
فتى النيل الأزرق (47)
جورجيوس أيوب بالامون
ترجمة: إيهاب خيري
عزيز ة وألمانيا
فجأة، تذكرت عزيزة.
أحياناً، تظل محور تفكيري وذكرياتي لأيام، وفي بعض الأحيان، يخفت حضورها قليلاً. تعلمت أن اشغل نفسي وأبحث عن الكثير من الأشياء التي تسيطر على اهتمامي، كما اشغل نفسي بالتركيز على العمل.
رغبت عزيزة في زيارة ألمانيا، وأدخرت المال لتحقيق أمنيتها، وتبنت مبدأ وردة في التعامل مع المال: “من لا يهدر المال لا يحتاج!
قالت لي: “أصبحنا مبذرين، وننفق أكثر من اللازم. لا بد أن نتقشف، ونتظاهر بأن دخلنا أقل من الواقع. هذا أفضل”
قلت لها: جيد، افعلي ما ترينه مناسباً..
الآن، أكاد أرى الابتسامة التي منحتني إياها عندما قلت ذلك.
في محطة القطار بباريس، تجولت في عالمي الخاص، غير مهتماً بالجلبة في هذه المحطة العملاقة. ابتسمت عندما تذكرت المظروف الذي أعطاني له فؤاد، وكتب عليه: لا يُفتح إلا في أوروبا. أخرجته من الحقيبة، وفتحت، فوجدت فيه 20 جنيهاً وورقة كُتب عليها: “عزيزتنا فضلت أن تصرف أنت هذا المبلغ. استخدمه، فهذه هي وصيتها.. فؤاد”.
كنت جالساً على مقعد خشبي، حلقي أصبح جافاً، وازدادت ضربات قلبي. لا أحد يلاحظني. خلال جلوسي في مقهى محطة القطار لتناول فنجان قهوة، قررت زيارة عائلة عرفتني فرانسوا بها. زوجان مثقفان في متوسط العمر.
قالت مدام هورست: “فرحنا لرؤيتك. هل ستغضب فرانسوا؟ تريد السفر إلى درسدن ولايبزج وبرلين ومن هناك إلى هامبورغ وأمستردام ثم أوستند، وتعود إلى باريس عن طريق لندن؟
قال مستر هورست: رحّالة حقيقي! يمكنك شراء تذكرة طالب. هل تريد السفر معي؟ اعتزم زيارة ابنتنا في لايبزج. يمكنك قضاء بعض الأيام معنا. سنسافر بعد غد في الصباح الباكر. تاريخك مدهش. تاريخ أي شخص مدهش. حدثنا عن ظروف فصلك من الكلية. هل وجدوا أنك لا تصلح لأسباب دينية؟ نعم، استخدامات الدين كثيرة”.
مستر هورست ألماني يهودي، وزوجته، كالودين، فرنسية. رويا لي، بالتفصيل الممل، عن تجاربهما خلال الحرب العالمية الثانية…”كانت هناك معسكرات للعمال. ليست معسكرات للمجازر لأن الرايخ كان يريد تسخير كل الرجال والنساء هناك للعمل. منذ شتاء العام 1942، كانوا يدفعون حتى الصبية والبنات الصغيرات للعمل بسبب الغزو الغبي للاتحاد السوفيتي. ربما كان كل الشباب والرجال والكبار في جبهات القتال المتعددة. النساء ومعظم السجناء كُلفوا بالعمل. في 1946، كان هناك 5 نساء مقابل كل رجل ألماني. محاكمات نورنبيرج أبعد ما تكون عن الحقيقة. الحرب كانت نتيجة حتمية لمعاهدة فرساي 1919″.
صمت مستر هورست لفترة ثم واصل حديثه: الحرب أودت بحياة ملايين الأبرياء في كل جانب. قُتل 700,000 روسي من المدنيين خلال حصار ليينجراد، وقُتل 2,050,000 ألماني بسبب الغارات الجوية التي شنتها القوات الأمريكية والبريطانية”.
نظرت إليه وأنا استمع باهتمام. كان مختلفاً عن غيره. عندما يُطرح موضوع اليهود الأوروبيين، يقول: لماذا يدور الحديث دائماً عن اليهود؟ اليهود، اليهود، اليهود! بقية الناس تعرضوا للعذابات أيضاً. هل هم أقل أهميةً من اليهود؟ أنا يهودي لكني لم اتسمم بالدعاية الشريرة. هل غسلوا دماغك؟ في المستقبل، ربما يُعين علماء التاريخ والاقتصاد من إيطاليا والنمسا وألمانيا واليونان ومصر والهند وبلاد فارس لتمحيص حقيقة ما حدث في الفترة من 1910 إلى 1990 مثلاً، وتفنيد الروايات غير الحقيقية في الكتب التي ستملأ المكتبات خلال الخمسين سنة المقبلة”.
