
حرب المسيرات.. باب المعاناة والمجاعة الشاملة يفتح واسعاً
تقرير : إيمان الحسين
دخلت الحرب الدائرة في السودان مرحلة جديدة من التصعيد بعد تنفيذ ضربات بطائرات مسيرة نسبت لقوات الدعم السريع، على مدينة بورتسودان في الأسابيع الماضية. وتعد مدينة بورتسودان المقر الرئيس للمؤسسات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه وضرب البنية التحتية ومحطة الطاقة والمطار الدولي الرئيس بالبلاد، ويزيد هذا الأمر سوءا باعتباره الميناء الرئيس الذى تعبر من خلاله الإغاثة، فيما حذرت الأمم المتحدة من استمرار الهجمات وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، وتمثل أيضاً تهديدا مباشر لأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية . فما مدى تأثير ذلك على الوضع الاقتصادي والإنساني في السودان وعمل المنظمات الإنسانية، وانعدام الوقود والأمن واستمرارية الهجمات على الحياه العامة للمواطنين.

في حديثه لمداميك أكد د. صلاح الأمين الخبير الدولي في العمل الإنساني، الأثر السلبي لضربات المسيرات الأخيرة في بورتسودان على مجمل العمل الإنساني في ظل الحرب. وقال : “يضاف على ما هو موجود أصلا من صعوبات في الوضع الإنساني، بورتسودان مطار وميناء تعتبر المنفذ الوحيد الذي كان مستقرا طوال سنتي الحرب في إدخال المساعدات الإنسانية في ظل عدم استقرار المنافذ الأخرى خاصة معبر أدري في الحدود مع تشاد والذي يجدد تصريح الموافقة على فتحه كل ٣ شهور من قبل الحكومة في بورتسودان”. وأوضح د. الأمين أن المكاتب القطرية للمنظمات الدولية التي تدير العمل الإنساني موجودة في بورتسودان وحتى الفندق الذي تم قصفه يوجد به بعض موظفي تلك المنظمات من غير السودانيين . كذلك ضرب مستودعات الطاقة سيؤثر على ترحيل مواد الإغاثة والمساعدات إلى المناطق الأخرى التي يوجد بها المتضررون داخل السودان. وقال : “إذا علمنا أن معظم الأدوية المنقذة للحياة التي تقدمها المنظمات الدولية وكذلك الضرورات الأخرى تدخل عن طريق بورتسودان فلنا أن نتخيل كيف سيكون الوضع على المدى المتوسط.. الحالة الإنسانية الآن في السودان تعرف إنسانيا بأنها حالة إنسانية معقدة Complicated Humanitarian Emergencies .. وهي حالة معقدة جدا تنتج عن تواتر واستمرار الحروب والكوارث لفترات طويلة .. إذن كلما تراكمت مؤثرات الحرب زادت هذه الحالة سوءً، وهذه الحالة يجب التعامل معها إنسانيا من خلال عملية إنسانية شاملة وبتنسيق عالي جدا من كل الفاعلين على الأرض لتقليل أثرها السلبي على المدنيين..” . وأكد استمرار الأزمة الإنسانية في التصاعد ما دام هذه الحرب مستمرة وفي ظل انعدام التنسيق (إنسانيا ) بين المنظمات الإنسانية الدولية والفصائل المتصارعة . وستزداد الأزمة الإنسانية وخاصة أن عشر مناطق في دارفور وجبال النوبة قد دخلت فعلياً في مرحلة المجاعة التامة، وهناك ١٧ منطقة أخرى مرشحة للدخول في هذه المرحلة قبل نهاية شهر مايو.

