‫الرئيسية‬ ثقافة منتظراً أرضاً كي تخضر ..
ثقافة - 10 يونيو 2025, 16:11

منتظراً أرضاً كي تخضر ..

مرام علي

هنالك في الصحاري البيضاء، يعرف الجميع تفاصيل الفصول، ولربما بتفصيلة من رياح معينة، يعرفون أي تفصيلة قبل المطر تهب عليهم، يعرفون أمطاراً تأتي عابرة إيذاناً بتفصيلة معينة، يعرفونها بأسمائها، وثمة من يخبره حدسه البدوي هل تمطر السحب أم لا، أم يحتمل أن تسوقها الرياح إلى مكان آخر ..
ودوماً ما سمعت حكايا أهلي عن المطر والزراعة، وماذا أنتجت أرض فلان وفلان، الأضاحيك والأقاصيص عن زمان المكوث في الرواكيب المبنية قرب الزراعة، وأتخيل كيف يرحل إنسان من بيته ليمكث في راكوبة صغيرة مستأنساً بحلة لبن مقنّن وجك بلاستيك وأواني بسيطة ..
منتظراً أرضاً كي تخضر ..
ودوماً ما حيرني الاخضرار منذ طفولتي، وأنا أشاهد النباتات تنمو، شيء محير ويدعو للذهول، كيف تنمو أشياء لينة سهلة الكسر باليد، عصية الكسر على الرياح، كيف تنمو من أرض صلبة، أرض لا تقدر الأصابع على ثقبها، إلا بآلة حادة ..
كبرتُ وتخليت عن انتظار الإجابات لأنني عرفت أن الإجابة هي الدهشة فقط، وابتهلت إلى الله أن يُسيّرني بحكمة اللون الأخضر ..
حتى أمي، لشدّ ما أتذكرها بثوب أخضر أكثر من أي لون آخر ..
هنالك حتى النساء يزرعن، ولشدّ ما رأيت الحياة أكثر جلاءً وقوة عن المزارعين، والعاملين عموماً، الحياة تضمر وتضمحل في الكسل، هذه حكمة من حكم اللون الأخضر ..
ودوماً ما آمنت أن الله يريد أن يعلمنا درساً من الإنبات والحصاد ..
في هذه القرية البسيطة، بإنسانها البسيط الحكيم، رأيت تعلّق المزارعين ذوي السحنات الشديدة بأراضيهم، رأيت النساء بثياب ناصعة الألوان ووجوه بالغة في الضحكات والتكشير من الشمس يحصدن الحبوب، ويقطعن القصب ويجنين البامية أم شرا، بكل سرور وعرفان ..
ثم إنه ليأسرني تسمية الإنسان للحبوب بالعيش، العيش؟! يا الله، أظن أن هذا سيكون مفهوماّ لديك ..
هنا يعيش الإنسان غنياً، فقط لأنه لديه أرض تخضر، بغض النظر عن ثمن حصادها، من ثم الاعتناء بالمحصول كإبن ..
هنا تسمى أرض الزراعة حوّاشة، وأفكر هل هي من التحويش؟ تقول حبوبة بالغة في الفصاحة : أنا محوّشة لي قريشات ودهب !
باعتبار ما سيكون، وما قد كان وما هو كائن فالأرض على الدوايم كينونة تحويش شيء ثمين، الإخضرار الذي يؤول إلى دقيق يؤكل، وحبوب تباع وتقايض ..
هنالك في الصحاري، يسمي أهلي الحواشة بالبلاد، ويقول المزارع : شايل بلادي، وشايل بمعنى ذاهب، أي ذاهبٌ إلى بلادي !
يا الله كيف تحصر البلاد في أرض زراعية؟ بل قل كيف آلت الأرض الزراعية بالعرفان واللغة الغميسة إلى بلاد!
وهذا السودان، بلادنا!
بلادنا التي رأينا فيها تعلقنا المماثل لتعلق مزارعية بأراضيهم الحالمة، وعيونهم الآملة بالإخضرار !
رأيناها تذبل وتضمحل وتخضر وحوّشنا حصادنا منها، محبة ودروس قاسية لكنها جميلة، ومكثنا على حافتها نشاهد: علّها تخضر !
هذه البلاد هاويتنا التي نقف عليها متأكدين أننا سننجو، في البعيد والقريب بأمل مزارع حالم !

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال