‫الرئيسية‬ ثقافة حافظ مدثر وعمر الدوش في ذاكرة صديق
ثقافة - 15 أبريل 2025, 14:45

حافظ مدثر وعمر الدوش في ذاكرة صديق

مصطفي مدثر
تقديم: طلبت من الـكوبايلوت أن يلخص لي رسالة طويلة من صديق عزيز فأتاني بالآتي في لمح البصر :
“يا صفصف!
سلامات يا أخ! هل تذكر تلك البداية في مناظر سينما امدرمان والدعاية لفابريكة النيل الأزرق الساقطة بمد السين، والكبري، والجمل الذي يغمز بعينه! وتليها دعاية شبط الشدة بتشديد الدال والتي كان يقرأها الطيب صالح وينهيها بصوته الرنان: ” لا … ليس للعنز!”
تعود بي الذكريات القريبة لمقال كتبته أنت عن الدعاية للأفلام وذلك الخطاط ذي اللون لامع السواد وناعم الشعر الذي شبهته بأخينا المرحوم مكي عباس الذي ذهبت به الاقدار الى غانا ليلقى (سخانتها) في الاحداث المؤسفة في سبعينات القرن الماضي ويموت بطلقة نارية ليس له فيها ناقة ولا جمل!
لا أدري، لماذا أصبحت الذكريات، رغم ما فيها من مآسي، أجمل من أيامنا التي نعيشها، في الوقت الذي كانت فيه خياراتنا في ذلك الزمان محدودة، بينما ما نعيشه الآن من أمكنة وأحوال هو من اختيارنا لأنفسنا في ظروف معينة. يبدو أن بساطة الأشياء ومساحات الفرح كانت رحيبة في قلوبنا الغضة ومشاعرنا المرهفة فيما مضى من عمرنا.
وبيتكم في الهاشماب كان مكان لقيا للأحباب، حيث تتمدد فيه حرية التعبير وعبير الابداع المتنوع في فنونه وجنونه الى أبعد حد. وفيه تشاهد المسرحيات الجميلة وتسمع الأغنيات العذبة و القصائد الشاردة والواردة وترى التشكيل بإبداعاته، ناس عوض الله (حامد علي) واسامة (عبد الرحيم) وناس صلاح التيجاني (الدكتور) و نادر(ما عرفته) وتجرى فيه نقاشات عميقة عن السياسة والاعلام والنقد الأدبي . وتسمع فيه اصوات الحيوانات من الدينصورات الى القطط الضاجة بالنسل في احشائها. والغريبة ان صورة بيتكم مرتبطة دائما برائحة الحائط المبتل بالمطر التي تعيد في دواخلي ذلك الشعور البديع الطاغي في الخريف بعد نهاية الاجازة الصيفية ونحن ذاهبون الى المدارس وفي اذهاننا الانشودة الحبيبة ” نحن إذا جاء المطر نجري ونلعب بالزهر ” ونردد بلا كلل اغنية الفنان فارع الطول مصفوف الشعر يا حليلو إبراهيم عوض ” يا جمال دنيانا والحبيب ويانا والمحبة شديدة يا أهلنا ” وتطوف في ذهني تلك العصرية التي جئت فيها لأحييك وأنت عائد من لندن (تيم كيتنج) ووجدتك واقفاً ببنطلون
الجينز تداعب بأناملك الجيتار الكهربائي الجديد وتغنى “يمكن ان تفعلها ان كنت حقاً تريد ” وتكسرها بأخرى . أين ذهبت هذه الأغنيات العذبة؟ وأين ذهبت هشات الفرح بأبسط المصادفات والحادثات وحلت محلها مازوشية الإحباط والحزن لأقل الأسباب؟ ويحضرني في هذه اللحظة كوب ليمون بارد شربته صباح يوم جمعة بعد ليلة خميس مترعة في بيتكم، فقد أفاق عطا (الجعلي) قبلنا وأتانا بجك ليمون من كشك حسين أمام مدرسة الأحفاد بنات، يروّق به دمنا الذي أصبحت نسبته في (كحولنا) ضئيلة جدا. كم كان طعم ذلك الليمون لذيذا نتلمظ بعده البظاظا ! هل أكلت يا صفصف في حياتك وتنوّع تنقلاتك (بالوظج) ؟ أو قمت بفذلكة مقال؟ بالله تحسس كمية اللزوجة في لغة (الضاض) ! نعود لأيام زمان وومضاتها البارقة و في فؤادى قعدة الوداع التي نظمتموها في نادى (….) بمناسبة سفرى منقولا الى (X) . و لا تزال كلمات هبّار و الرب و ياسين تهفهف فى اذنى عندما قالوا انهم يعرفون ان حافظ ان لم يكن فى المعتقل لنظم هذه القعدة ، و لصداقتهم لى ومعزتهم لحافظ لملموا الجنيهات و اشتروا ما تيسر من شاحب و ناشف و رحط و كلب وثور ، و ما طاب من فول و جبنة و ساردين و كانت ملمة من اجمل القعدات ، غنى لنا فيها هاشم حمزة و ردد ” يتاتو يتاتو زى قدلة جنى الوزين ” الى وقت متأخر من الليل او مبكر من صباح اليوم التالى . بالله تأمل مشية جنى الوزين و قارنها بوصف الشاعر طرفة الجاهلى لتلك الهركولة الماشية الى بيت جارتها كالوجي الوحل ! كم كنا نشتاق لحافظ عندما ياخذه الزبانية الى المعتقل ! كيف و الان هو فى عالم آخر ؟. و لكننا لا نزال نقول ايامنا و يا النسيت ايامنا الاغنية المفضلة لمحمد ادم الدبلوماسى المطبوع و المسرحى الفنان الذى ذهبت به الاقدار الى كوريا، و قدر ما حاولت ان استعيد معه بعض الخوة بالمكاتبة الا انه لم يتجاوب , و يقولوا الغائب عذره معاه و فى غيابك ياما نشيل اللوم . و كلما استمع لابو الامين اتذكر الجلسات الجميلة فى بيت سعيد فى بحرى . و اتذكر المؤاخذة الحمراء التى اتى قاشرا بها من لندن و اصر عمر الدوش على ان يأخذها منه إلحاحا ، و لا ادري هل رجع سعيد حافيا ذلك اليوم . عمر الدوش الوحيد الذى عاش المشاعية البدائية فى نفسه . لم يعرف فى اى يوم من الايام قيمة للفلوس و لا قيمة للمنافسة او حتى للتفوق الا اذا كان لامتاع الناس . الفرق بالنسبة له بين أي شخص او أي شىء و اخر فى العالم انه فى واحد ظريف و اخر مش ظريف . تعود لاسماعى دائما ضحكاته الرنانه من النكات و المواقف الطريفة للبسطاء الذين يشبهون احمد بطل ملحمته الساقية لسه مدورة . و كان متحيزا لاولئك البسطاء المطشمة الرافضين لمجتمعهم الطبقى فى القرية و يحترم خيارهم بنذر انفسهم للانادى ذات الرايات المرفوعة وشعرهم الشعبى و تغزلهم بين الفينة و الاخرى فى مصفيات المرايس. كان اشتراكيا بطريقته الخاصة . كنت كعادتى احب النقاش و اسأله عن اهمية البحث عن اليقين حتى نجد ما نتكئ عليه من تفسير لتعقيدات حركة الطبيعة و المجتمع دون ان نضل الطريق . كان يستمع باهتمام و لكنه يجد اظرف ان نستمع لايقاع جميل او شوارد من قصائد او شذرات من مشروع رواية . و كنا نجد ضالتنا فى ذلك عند محمود محمد مدنى حيث ترقد تحت سريره كميات من الكتب المفتوحة و مقلوبه فى مواضع معينة ليمتعنا منها بمقتطف من هذه الرواية او تلك الفكرة لكاتب نجمه صاعد فى الافق . الغريبة ان اصدقاءنا هؤلاء لا يحبون السينما . كنت كلما اقترح برنامج فيه مشاهدة فيلم جديد كان عمر يسخر من الفكرة التي يعتبرها انشغالا بالتصاوير كما يسميها . كان يحب ان يكون فى تفاعل مع الناس فى المسرح مثلا او على المنصة فى القاء شعرى او اى حالة يكون التداخل و تبادل المشاعر و الافكار هو السائد . اما حافظ فقد كان عاشقا للسينما و لكن فى وقت سابق لتوثق علاقاتنا ، فقد كانت مناقشاته مع عبدالرحمن نجدى فيها كثير من العمق بالسينما و فنياتها . و اعجابه بالافلام السينمائية القديمة يماثل نظرته التقليدية و المحافظة لبعض الامور . فقد كان يتحدث عن فيلم ” ذهب مع