‫الرئيسية‬ ثقافة قصة قصيرة (سماحة جمل الطين)
قصة قصيرة - 10 أبريل 2025, 12:07

(سماحة جمل الطين)

قصة :إقبال صالح بانقا
تَنهدت الأرض وتَنفست الصَعداء و هي تُبشر بقدوم شتاء قد يكون برده قارس فقد قيل أن الخريف إذا أتى غزيراً فياضاً فإن الشتاء الذي يَليه سَيكون قاسي البرودة، فقد سَبق هذا الشتاء خريفاً عنيفاً ، عَاث في الأرض فساداً لم يَغنم منه سكان المُدن والعَواصم شيء سوى الخراب والتَشَتت ، ربما وحتماً استفاد منه المُزارعون وأصحاب المَزارع وربما وحتماً أيضا سَتذخر الأسواق وقد تفيض بإنتاجهم ومع ذلك لا يبشر بغير الغلاء الذي يَتنامى دون سَبباً مُقنع . شِتاء سَيجعل الناس أكثر استرخاء يَتَنسمون ما يُعرف بالجو أو الطقس وقد تأتيهم سَكينه من حيث لا يحتسبوا ، يَتميز بها الشتاء لمواجهة أثر الفصول السابقة فصلي الصيف والخريف فهم كابدوا أو يكابدون دوماً فيهما ما يكابدون من عَناء يَستنزفهم إضافة لما هم فيه من استنزاف وتَعب فلعل الله يَعينهم في هذا الشتاء ويرحمهم. مر كل ما سبق بذهن (عثمان ) وهو جالس على كرسي مهمل في حديقة مَنزله بَعد رِجوعه من صلاة المغرب في المسجد القريب من داره مغتنما نسمه ضنينه عله يَسترد قليلاً منها وفيها روحه فقد مَضت الأيام به وهو يُكابد. لم يتذكر يوماً أنه استمتع أو وجد لَذة ما أو رآحه في شيء فهو يُمارس الحياة بآليه و زُهد حتى أنه لم يكن يَدرك ما به ومن هو ؟ جلس (عثمان ) في ذلك الكرسي مبتعداً عن باقي أطقم الكراسي في الحديقة الخضراء المُزهرة . الكراسي التي ينبغي أن تكن جميله لأنها فخمه وغالية الثمن ، لكنها الآن كالحة بفعل الزمن ومَلطشة البيئة من مَطر وأتربة وزوآبع وخِلافه. الحديقة المَتعوب فيها المكلفة التي تَتَعب زوجته كثيراً لتهيأتها والصرف عليها نكاية بأشخاص يَحتلون رأسها وأفكارها ولَيست عن رغبة أو مُيول . لأنها تتكاسل عنها حين حاجتها للعناية المتواصلة وإذا سؤلت عن سبب الإهمال ضجت وثارت . أعجبه الأمر ودعاه للضحك في سِره باستهزاء وضَجر منها وخوفا في ذات الوقت منها ومن ثورتها التي يتحاشاها و لكنه إنشغل بَالحَك المُتفرق في أنحاء جَسده ومكابدة الألم والغرز وهو يردد لنفسه أن أكره شئ على وجه الأرض (البَعوض) يقال أن هناك بعض الناس لا تَقرصهم (البعوضة) هؤلاء مُسعدين. رَدد لِنفسه لماذا يُوجه إلينا ويُرسل هذا المسمى البعوض ؟ لإبادتنا و لماذا ييسر الله لنا دوله متردية ؟ ومسؤولون متخاذلون ! يعشقون النساء والتخمة والتَفاخر ويَجيدون الرياء . يقودون الدولة للدمار ويقودوننا للعجز الكُلي . سُبحانه ماذا فعلنا لنُجازى بكل ذلك . يبدو أن ما فعلناه عظيماً فادحاً وإلا لما عَجل الله لنا في الحياة الدنيا بهذا سبحانه بدليل قوله تعالى(فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل…..) إلى آخر الآية ونعتهم في آخر الآية بأنهم قوم مجرمين . لم يَذكر الله تعالى البَعوض في الآية ولكنها حَشرة ضارة مثلها مثل ما ذَكر سُبحانه من حَشرات في الآية الكل يَمقت البَعوض بالطبع و (عثمان) يمقت البعوض وأخيه الذباب، يمقتهما لدرجه تصل به إلى مشارف تَمني الموت خاصة هذه الأيام وهو يَسمع بما يُحدثان في بَني البشر . أثر الخريف يريدون إبادة