صمت هورست لمنحي فرصة استيعاب ما يقوله. استمر صمتنا لنحو ساعة. تناولنا ساندويتشات في العشاء مع بعض النبيذ. كان هورست وزوجته يعيشان بتقشف، ولم استفسر عن مصدر دخلهما. كانا من رواد الحركة الوجودية في فرنسا. اندهشت عندما قابلت العديد من الوجوديين في الحي اللاتيني بالقرب من جامعة السوربون. لأول مرة، لاحظت أن هناك الكثير من اليهود المؤيدين للفلسطينيين، والذين يرفضون فكرة تأسيس دولة إسرائيل، والقيادة الصهيونية، بل يتهمون قياداتهم بأنها السبب في كراهية العالم لليهود. يرى بعضهم أن الصهيونية الدولية خلقت دولة داخل الدولة وتريد المزيد من السلطة وتتسم بالأنانية “لماذا لم تقم الصهيونية الدولية، وهي أقوى منظمة، بحماية أي يهودي في الفترة من 1930 إلى 1945؟ دعك عن الآخرين الذين لم تهتم بهم مطلقاً. كيف لم يكن هناك أي ذكر لسوء المعاملة في أي مطبوعة أو إذاعة خلال 15 سنة؟ كان هناك 50,000 جاسوس ومخرب أمريكي وإنجليزي في ألمانيا والأراضي التي تحتلها”.
قال أحد أولئك الشباب اليهود: ” دعمت حكومات بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي العصابات الصهيونية مثل شتيرن وإرجون والهاجانا لإرهاب الفلسطينيين وطردهم من بلادهم قبل وبعد العام 1948. إسحق شامير وبن غوريون ومناحيم بيجن وغولدا مائير وغيرهم من الإرهابيين الصهيونيين ذبحوا مئات الآلاف واستولوا على أراضيهم. أصبح الفلسطينيون مثل الهنود الحمر في أمريكا والأبورجينيز في أستراليا”.
كان محقاً. قُتل والدا نعيمة، زوجة خالي لبيب، في ليلة عيد الميلاد 1949 في حيفا، واستولت عصابة على بيتهم لصالح مهاجرين يهود من بولندا. العصابة كانت بقيادة إسحق شامير، الذي أصبح رئيساً لوزراء إسرائيل في 1983. منذ أن وطأت قدماه أرض فلسطين في 1941، لم يتوقف عن قيادة العمليات الإرهابية، مدعوماً بالأسلحة الأوروبية وكل شيء.
في مارس 1950، وقبل أن استفق من هذه الصدمة، تلقيت نبأ مقتل نعيمة على يد عصابة إرجون الإرهابية في حيفا حين ذهبت لمعرفة قتلة والديها والمطالبة بممتلكاتهم. مثل الكثير من الفلسطينيين الذين قتلوا، حرقوا جثتها.
شعرت بغضب شديد لمقتلها. أصبحت لا أدرياً أو ملحداً.
قال الصهيوني الإرهابي شامير: “العرب صراصير! هل تعامل الحكومات العربية شعوبها أفضل منا؟ الحكومات العربية لا تهتم بالفقر الذي تعيش غالبية الشعوب تحت وطأته، بل تُذيق شعوبها الحنظل. إنها مزرعة حيوانات”..
قال ذلك كأن الخطأ يُعالج بالإرهاب!
…
هل أُعيد إعمار فرنسا بعد الحرب؟
أجابتني مدام هورست: فرنسا وإيطاليا لم تتعرضا للدمار خلال الحرب. ستدرك عمق واتساع الدمار الذي سببته القوات البريطانية والأمريكية عندما تزور ألمانيا… أوغاد! لا اؤمن بالمعجزات، لكن نجاة فرنسا وإيطاليا وبراغ من هذا التدمير الخبيث كان معجزة”.
سألتها: في حالة ألمانيا، هل كان الحصار لبضع سنوات مع قطع خطوط الاتصالات كافياً لإنهاء الحرب بأقل الخسائر الممكنة”؟
“غالباً، ففي ليلة عيد الميلاد عام 1942، كان الرايخ يقدم فرقه العسكرية وجبة سائغةً للعدو. لم يكن لديهم الوقود للتدفئة خلال الشتاء، أو لاستخدامه في النقل، بما في ذلك سيارات ومدرعات الجيش. لم يكن هناك سبب للشرور التي ارتكبت في لايبزج ودريسدن وهامبورج وبرلين، والكثير من المدن الجميلة الأخرى. القتل كان على نطاق واسع، ومن أجل القتل فقط”.
