدوات وطرق ما يعرف حديثاً بالهندسة الاجتماعية social engineering، وهي أحد المفاهيم التي سيأتي لاحقاً التعرف على طرق تفكيرها ومناهجها ودورها في إحداث تطور اجتماعي، وليعذرني القارئ بقدر ما أشفق عليه وهو يتابع ويشارك التفكير في جدوى هذه الحالة المفاهيمية، إلا أنني أشفقت أكثر على نفسي في محاولة تيسير وتفكيك هذه المفاهيم، ليس لجعلها مادة للقراءة فقط، بل لجعلها قابلة للتطبيق والتقييم المستمر، إذ لا فائدة من علم إن لم يتحد مع تلك الإرادة التي فجّرتها في دواخلنا الثورة السودانية، ولنبدأ في تعريف مفهوم الدولة المدنية، الذي – كما أسلفت – لا يوجد في السياسة ما يسمى أصلاً بالدولة المدنية، أي أنه كمصطلح لا وجود له في المراجع السياسية ولكن المصطلح إعلامياً يعني قيام دولة يكون الحكم فيها للشعب بطرق ديموقراطية، ويكون الجميع فيها متساوين في الحقوق، ولا يكون الحكم فيها لرجال الدين والعسكر. ولنكون أكثر دقة الدولة المدنية هي الدولة التي تحمي جميع أعضاء المجتمع، وتحافظ عليهم بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم الدينية والإثنية والثقافية والفكرية، كما أنها تعني اتحاد وتعاون الأفراد الذين يعيشون داخل مجتمع يسير وفقاً لنظام معين من القوانين. والدولة المدنية تقوم على عدة مبادئ، أهمها ألا تقوم الدولة على أساس المزج بين الدين والسياسة دون أن ترفض الدين أو تقف ضده ومن المبادئ أيضاً مبدأ المواطنة الذي يعرف الأفراد داخل المجتمع بشكل قانوني اجتماعي أنهم مواطنون لهم حقوق وعليهم واجبات يتساوون مع بعضهم فيها، كما تتأسس الدولة المدنية بناءً على نظام مدني يتكون من علاقات تقوم على قبول الآخر والتسامح والسلام، بجانب مبدأ الثقة في من عمليات التبادل والتعاقد المختلفة، وما يحيط بها من سمات ثقافية وقيم اجتماعية، وهو ما يُعرف بالثقافة المدنية التي تقوم بناءً على الاتفاق ووجود العديد من القواعد التي يجب اعتبارها خطوطاً حمراء، لا يسمح بتجاوزها. وتُعدُّ الديموقراطية من أهم مبادئ الدولة المدنية وشروط استمرارها، وهو ضد أخذ الدولة غصباً من قبل فرد أو عائلة أو نخبة بالديموقراطية تكون الدولة للجميع يسودها القانون وتقوم على إدارتها المؤسسات.
وبين البناء وإعادة البناء يظل مفهوم الدولة المدنية على مستوى الممارسة موجوداً وإن كان المصطلح على المستوى العلمي النظري قليلَ التداول، حيث أن الدول التي تتحقق فيها استقلالية المجتمع المدني في ظل نظام من العدالة، المساواة، الحرية، الديموقراطية، المواطنة، الثقافة المدنية، السلام الاجتماعي، حرية العقيدة، حرية التعبير، الانتخابات الحرة المباشرة، احترام القوانين، احترام حقوق المراة، احترام حقوق الطفل، حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المسنين، الالتزام بالمواثيق والقرارات الدولية، صيانة الكرامة، الاهتمام بالتعليم والبحث العلمي، الاهتمام بالرعاية الصحية، الاهتمام بالصحة الإنجابية، الالتزام بقواعد حماية البيئة والثقافة، كل هذه النظم تبنى على أساس مفهوم الرعاية الاجتماعية بوصفها المسؤول عن إدارة التغيير الاجتماعي الذي كما وعدت سأقوم لاحقاً من خلال هذه السلسلة بتوضيح أهميته كأساس لقيام الدولة المدنية يؤدي غيابه بصورة علمية إلى إحداث فراغ وقصور في اصطحاب روح المجتمع واحتياجاته في كل نظم الدولة؛ مما يعني أن الرعاية الاجتماعية هي تقاطع حقوق المجتمع بكل فئاته في نظم الدولة (سياسة، اقتصاد ثقافة، صحة، تعليم، عدالة، حقوق ورفاهية)، ومن ثم انهيار مبدأ المواطنة.
ختاما إن توافُر كل تلك العناصر التي ذكرت آنفاً يدل على أن هذه الدولة دولة مدنية، وإن اختلف المسمى.
يتبع

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال

تعليق واحد

  1. ساعود لمتابعة كامل السلسلة بكل تأكيد.
    أولا اشادة مستحقة بالمنهجية العالية و “هندسة” المقال ..
    وكأنما كان هتاف “مدنياااو” هو الفطرة الجماهيرية الثورية السلمية والسليمة, ونحن الآن احوج ما نكون لاخذ المفهوم نحو معامل التأسيس المعرفي كما تفعل الآن وأتمنى أن يكون جهدك مقدمة لاهتمام اكاديمي وعلمي منضبط على مستوي المؤسسات البحثية والأكاديمية. هذه أداة لازمة من أدوات الثورة العميقة وانسرابها في التربة المجتمعية والعقل السوداني وطرق التفكير الخ. وارى, كذلك, أن من الحتمي ان يتشابك الجهد المعرفي بالجهد الفني والادبي والثقافي والتربوي والتعليمي لترسيخ مفهوم الدولة المدنية في المجتمع وغرس جذوره عميقا فيه.

    شكرا على المقال الممتاز ..

‫التعليقات مغلقة.‬