وفي تصريحه ل(مداميك) أشار الباحث في قضايا المجتمع المدنى رأفت عباس إلى أن ضرب مطار بورتسودان والميناء يؤثر بشكل كبير على تدفق المساعدات الإنسانية للسودان كافة، وتعتبر بورتسودان الشريان الحيوي ربما الوحيد الذي تتدفق من خلاله معظم المساعدات الإنسانية لمعظم مناطق السودان، وبطبيعة الحال فإن الضربات التي حدثت ببورتسودان وتعتبر من أكبر المهددات التي تعطل آخر ممر آمن للمساعدات الدولية ولديها كبير من النتائج والأضرار التى يمكن أن نذكر منها على سبيل المثال: أولا أثرت على توقف تدفق الوقود فقد وجهت لأكبر مستودعات وقود بالسودان وبالضرورة سوف تؤدي لأزمة وقود خطيرة جدا في السودان فهذه الأزمة لديها تأثير مباشر على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية وأيضاً لديها علاقة بالمساعدات الإنسانية وستفاقم الوضع الإنساني، وهو في الأصل ضعيف ومهدد، ثانيا: سيؤثر على عمليات الإغاثة بسبب إنعدام الوقود سيؤدى بشكل مباشر عدم قدرة المنظمات الإغاثية في توصيل الماء والدواء لملايين الأشخاص الذين هم في حاجة لهذه الأشياء. وأضاف: “نحن هنا نتحدث عن المواد الإغاثية التى في الأصل موجودة في المخازن سواء كانت ببورتسودان أو في مناطق أخرى بالسودان، انعدام تدفق الوقود أو عدم وجود احتياطي وقود سيؤثر على المنظمات في عدم توصيل هذه المواد المتوفرة بمخازنها. وتعتبر بورتسودان شريان الحياة، وبطبيعة الحال إذا استمر استهداف هذه المرافق الحيوية الموجودة تحديدا في بورتسودان ربما من المتوقع أو المؤكد سوف تزداد الأوضاع الإنسانية سوءً في معظم مناطق السودان، لو اعتبرنا مناطق إقليم دارفور، ولا أعتقد انها تستفيد من المواد الإغاثية التي تأتي عن طريق ميناء بورتسودان، عموما ستؤدى إلى كارثة إنسانية وتفاقم الأوضاع ” .
وبالفعل تعقيدات وتدهور الأوضاع انعكست بشكل مباشر وفوري على المواطنين في المدينة.
ذكرت المواطنة (م. ر) لمداميك أن الوضع الحالي. بعد الاستهداف الأخير لمدينة بورتسودان عبر المسيرات أكثر من سيء، فقد أصبحت المعيشة صعبة جدا نسبة للغلاء بالمدينة من قبل ذلك . ويعاني النازحون خاصة من ارتفاع أسعار المياه فهي عصب الحياة ويبلغ سعر (جوز ماء الاستحمام) (1000) ألف جنيه سوداني، وماء الشرب (1500) الف ونص جنيه سوداني. وقالت : ” تعاني العديد من أسر النازحين من عدم وجود مصدر دخل ولا يتم إيصال الإغاثة لها.. الحياة مكلفة جدا بمدينة بورتسودان، والمؤسف في ذلك أن الإغاثة يتم استلامها من قبل أشخاص معينين ، زد على ذلك ارتفاع أسعار اللحوم فقد بلغ تكلفة كيلو اللحم العجالي 23 ألف جنيه. وارتفعت أسعار ايجارات المنازل إلى 900 ألف جنيه لمنزل مكون من صالون واحد به 4 أسرّة فقط.. مع عدم توفر الكهرباء وعدم إصحاح البيئة، وارتفاع درجات الحرارة .. تضطر بعض الأسر للنوم في الشارع، وكثرة الباعوض وانتشار الأمراض والأوبئة من حمى الضنك والكوليرا والسل وارتفاع أسعار الأدوية . أضف إلى ذلك عدم توفر فرص العمل بمدينة بورتسودان. في ظل الضربات التي لا تزال مستمرة والوضع غير مستقر اضطر العديد للعودة للخرطوم وآخرين من سكان المدينة غادروا لمدينة طوكر ومدن السودان الأخرى “.
التعليقات مغلقة.


لم تكن المساعدات الإنسانية قبل المسيرات و ضربها لبورتسودان على حال أفضل. فالمعروف أن المساعدات الإنسانية لم تصل إلى كردفان و دارفور بقرار من الحكومة القائمة في بورتسودان و التي يرأسها البرهان باعتبار حرمان المناطق تحت سيطرة الدعم السريع منها و قد شمل ذلك الخرطوم قبل تحريرها. معبر أدري الذي جرى فتحه بموافقة الحكومة في بورتسودان بعد جهد من المجتمع الدولي ظل قاصرا عن إيصال الإغاثة للنازحين مما كان املا. بالطبع هناك تحديات أخرى تتعلق بالجانب العملياتي و هي تشكل معوقا أخطر من المسيرات