الناس . لقد أوصلاه هاتان الحشرتان إلى درجه لا توصف من الانحطاط والحبط إثر سَماعه بِموت صديقة ابنته الشابة ذات الأعوام الربيعية التي توفيت إثر قرصة بَعوضه أصابتها بالملاريا الخبيثة تَوفيت خِلال أيام بعد أن عطل المرض البغيض أجهزة جسدها جميعهم . يتفتت (عثمان) قهرا و حيرة وغيظ عندما يرى ابنته تبكي عليها ويَنتابه فزع من تَعرض أسرته لذلك وهو يعلم مدى قدرة أهل صديقة ابنته المتوفاة المادية العالية التي تُمكنهم من مُجابهة ومكافحة تلك الحشرة اللعينة ولكن لا تمكنهم من صد تكاثرها فيما حولهم . فكيف أو ماذا يحدث لناس (كشا مشى) ؟ المطحونون المتمرقون تحت التراب الغاطسون في الأوحال والزبائل . اللذين لا يقتاتون سوى الفقر ( الفقر الذي ليته كان رجلاً لقتله وأفنآه حبر الأمه ( علي كرم الله وجهه ).لعن (عثمان) مقهورا ومنهزما قائلا أباد الله وقاتل وأفنى كل من تسبب في كل ذلك . (عثمان) الرجل الهادي الرزين الذي لا يلفظ فهو صامت صابر دوماً الرجل الحائز على أعلى ما يمكن بلوغه من عِلم وشِهادات السَخي الجَواد السَاعي المُتحرك دوماً نحو كل شئ يَسعد أسرته وأهله ويَكفيه أنه تَنازل عن ورِثته من أبيه لزوجة أبيه وأخوته من أبيه إخوته القُصر . في سابقه يُحكى عنها وتُرَدد . الرجل الذي دوماً في حالة صون لكرامته مرتفعاً بها يعز نفسه ووطنه بوعي وفهم ونُكران ذآت .دائماً مُحتسب ومُتوكل على الله ، لكن قَرصة (البعوضة) تلك و التي أودت بحياة (سمر) أخرجته عن طوره .(سمر) الأغنية الباسمة الضاحكة التي فارقت وجعلته يتأمل ما يحدث وماحوله ، هو لم يتجاهل ذلك من قبل ولكنه كان محتسباً عسى ولعل ولكن الأمر زاد عن حَده واستفحل . هو يُعتبر من (المُروقين ) على رأي العامه ولكن أي روُقه وأي استكانة لا أحد يَنعم حوله بذلك .
تأمل شارعه وجيرانه فقطع عمل الشيطان وإحداثه وما يفعل في النفوس استغفر الله ولكن لا مفر . هذا جاره علي اليمين منه رحمة الله عليه ، قضى عمره أو أكثر من نصفه مغترباً عاد بعد أن أفنى جُهده في بِناء عِمارة لم يُكمل تشطيبها ومات .والآن أولاده جنح بهم الزمن يَقومون ويَتعسرون أحدهم مُعوق . ماذا سيحدث لهم لاحقاً لأ أحد يعلم ولا أحد يستطيع أن يسأل , فقد مات وتركهم لزمن مُعوج و دولة لا تَرعى احد. أهو سعيد يا ترى بما حدث وما سوف يحدث؟ استغفر (عثمان) الله فالعلم عنده. جاره علي اليسار منه من (ناس الحكومة) كما يقال يُمارس الحياة بًشغف و (تَجِدع ) هو وأسرته ويقال أنه حرامي و يبدو أنه ( مُرتاح ) علي رأي العامة أيضا .حتى لو كان حرامي هل هو سعيد ؟ و أي سعادة ؟ . هل يفوت عليه ما ينتظره؟ سرح (عثمان) مجدداً إلى الأمام في شَارعه إلي اليمين قليلاً منه إلى البيت الملاصق لِجاره هذا لديه بيوت عدة يَقطن إحداهما ويقوم بتأجير الباقين و لديه ولد يُعاني من (نَفسيات) كما يُقال ، هيأ له ما هيأ ولكن لم يُوفق وقد بذل جهداً في إعادة أدرجه في المجتمع . احدي دوره مجاورة للجار السابق سكنت أحدهما في نصف بيته ذلك مُستأجرة زوجها مُغترب، يوماً وهم ذاهبون إلى أهلهم في قرية ما حدث لهم حادث سيارة أودى بحياة اثنين من أولادهم لم تمض سنين تُعد حتي تزوج زوجها عليها، تزوج بنت خالته . يقال أن زوجته (بشرت) أو هزت فيهما دليل الفرح والسرور، هزت فيهما يوم العرس والله كاذبه فحتماً في داخل نفسها قد تتوق إلى حمل سلاح ذو طلق ناري من العيار الثقيل السريع تفرغه في وجهيهما فكيد النساء معلوم . إذاً لا سعادة تلوح في أفقهم. البيت الذي يليهم لم يعيش الرجل يوماً ليرى داره التي شيدها بجهد غربته وقد فقد أكبر أبناءه اثناءها و قبل موته هو و قد كان الصبي صائما مات مع الإفطار وهو يتوضأ و يتأهب لصلاة المغرب . مازال (عثمان ) يستعرض حياة جيرانه عله يستثني منهم سعيداً واحداً . ما يليهم من بيت عاد صاحبه من عمر غربته الطويلة التي أنهكته وجهدها قد بذله في إنشاء دار لم تكتمل لأن (المقاول) استولى على ماله ولن تكتمل لأن أبناءه عاطلين عن أي عمل وزوجته فارغة العقل واللسان وتلك آفة يُبتلى بها العبد إضافة لما فيه فهو مفجوع في ابنه البِكر بعلة فقدان العقل للأسف قرب تخرجه . أي سعادة وحَياة تلك سُبحان الله لم يَستطيع (عثمان) أن يُواصل استعراض حَياة جِيرانه أو البيوت الممتدة بِجواره بِيمينه ويِساره و إلى الأمام منه أو المتقابلين معه وهم يشكلون التعس في أقسى صوره وأشكاله . توقف خشية أن تنتابه جلطه أو ذبحه تؤدي به ولن يَستطيع أحداً أن يسأل كيف مات وبماذا كان يفكر قبل موته ؟ لذا توقف بل كف تماماً رعباً فأي شيء حوله بل الجميع حوله بل من يقطن القُطر كله يكابدون دون ملل من الكبد ودون ترآخي. هذا هو فقط شارعهم فكيف بمن وما تبقى ؟ شارعهم في حي يُسمى (المغتربين) وهؤلاء شريحة واحدة من تلك العينة . لماذا كل هذا ؟ ربما لعلة أو ربما عقاب لهم ( لطلوعهم ) والجميع حولهم يعانون ولا يستطيعون ذلك . تعجب (عثمان) من أن الجميع حوله ومع كل ذلك يتفانون في بذل الجهد في حياة لا طائل من إسعادها لهم ولا تكترث بهم ماضيه في إتعاسهم وإرهاقهم وهم أو أغلبهم يتفانون في عند وإصرار معها يتفانى أغلبهم باي ما تيسر أو لم يتيسر حتى لو كان استيلاء على حق غيرهم أو الكيد لهم أو رياءهم والغش والمكر والدهاء وممارسة أمور الدنيا الفانية وهم يعلمون أنهم إلى زوال ويعلمون أنهم لا يحملون ما كنزوا حتى لو كان زهيداً او باهظاً و هم يعلمون أن ما كنزوا إذا تركوه لا يتركونه الا للصراع بين الورثة والخلاف وأنهم يجرون وراء دنيا نعتها خالقها بأنها لا تسوى جناح بعوضه، فهم حادبون على التمسك بها والصراع من أجلها وجلهم ناسيين اومتناسين جنة تنتظر من يريدها. تأمل (عثمان ) ومازال في جلسته تلك وهو لم يزل يفز ويكابد البعوض الذي أنساه النسمة الضنينه التي أجلسته في حديقة بيته فهو لم يعد يتذكر متى جلس فيها آخر مرة . تأمل أيضا ركض النساء من جيرانه بمعدل أسرع وأشفق من الرجال لتعويض نقص لا ولن يُعوض فالزمان يُسرع والعمر يَجري ولا بَادرة لعوض . يَجدون من أجل مَغنم قد يَكن تافهاً لا يسوى ويَجدون لإثراء ادواراً لن ينالوها دون فُرص متاحه لهن . ركض منهن شاق و مضني لإتاحة شئ من العيش الهنئ . وسماحة لواقع بَشع أليم على أمل ولكنها (سماحة جمل الطين). تغرز البعوضة أسنتها مجددا في جسد (عثمان) ويفز واقفا وينتفض وتتردى روحه ويشطاط غضبا وقهرا وعجزاً فتنبه إلى التساؤل ما الذي أجلسه هنا ؟

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال