
لنتوقف عن الصراخ ولنسلك سبلاً جديدة
عمار الباقر
إثر الهجمات المستمرة علي البيني التحتية السودانية، ارتفعت أصوات الإدانة علي المستويين الرسمي والشعبي لبعض الدول وعلي رأسها الامارات وتشاد. الإدانة مطلوبة، ولكن لا ينبغي أن يتوقف الأمر عند محطة الإدانة فقط، فلابد للعقل الاستراتيجي السوداني أن يتحرك نحو البحث عن حلول ومواقف استراتيجية ترسم ملامح السياسة الخارجية وسياسات الأمن القومي السوداني لعقود قادمة، فما جري خلال الأسابيع الماضية قد يتكرر مرة أخري وفي سياقات مختلفة. علي عقلنا الاستراتيجي أن يفكر في كيفية منع تدمير البني التحتية والمخزونات والمرافق الاستراتيجية لبلادنا مرة أخري ومهما كانت السياقات ومهما اختلفت مستويات الصراع الداخلي أو الاقليمي أو الدولي. فمن يعتدي علي مرافق الشعب السوداني ومخزونات الحياة اليومية لديه وسلاسل توريده وبغض النظر عن مبرراته ، سوف لن يتورع في فعل ذلك غدا، وسوف يشجع اخرين علي فعل نفس الشئ، ذاك هو التهديد الحقيقي والدائم.
نشير هنا الي أن حزبنا وبقية القوي الثورية وقبل سنوات طويلة قد حذرت من مغبة جعل الاخرين يطمعون في بلادنا. ونحن اليوم في اشد الحاجة الي نبذ هذا السلوك القاتل. فالقضية الرئيسية التي ينبغي التركيز عليها اليوم هي توحيد الجبهة الداخلية للبلاد، كمدخل لوقف الحرب وكشرط لازم لقطع الطريق أمام ذلك التهديد المميت لشعبنا وبلادنا.
هنا ينبغي علينا الاعتراف باننا قد ارتكبنا أخطاء فادحة خلال السنوات الماضية مهدت الطريق لما يجري الان. علي رأس تلك الاخطاء الدخول في لعبة المحاور الإقليمية دون أن تكون لدينا لا الإمكانات ولا المصالح الحقيقة التي تبرر الدخول فيها. فنحن قد تدخلنا في اليمن وفي ليبيا دون أن تكون لدينا مصالح حقيقية ندافع عنها، وتلك سقطات شجعت الاخرين علي التدخل في شؤوننا وإيذاء شعبنا. فالحكومات تتخاصم وتؤذي بعضها بعضاً ولكن الحكومة التي تعمل علي تصفية خصوماتها السياسية مع الحكومات الأخري عبر إيذاء الشعوب فسوف يرتد الأمر عليها وعلي شعبها لا محالة.
كذلك تشير النظريات الأمنية الحديثة الي أن مسألة الامن تتعدي بكثير الجوانب العسكرية لتشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، واعتبرت أن استقرار وقوة النسيج الاجتماعي في الدولة واستقرار نظامها السياسي وقدرتها علي توفير الحاجات الاقتصادية للسكان تأتي سابقة للقدرات العسكرية للدولة، حيث لم تسعف الترسانة العسكرية الاتحاد السوفيتي السابق حينما عصفت به الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تماماً مثلما لم يسعف الجيش السوري بشار الأسد حينما أحاطت به المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
من المؤكد أن الحل ليس في استجلاب القواعد العسكرية وبيع الموارد مقابل الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، فهذا سوف يفتح الباب أمام مزيد من الطمع فينا وفي مواردنا ومقدراتنا. لذلك ينبغي علينا التحذير من تلك الدعوات الغوغائية التي تصرخ مطالبة باستجلاب القواعد العسكرية الروسية وربط البلاد بالحلف المناوئ. فمن يطالب بذلك هو في حقيقة الأمر ينادي بربط مصالح وسلامة و أمن الوطن والشعب، بالأمن والسلامة الشخصية للمجموعة الحاكمة. فالحل العقلاني المستدام للوضع الحالي الذي نحن فيه اليوم يتمثل الاتي:
1. لملمة أطراف الجبهة الداخلية والعمل علي توحيدها لأقصي حد ممكن وعلي ثوابت راسخة من الوطنية والتنمية والعدالة الاجتماعية، فالصراعات غير المبدئية والأطماع الصغيرة التي وسمت أداء العديد ممن تصدروا المشهد السياسي هو ما جعل الاخرين يتجرأون علينا بهذه الطريقة. فما كان للأمارات أن تتجرأ علينا بهذه الطريقة لولا أنها ومنذ نهايات عهد البشير قد وجدت قيادات عسكرية وأمنية وسياسية يتآمرون معها ضد قيادات أخري، ورأت قيادة الجيش بمباركة منها تتحالف مع ميليشيا الدعم السريع خوفاً من انقلاب رفاقهم في السلاح عليهم، حتي بلغ بنا الهوان مبلغاً جعل البعض منا يتآمر معها علي وحدة تراب هذا الوطن. وعليه فكيف لهذه الدولة ان تحترم الشعب السوداني أو تحترم قياداته؟!. كل ذلك ينبغي أن يتوقف، كذلك علينا القيام بنقد حقيقي لتجاربنا وتحمل المسؤولية كاملة عن كل تلك الأخطاء السابقة.
2. تحتاج أن نفكر جدياً في إيجاد طريقة لتجريد تلك الدول التي اختطت لنفسها موقفاً معادياً لشعبنا من حلفائهم ومن يتعاملون معهم من أبناء وطننا وذلك باستخدام وسائل فعالة مثل الاقناع والتحييد وتجفيف المصالح المشتركة.
3. تجفيف الموارد التي تتحصل عليها الدول التي اتخذت موقف العداء لشعبنا وجعلها غير متاحة لهم البتة، وهذه الخطوة ليست بغرض الانتقام أو التأثير عن وضعهم الاقتصادي فنحن ندرك تماماً حجم اقتصادنا الصغير جدا مقارنة باقتصادات تلك الدول، ولكن الهدف هو حماية شعبنا وبلادنا منهم عبر جعل كل تدخلاتهم واعتداءاتهم غير مجدية من ناحية اقتصادية.
4. الخطوة الأخيرة والمهمة هي انه لا ينبغي ان تكون هذه الغضبة مؤقتة يتم نسيانها خلال عام أو إثنين، فهذا التهديد سوف يستمر ولسنوات طويلة حتي وإن تغير السياق، وينبغي أن نعي ذلك جيداً ويعيه كذلك الجيل القادم أيضا. فالجيل القادم هو من سيتمكن من القضاء المبرم علي هذا التهديد، أما اجيالنا هذه فسيقتصر دورها وضع أقدام البلاد في طريق البناء وتمكين الجيل القادم عير التعليم الجيد واتاحة الفرص له.
ختاماً، علينا التوقف لبرهة وإعمال الفكر الثاقب والتعاطي مع الأزمة بأسلوب مغاير، ففي تقديري المتواضع أن ما يجري الان هو عبارة عن تمهيد لتسوية قادمة، وسوف تكون هذه التسوية أسوأ مما كان عليه الحال في الاتفاق الإطاري والاتفاق السياسي الذي أوجد الوثيقة الدستورية المعيبة، وسوف تتصدرها نفس القيادات العسكرية والسياسية التي تصدرت المشهد في التسويات السابقة، وسوف تضمن هذه التسوية الجديدة مصالح تلك الدول التي آذت شعبنا ، فماذا نحن فاعلون؟.

