
تداعيات يحيى فضل الله : (غيبوبة)
يحيي فضل الله
———-
قبل ما يزيد عن ربع قرن من الزمان، بالقرب من هذه القرية، لا، يجب ان نكون اكثر تحديدا ، قبل ما يقارب النصف قرن ، لان ما حدث ل( فضيل ود طه ود فضيل) حدث بعد ان أنجب من ( شامة ) التي إلتقي بها بها صدفة في هذه القرية ، أنجب منها ( عثمان ) و هو الان قد تجاوز العشرين بسبعة سنوات، تخرج في الجامعة و يعمل الان مهندسا في الخرطوم ، ( مريم ) و هي الان تعمل بمدرسة القرية الابتدائية و هي في الترتيب تأتي بعد ( عثمان ) ، ثم هناك ( محمدين ) الذي أخذ اسم جده والد ( شامة ) و هو الان يعمل جنديا بالقوات المسلحة بعد ان حسم صراعه الخاسر مع المدارس ، علي كل يمكن القول و بتحديد قاطع ، انه في ذلك الزمان الذي لم يكن فيه ( عثمان ) و ( مريم ) و ( محمدين ) في حيز الوجود.
في ذلك الزمان وقفت هنا ، في هذه القرية قافلة من الجمال كان من ضمنها ( فضيل ود طه ود فضيل ) ، كانت القافلة تعبر القرية كما عبرت قبلها الكثير من القري و الحلال , أنيخت الجمال و تفرق أصحابها داخل تلك القرية التي كانت وقتها تحتضن خريفها المترع و تتباهي بخضرة أشجارها الكثيفة الظل وبالوان طيورها الموسمية المتنوعة ، حدث ذلك في ظهيرة قد سبقتها أمطار صباحية ( شكشاكه ) أهدت سماء تلك القرية ألوان قوس قزح ، الامر الذي جعل أصحاب تلك القافلة لا يملكون سوي التريث و لو قليلا و من ثم يواصلون سيرهم جنوبا حيث يقصدون.
سوق صغيرة ، رواكيب ، طاحونة يبدو انها حديثة عهد بالمكان و الناس ، تحيط بالسوق أشجار النيم و اللبخ الظليلة و تتفرق هنا و هناك أشجار النبق و الهجليج، وحيث ان القرية تمر بها اللواري و البصات كانت سوق هذه القرية تضج و تهدأ و بين تلك الضجة و الهدوء تفرق أصحاب القافلة في هذه السوق,
شرب (فضيل ود طه ود فضيل) كم قرعة من (الروب) ، لون بياض (الروب) شاربه الاسود الذي ظهر الي الوجود في هذا العام ، مرت من أمامه (شامة) و أختها ( خدوج) ، مرت (شامة) من أمامه و أخذت معها نظراته و مع خطواتها أخذت أنفاسه و قلبه ، مرت (شامة) بفستانها المورد و طرحتها السوداء أمام (فضيل) الذي إرتجت منه الدواخل ، حين عبرته هب من جلسته أمام (ست الروب) ، وقف كالملدوغ ، تابعها بنظره و قرر ان يتبعها و حين هم بذلك أوقفته (ست الروب) قائلة :- ( يا ولدي القروش ) ، رجع إليها و دفع ما هو مطلوب منه و تبع (شامة) و (خدوج) ، كان كالمسحور ، منجذبا الي خطواتها لا يعي شئ ، تأتيه ضحكات (شامة) فيحس بعذوبة لا تضاهي ، يحس بضحكاتها كالغناء و يحمله صوتها الي حيث لا يدري.
أحست (خدوج) بحركة (فضيل) خلفهما ، نظرت إليه بطرف خفي ، لم يلحظ (فضيل) ذلك ، كان خارج إنتباهه تماما ، همست (خدوج) كاشفة أمره ل(شامة) ، إلتفت (شامة) الي الوراء ، نظرت اليه نظرة سريعة ، إرتبك ( فضيل) و وقف ، نظراتها هزت كيانه ، أحست (شامة) بانها المقصودة من متابعة هذا الغريب ، كثفت إشعاعها الآنثوي نحوه من خلال مشيتها و لم تنس أن تفجر ضحكاتها ، تلك الضحكات التي تحيل (فضيل) الي ذلك الكائن الشفاف الذي فقد قراره تجاه كل امر ما عدا ان يلاحق هذا الجمال و تلك الآنوثة الطاغية و الصاخبة.
حين دخلت (شامة) و (خدوج) الي البيت المكون من قطيتين و راكوبة و يحيط به صريف من القش. لم يملك (فضيل) إلا ان يدور حول البيت ، قبل ان تختفي (شامة) داخل البيت قذفت في وجهه بإبتسامة صاخبة و بإلتفاتة موحية جدا ، دار (فضيل) حول البيت عدة مرات تنتهي كل دورة بنظرة متلهفة و طماعة تجاه ذلك الباب المفتوح ، دار (فضيل) حول البيت و دارت عواطفه و فجأة أطلت شامة وقفت أمام البيت ، لم يستطع (فضيل) ان يخفي لهفته فركض نحوها ، ضحكت (شامة) لركضه ، وقف أمامها مأخوذ اللب ، مبعثرا و مرتجفا ، ضحكت (شامة) و قالت :- ( أني ما بنعرفك )
:- ( انا ض… ض … ضيف )
:- ( حباب الضيف )
:- ( ع … ط … شا .. ن )
:- ( بالحيل ، نرويك ، خش لا داخل )
و دخل (فضيل) ذلك البيت و كأنه دخل دنيا جديدة.
كان حين دخلت (شامة) و (خدوج) البيت ، رجعت (شامة) و جلست علي الأرض أمام الصريف ، فتحت فتحة بيديها علي الصريف و أخذت تنظر مليا الي ذلك الغريب المتابع لها ، شفت روحها ، أنوثتها استجابت لذلك النداء الصارخ في وجه (فضيل) و أحست به وسيما ، فتيا و قررت بينها و بين أنوثتها أن تمتلك ذلك الشاب المصر و المعلن عن عشقه ، قررت (شامة) ان تشهر أنوثتها في وجهه.
جلس (فضيل) مرتبكا ، ينبع منه العرق ، جلس علي عنقريب قديم في الراكوبة ، دخلت (شامة) ، لاحظت (شامة) إرتجاف يديه ، دخلت الي الداخل ، وسوست و تهامست مع (خدوج) ، خرجت البنتان ، يبدو ان لا احد غيرهما في البيت ، جلست علي العنقريب المواجه لعنقريب (فضيل) ، دخلت (خدوج) في ثرثرة مقصودة بينما (شامة) تحاول ان تشبع نظراتها من وجه (فضيل) الوسيم رغم أرتباكه المعلن ، (خدوج) لا زالت تثرثر و (فضيل) يبحث عن لسانه كي يقول كلمة ، فجأة ، وقفت (شامة) و دخلت القطية ، خرجت و أتجهت نحو (فضيل) و في يدها موس ، إقتربت من (فضيل) و نزعت عن رأسه طاقيته الحمراء و قصت بالموس شعرات من ٍراسه و دخلت القطية.
فتحت (شامة) شنطة حديدية قديمة ، أخرجت منها قرعة مقفولة ، تناولت مسلة ثقبت بها القرعة و أدخلت تلك الشعرات التي قصتها من شعر (فضيل) داخل تلك القرعة من خلال ذلك الثقب.
حين إستقرت تلك الشعرات داخل القرعة أحس (فضيل) بإلفة متناهية تجاه هذا المكان و أختفت تلك الغرابة التي كان يحسها في ثرثرة (خدوج) و أحس أن مصيره الآبدي هنا ، حيث توجد (شامة) ، تلك الآنثي الجميلة التي خطفت ذاكرته.
دخلت شعرات (فضيل) داخل القرعة و حين همت قافلة الجمال بالتحرك لم يأت (فضيل) و بحث عنه إبن عمه (أبشر ود علي ود فضيل) و حين وجده كان (فضيل) خارج القافلة تماما و رفض أن يذهب معهم رغم كل المحاولات ، كان (فضيل) هناك ، حيث علقت تلك القرعة في السقف الداخلي لقطية ( شامة) فكان ان تركوه و رحلوا الي حيث يقصدون.
( شامه
قديم الحمامه
فراقك
بجيب الندامه
و عشقك حلال
و فيهو السلامه)
هكذا تجول ( فضيل ود طه ود فضيل) في تلك القرية محولا عشقه الي غناء عذب معلنا عذاب الوجد إلا أن زوجه (محمدين) من إبنته (شامة) فأنجب تلك الذرية ، (عثمان) ، (مريم) و (محمدين).
مرضت (شامة) ، ذبلت و حين أحست انها سترحل نادت أختها ( خدوج) و أوصتها قائلة :- ( كن انا مت قبال فضيل ، تشيلي القرعة ، تلقيها مختوته في السعن ده المعلق في السقف و ادفنيها معاي القير )
رحلت (شامة) عن الدنيا و داهم الحزن (فضيل) ، أغلق دكانه الصغير و حيث أن (خدوج) قد دفنت تلك القرعة أمام و تحت شاهد قبر (شامة) أصبح (فضيل) يزور المقابر بشكل مستمر و دائم ، حاول بعض رجال القرية أن يمنعوه من ذلك و لكنهم فشلوا ، بل انه لا يتواني عن المبيت أمام قبر (شامة) ، حتي ( مريم) إبنته فشلت في ذلك.
في تلك الظهيرة الحارقة كانت بعض الاغنام تحاول ان تقتات من تلك الحشائش الجافة بين القبور ، إحدي تلك الاغنام إقتربت من قبر (شامة) و بظلفها هشمت تلك القرعة و كان وقتها (فضيل) في السوق ، إٍرتعد فجأة كمن إستيقظ من غيبوبة طويلة ، إنتفض و ركض مسرعا ، لاحظ بعض الاهالي ركض (فضيل) الي حيث المكان الذي أنيخت فيه جمال تلك القافلة و صرخ متجاوزا كل تفاصيل الزمن
:- ( يا جماعة ، الجمال الكانت هنا وين؟ ، ناس الجمال ديل رحلوا متين )
و دخل (فضيل ود طه ود فضيل) في غيبوبة أخري و لم تعرف سرها إلا (خدوج) حين راجعت قبر (شامة) و وجدت تلك القرعة مهشمة و تلك الشعرات قد تبعثرت في الهواء.