أضاف مستر هورست: “في تلك الفترة، كنت وكالودين حديثي الزواج. كنت مزارعاً. استولت العصابات المسلحة على أبقاري وطيوري تحت تهديد السلاح. كان ذلك الوضع السائد في كل مكان، فانتشرت مجاعة واسعة منذ ليلة عيد الميلاد في 1942”.
قالت كالودين: “نعم في نهاية عام 1942، عانى نصف سكان ألمانيا من البرد القارس بسبب نقص فحم التدفئة. ما كانوا يعطوه لنا أقل من ثُلث حاجتنا. عانى الناس في شرق أوروبا من المشاكل نفسها. كنت أبحث مع النساء الألمانيات عن قطع الفحم التي تسقط من القطارات بين خطي السكك الحديدية. في بعض الأحيان، يتعمد سائقو القطارات إسقاط الفحم من القاطرات لنجمعها. في كثير من الأحيان، كنت التقط قطع فحم ملتهبة… كان ذلك مؤلماً. في نهاية العام 1943، تعطلت خدمات السكك الحديدية.. 20 في المائة فقط من القطارات كانت تعمل. معظم الناس عانوا من المجاعة، وتوفي الكثير منهم خلال فصل الشتاء. السوق السوداء نفسها عانت من قلة السلع المتاحة. القصف كان يستمر خلال النهار والليل، ولم يكن لدينا وقت حتى لدفن الموتى في مقابر جماعية”.
…
هورست وزوجته كالودين في غاية العطف. اشتريت تذكرة طالب بـ12 جنيهاً، وفي القطار حدثني هورست عن معاهدة فيرساي 1919 والكساد الاقتصادي في الفترة من 1920 إلى 1939، وإمكانية تشكيل ولايات متحدة أوروبية على أسس اقتصادية، ودخول مؤسسات عابرة للحدود، والنظام الاقتصادي الجديد بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا العظمى.
تجاوز القطار الحدود الفرنسية وعند نقطة التفتيش في ألمانيا قال لي ضابط الهجرة الألماني: “زودان”… “زودان”؟ ما هذا؟
قال زميله: الإمبراطورية البريطانية.. إفريقيا… مصر!
قام الأول بوضع ختم الدخول على جوازي السوداني والثاني بالتوقيع. كُتب على إذن الدخول:( كارلسروه 1 أغسطس 1950).
هكذا، سُمح لي بالدخول إلى ألمانيا بالسهولة التي يدخل بها أهل غرب إفريقيا إلى السودان ومصر ويصبحوا من مواطنيها.
قال لي مستر هورست: “يحتاجون إلى عمالة أجنبية. يمكنك البقاء طوال حياتك هنا لو رغبت”.
تحركنا من محطة قطارات كارلسروه، وقضينا الليلة في نُزل صغير ومريح من بيوت جمعيات الشبان المسيحيين المشهورة باسم حروفها الأولى (YMCA). تكلفة غرفة مع ماء ساخن وإفطار كانت 6 شلنات للفرد.
في اليوم التالي، تجولنا في المدينة الصغيرة لبضع ساعات قبل انطلاق قطارنا إلى هيدلبيرج ووريزبيرج. قضينا ثلاثة أيام في هيدلبيرج وثلاثة أخرى في وريزبيرج. في اليوم السادس تحركنا إلى كاسيل بقطار توقف في كل محطة تصادفه، ما منحني الفرصة لرؤية حجم الدمار الذي تعرضت له مدن وقرى ألمانيا. في ظهيرة اليوم التالي، ركبنا القطار الوحيد الذي يصلنا إلى ألمانيا الشرقية، الشيوعية. يعمل بالبخار ويضم عربتين فقط للركاب. معنا نحو 12 راكب وانضم إلينا 6 جنود سوفيت في الحدود مع ألمانيا الشرقية.
أبدى ضباط الحدود في ألمانيا الشرقية استغرابهم من جواز سفري. ربما كان أول جواز سفر سوداني يمر عليهم. تفحصوا ملامحي جيداً ثم أعادوا لي الجواز دون وضع أي ختم عليه. سأل أحدهم: ضيف؟ سائح؟ عمل؟ لكنهم لم يهتموا كثيراً. فرحت لسهولة تنقلي في أوروبا.
في ألمانيا الشرقية، رأيت عدداً من الجنود السوفيت، رجالاً ونساء، يعملون في إعادة الإعمار. آثار الحرب بادية بشكل أكبر في ألمانيا الشرقية؛ دمار شامل. تساءلت: هل يمكنهم إعادة البناء في ظل إمكانياتهم المحدودة؟ في ألمانيا الغربية وهولندا وبلجيكا لاحظت زيادة مشاريع إعادة الإعمار، مع توظيف عمالة من شمال إفريقيا وتركيا. قبلت أوروبا الغربية مشروع مارشال، الذي ضخ استثمارات كبيرة في مشاريع إعادة البناء، رغم أن كان ذلك يعني الخضوع لهيمنة الشركات الإنجليزية والأمريكية التي كانت تنمو بسرعة لتصبح مؤسسات عابرة للقارات تمتد هيمنتها حتى اليابان.
تذكرت ما قاله لي هورست عندما كنا في باريس: “رفض ستالين الرأسمالية الإنجليزية الأمريكية ودعمها لأنها تعني القبول بتدخلهم”، وتفسير كالودين:” خطة مارشال كانت حاسمة في تحديد مصير أوروبا بما في ذلك بريطانيا العظمى”.
…
عندما كنت في لايبزج مع هورست وكالودين، ذهبت إلى كاتدارئية، وقال لنا قسيس إنها نجت بأعجوبة من الغارات الجوية المتواصلة والعنيفة التي دمرت معظم مباني المدينة… وأضاف بفخر: “هنا كتب باخ بعض أعظم مؤلفاته”
سألت: من هو باخ؟
لم تكن هناك إجابة مرضية، حيث لا تستطيع الكلمات وصف مساهمة باخ في الثقافة الأوروبية. لذلك، طلب القسيس من أحد رجال الكنيسة عزف مقطوعة لباخ في الكاتدارئية التي قام بتأليف عدد من أعماله فيها. منذ ذلك اليوم، أصبح باخ مفضلاً لديّ. بالنسبة لي، ثمة علاقة قوية بين الدمار الذي حل بلايبزج والموسيقى العظيمة للمؤلفين الألمان.
..
عند التحرك من لايبزج، شعرت بالوحدة، حيث كانت المدينة نهاية رحلة مستر هورست وكالودين. في الأوقات الصعبة، يدرك المرء أهمية الأصدقاء. أعطياني رسائل لمعارفهم في برلين ودريسدن وهامبورج وأوستند، ووعدت بالتواصل معهم عبر الرسائل، ووعداني بالاهتمام بفرانسوا، التي فكرت فيها كثيراً، وكيف سيكون شعورها عندما تعرف برحيلي. هل كانت تحبني؟ اتمنى أن لا يكون ذلك صحيحاً.
…
تعرضت دريسدن، التي تقع على بعد 100 ميل (160 كيلومتراً) جنوب برلين، لقصف متواصل من الطيران الأمريكي والبريطاني يومي 13 و14 فبراير 1945.. تعرض وسط المدينة لدمار شامل، وقتل أكثر من 135,000 شخص. استمر القصف لمدة أسبوعين وتعرض نحو نصف مليون شخص والمدينة كلها للحرق.
قال لي هورست: “أصبح الهجوم على دريسدن في 1945 مثالاً للقصف الجوي المتعسف. خطط قائد القوات الجوية البريطانية السير آرثر هاريس، وزميله الأمريكي الجنرال كارل سباتز لهذا الدمار الشامل لمدن ألمانيا الشرقية. يوم الأربعاء 14 فبراير 1945، قصفت دريسدن بـ1440 قنبلة، ولم ينجح الدفاع الجوي للرايخ سوى في صد 13 منها.. أطلقوا على المدينة لقب “هيروشيما أوروبا”.
بعد عدة سنوات، أكد بعض الإنجليز أن هذه الهجمات على المدن الألمانية كانت بهدف إثارة الرعب والتعجيل بإعلان النصر. كان تشرتشل والجنرال جورج مارشال فرحين بــ”دقة القصف”… هكذا وصف آلهة الحرب تلك العمليات. تعرضت لايبزج لقصف بـ800 قنبلة من سلاح الجو الملكي البريطاني، ثم ارتفع العدد إلى 1000 قنبلة. كان ذلك في الأشهر الأولى من عام 1945، ولم يقل عدد القنابل الأمريكية عن ذلك.
رغم المقاومة الألمانية القوية، فإن القصف العنيف والواسع كان عملاً شنيعاً، حيث لاحظ الحلفاء أن الرايخ خسر الحرب وقدم عرضاً للاستسلام منذ العام 1944، لكنهم تغاضوا عن العرض. كانت الحرب عرضاً لقوة الألة الحربية الإنجليزية الأمريكية، حيث استخدموا كل ذخيرتهم ما عدا خُمس القنابل التي عادت إلى لندن. أعلنت ألمانيا استسلامها غير المشروط في 7 مايو 1945.
لا يجب أن تنسى الأجيال الشابة الدروس القاسية للتاريخ، وبطولة السوفيت الذين تحملوا مآسي الحرب.
مشاكلي، وإحباطاتي، وأحزاني بدت لي غير مهمة مع ما رأيته؛ النتيجة المنطقية لمعاهدة فرساي، كما قال أستاذ الاقتصاد بجامعة كامبريدج، جون مينارد كينز.
الأسبوع المقبل: الحلقة الأخيرة