الريح ” و يبدو ان عهده بالسينما انتهى باسباتاكوس . و طبعا اسبارتاكوس كان احد لازمات الدراسات الشيوعية عن المادية التاريخية و تطورالصراع الطبيقى ، فقد كانت هذه بدايات تعلم المرشحين للحزب للفلسفة و الخروج من حيز الانضمام بسبب القرابة او الصداقة الى تعلم النظرية و النقة بتشديد القاف النمطية الطويلة عن الاشتراكية الطوباوية و باكونين و المرتد كاوتسكى . و للاغنيات القديمة مكانة خاصة فى خياراته . و على هذا السياق نجد اعجاب حافظ باغنيات البنات الشعبية القديمة مثل البنسلين يا التمرجى و الهجروك علي و الليمون سقايتو عشية التى رغم تسطيحها هى كشف البسطاء لحال افراحهم و معاناتهم و اهتماماتهم اجتماعية كانت او اقتصادية او حتى سياسية فضلا عن ايقاعها الراقص الجميل. و دائما اتذكر جلستنا مع اصدقاء له و لصلاح من قدامى رجال الشرطة و السوارى و كيف كان مفعول العيش فيهم و هم يرقصون التم تم الذى يشبه الى حد كبير رقصة كشف شباب ذلك الوقت . و من الاشياء التى كانت تشد عجبى من حافظ تكراره لكلمات المسيح عليه السلام ” يا الهى لم هجرتنى” و” العشاء الاخير” و” الهى لا تدخلنى فى تجربة” . و بالرغم من ان استعماله لها دائما فى اطار الفكاهة و التندر و لكن فى لحظات كثيرة كنت استشف منه دهشة خفية من عبثية الحياة . كيف يلوم الابن ربه الذى تركه يتعذب على الصليب و قبلها كان يشارك حوارييه العشاء الذى يعرف انه الاخير و هذه التجارب القاسية التى هى سمة ملازمة لحياتنا و احدى عوامل استمراريتها . هذه الومضات المسيحية لا تتفق مع دين الاسلام رغم انها مسائل حوار مستمر بين الناس متدينين كانوا ام غير ذلك. و قد كان حافظ غير مشغول كثيرا بالنظرية الشيوعية رغم التزامه و تمسكة بالتنظيم . و احب ما لديه من كتب المنظرين الشيوعيين كان كتاب لكرستوفر كودويل ليس لمضمونه و حسب و لكن لان كودويل واحد من شهداء الحرب الاهلية الاسبانية العالميين مات وهو شاب صغير . و اعجابه بالشخص كان فيه من الرومانسية اكثر منه تبنى لمواقف نظرية . ما عارف يا مصطفى استرسل ام اتوقف .كم كانت السعادة سهلة المنال و كم كانت الضحكات تندفع من القلب الى الحناجر و الشفاه لتتحول بسرعة الى عدوى و دعوة للفوضى الخلاقة بالهرج و المرج الجماعى البهيج . و كل هؤلاء الذين كانوا حولنا اتوا من وادى عبقر و استمروا يعيشون بسنن و و وتيرة لا تجدها عند اخرين . و ربما هذا هو الذى دفعهم دفعا للعودة الى ذلك المكان المجهول و لعلهم يذكروننا الان و يتحدثون عنا بلغة ذلك العالم لاننا سنظل نحبهم حتى نلقاهم فى تلك الفضاءات التى لا يحد اكوانها المكان و لا يحد دهورها الزمان و هى لا عين رأت و لا أدن سمعت و لا خطرت بقلب بشر . لكن مش ها الساعة !! لا تزال هناك اماكن دنيوية لم نرها و ايقاعات جميلة لم نسمعها و اناس من رجال و فتيات لم نستمتع برؤيتهم بعد و كلمات تجيش فى دواخلنا لم يتيسر لنا التعبير عنها بعد و القائمة تطول فى انسانيتنا التى تحب الحياة و لا تذهب منها الا قسرا . الله يطول لينا عمرك و نتلاقى فى ساعة خير انت و هاشم الخير و كل اهل الخير.”
انتهى ملخص رسالة هاء. عجيب مساعد الكبتن دا!

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال