
مع الطير المهاجر – 3-
عبدالله محمد عبد الله
تنتهي مقدمة الطير المهاجر التي امتدت لما يقارب الدقائق الأربع بتسليم الأستاذ محمد وردي ليفتتح الغناء في هدوء يعزز الحزن الذي عبّر عنه مطلع القصيدة. فيبدو وحيداً و قد هدأت الفرقة إلا من متابعة خافتة حييّة.
على هذا النهج تمضي الطير المهاحر، التي اعتمد فيها الأستاذ على التكرار و الإعادة مع الحفاظ على استقلال نسبي لكل مقطع، متخذاً من تغيير الإيقاع و الموسيقى و الانتقال السلس بين المقاطع وسيلة لتحقيق هذه الاستقلالية مع الحفاظ على تماسك الاغنبة.
لقيَت الطير المهاجر عند صدورها ترحيباً كبيراً، فقد قُدمت على المسرح القومي مراراً مثلما أعادت الإذاعة بثها كثيراً. فاشتعلت الصحافة بها نقدا و آطراءً، و ما زال الرفاق يستعيدون قولة عبدالخالق محجوب عنها ( هكذا يجب أن يكون الغناء!) رغم ما كان بينه و شاعرها من جفاء.
و على مر السنين كان لهذه الأغنية حضورها. فقد قدمها الأستاذ محمد وردي في السبعينات وما بعدها، مضفياً عليها من ملامح التجديد ما أتاحه وفود آلات موسيقية جديدة إلى الاوركسترا، و ما استجد من أساليب الأداء الصوتي. و هناك تسجيلاتٌ لها بغير صوت محمد وردي على اليوتيوب. وهي تسجيلات تم معظمها في أجواء أقل ملاءمة، بحكم الظروف العامة.
ليس مطلوباً و ليس هناك، بالطبع، مجال لانتاج صورة طبق الأصل، لكن من المهم الحفاظ على روح العمل. و ربما كانت أكثر تلك المحاولات إثارة للإنتباه ما قامت به المغنية شذي عبدالله فقد ادتها بأسلوبها الخاص و لكن باقتدار و مع فرقة جيدة الإعداد و كورس منضبط.
اما الأستاذ عصام محمد نور فقد قدمها ضمن برنامج اغاني و أغاني، و ييدو ان الفرقة لم تكن ليلتها في أفضل حالاتها، إذ شاب أداءها بعض التردد و ضعف الانسجام…كان ممكناً ان تأتي صولو محمدية أكثر وفاءً للأصل، و ان يؤدي الكورس دوره بحساسية أكثر مما فعل، و ليس هناك ما يبيح لعصام إحلال كلمة (سوداننا) مكان (بلادنا)، فالفرقُ الدلالي شاسعٌ بينهما في هذا السياق .
قدم المغني رامي عمر ما يمكن اعتباره نسخة شبابية لهذه الأغنية. و هناك نسخة للفنان فتحي السمري و اخرى لمهدي الامبن كانتا اقل حظا من النجاح.. و وفْق رواية الموسيقار عبدالوهاب وردي فقد أثارت بعض تلك التجارب اعتراضاً قوياً ممن يعتبرون هذه الأغنية عملاً مقدساً لا يحتمل المساس، فبلغ الأمر ببعضهم ان ألقوا باللائمة على أفرادٍ أُسرة الموسيقار الراحل لسماحهم بذلك ( العبث)!
تطرقتْ الأستاذة فاطمة الملك في تعليقٍ سابقٍ إلى ما رزأت به الحرب اللعينة الوطن، فما من طائر سيعبر سالماً مع ما احتشد في سماء الوطن من مخاطر، و إن فعل فلن يجد حبيبةً و لا منديلاً. و هكذا، بعد ستين عاماً من انطلاق هذه الأيقونة الموسيقية تلاشى صوت الإذاعة و احتلت المدرعات المسرح بينما تحاومت فوق النيل الدانات و المسيّرات!
إلا ان الأغاني الخالدة ستظل كامنةً في الصدور تنتظر لحظة ميلادها الثاني.
——————-
الصورة البارزة الفنانة شذي عبد الله

الفنان عصام محمد نور

