
عام ينحر ويمشي بقوة على أجساد النساء السودانيات
سمية المطبعجي
يأتي الثامن من مارس (يوماً أسود) على نساء السودان في ثاني ذكرى لليوم العالمي للمرأة، بعد حرب أبريل 2023 المستمرة المتفاقمة تداعياتها. قتل وإغتصاب، سخرة، أن أكون في غ6 في ختطاف وإخفاء قسري، استعباد جنسي، الاسترقاق والبيع في أسواق النخاسة على رؤوس الأشهاد، ظواهر هامت بسببها معظم نساء السودان بين نازحة ولاجئة لتواجه مظهر آخر من المعاناة. تقارير الأمم المتحدة أكدت أن 7 ملايين إمرأة في السودان عرضة للعنف والانتهاكات. ” ملف العنف الجنسي والإغتصاب والإنتهاكات تتراجع عنده كل الأجندة أمام الإحتفاء باليوم العالمي للمرأة .. ظاهرة مؤلمة ومخيفة، ضربت بعنف عمق النسيج الاجتماعي وهزت وجدان الشعب السوداني والمرأة السودانية ووصلت بها حد الإنتحار ..الوضع حقيقة مأساوي “. هذا ما قالته ل(مداميك) الباحثة والناشطة الحقوقية في مجال قضايا المرأة والتنمية نعمات كوكو. الناشطة الحقوقية في مجال قضايا المرأة صباح آدم قالت ل(مداميك) في ذكرى يوم المرأة : ” .. يأتي الثامن من مارس ووضع النساء السودانيات من أسوأ الأوضاع التي مرت عليهن .. والانتهاكات حدثت وتحدث في كل أنحاء السودان وفي كل مناطق النزوح واللجؤ .. الدعم السريع قام بانتهاكات جسيمة ومارس أسوأ أنواع العنف فحقاً كانت كما يطلق عليها (حرب على أجساد النساء) .. “.
وكما قالت الباحثة نعمات كوكو إن تماسك النسيج الاجتماعي يستمد قوته من نسيج النساء من حيث دورهن الاجتماعي والاقتصادي والأسري خاصة في ظل الفقر الذي أخرجهن من عقر ديارهن إلى الشارع العام ضمن القطاع غير المنظم . ورغم ذلك الدور الحيوي إلا أنهن كن الأكثر تعرضاً للإنتهاكات . كوكو أوردت أسباب ذلك : ” هذه الحرب كانت مدمرة وكارثية على الوضع العام والنساء خاصة وتقارير الأمم المتحدة تتحدث عن أرقام مخيفة، فنحو 7 ملايين امرأة معرضة للعنف والإنتهاكات .. أولاً المرأة أضعف حلقة في المجتمع بكل مقاييس حقوق الإنسان وفي الخريطة الاجتماعية من حيث السكن ، التعليم، حق العمل والخدمات الأساسية، بما يؤكد أن النساء لم ينلن حظوظاً .. والخريطة الاجتماعية تظهر فرقاً كبيراً بين النساء في الريف والمدن ، وحتى داخل المدن الفرق يبدو شاسعا بين المدن وأطرافها كهوامش تجتمع فيها المرأة السودانية ، وبالتالي كانت الحلقة الأضعف معرضة لكافة الإنتهاكات .. ثانياً الثقافة عند مليشيا الدعم السريع تستند إلى فكرة أن إغتصاب النساء كإغتصاب لشرف القبيلة منذ حرب دارفور في 2003 ، واستمر ذلك في الخرطوم والجزيرة وكل المناطق التي دخلوها، بهدف هز المجتمع نفسه في قيمه وأخلاقه والنسيج الاجتماعي والثقافي ، والنساء جزء من التركيبة الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع السوداني خاصة تلك المجتمعات المحافظة .. ” . وتوضح الباحثة نعمات كوكو المزيد عن خريطة الانتهاكات : ” .. حتى الانتهاكات كانت (خشم بيوت) فهنالك انتهاكات نهب منازل وعربات وممتلكات المواطنين ، وهذه المجموعة في بداية الحرب وأول سماع لصوت القصف والدانات فرت خارج البلاد ، وتبقى من لم يتمكنوا من الخروج عرضة للاغتصاب أمام ذويهم والاختطاف والاختفاء القسري وغيره “. وتضيف ” .. وفي هذا الملف تصبح القدرة على التوثيق تحدياً في غياب الإحصاءات والأرقام عن من تم إغتصابهن، وأسرهن ، وممارسة الجنس مقابل الطعام في مناطق الجيش، للوصول به أمام المحاكم .. فضلاً عن الصمت للوصمة الاجتماعية .. فتلك تحديات لأسوأ كارثة إنسانية في المنطقة ..” .
” الحجم الهائل للعنف الجنسي الذي وثقناه مزهل ” . هذا ما ذكره محمد شاندي رئيس فريق بعثة تقصي الحقائق التابع للأمم المتحدة ، وأكد تقرير البعثة وجود انتهاكات وعنف جنسي وعمليات اغتصاب جماعي واستعباد جنسي واختطاف للضحايا من مناطق سيطرة الدعم السريع على نطاق واسع وبعدة أنماط متمثلة في الزواج القسري – الإتجار بالبشر عبر الحدود لأغراض جنسية أثناء الهجوم على البلدات والمدن ، ووجود اعتداءات جنسية تمت على أساس العرق والنوع الاجتماعي في كل من الخرطوم والجزيرة ودارفور .. وذكر الضحايا أن الجناة هددوهم بالأسلحة النارية والسكاكين والسياط لترهيبهم وإكراههم ، كما تعرضوا للضرب بالعصي واللكم قبل وأثناء الإغتصاب .. ” . ورغم أن التقرير وثق عددا أقل من حالات العنف الجنسي التي ارتكبها الجيش السوداني إلا أن شاندي ذكر : ” .. تجديد التفويض سيسمح للفريق بالتحقيق في مزاعم (ذات مصداقية) للاستغلال الجنسي من قبل القوات المسلحة السودانية ..” . كما ذكر تقرير آخر للأمم المتحدة أن النساء في السودان من اللاتي تعرضن لعنف جنسي معظمهن لم يتمكن من الحصول على الرعاية الطبية . وأفاد تقرير ل( المركز الافريقي لدراسات العدالة والسلام) ببيع فتيات لأحد أصحاب المناجم وفي (خور جهنم) بدارفور ، وبلغ عدد تلك الفتيات 16 فتاة بينهن 5 قاصرات تم خطفهن من قبل قوات الدعم السريع من الخرطوم وتم بيعهن في (خور جهنم) التي عرفت بعد الحرب باسترقاق النساء والاستعباد الجنسي للمختطفات .
مثلن (الحلقة الأضعف) في مجتمعاتهن واستخدمن كأدوات إذلال وعانين من أقسى الإنتهاكات المتنوعة ، ومع ذلك نجدهن الأقوى على الساحة عوناً واتخاذاً للقرارات . الناشطة النسوية صباح آدم رئيسة (مركز الألق للخدمات الصحفية)، الذي أجرى دراسة وسط اللاجئات السودانيات بمصر ، تحدثنا عن ذلك الجانب : ” أغلب القرارات التي اتخذت لمغادرة المنزل بعد الحرب كانت من النساء ، حماية لأسرهن وخوفاً على أبنائهن من الإعتداءات ، فالكثير من الرجال فضلوا البقاء لأسباب أن ليس لديهم عمل أو لحراسة المنازل أو لأن لا جدوى من الخروج والمخاطرة ، فرغم ما واجهنه من أعباء ومسؤوليات فاقت طاقتهن ، وهذا ما لمسناه من عيشهن في ظروف قاسية امام غياب فرص العمل فاضطررن للعمل في المزارع والخدمة في المنازل وواجهن عبئا جسدي ومادي ونفسي وذهني .. ” . وتقول نعمات كوكو في هذا الجانب : ” .. قرار النزوح واللجؤ في الغالب قرار اتخذته النساء لتحملهن مسؤولية الأسر والحفاظ على حياة أفرادها .. وهذه بمثابة رسالة بأن لهن القدرة على التماسك واتخاذ القرار كأصعب إختبار لإتخاذ القرار في ظل وضع كارثي وغير متوقع .. ” .

نقطة مضيئة أخرى في موقف النساء السودانيات أضافتها الباحثتان مبينات الإيجابية في ردود فعل النساء تجاه المجتمعات رغم ما عانينه، تقول نعمات : ” .. النساء في مراكز النزوح واللجؤ أظهرن قدرة على إدارة تلك المراكز بمسؤولية .. وهذا الدور الاجتماعي يتزايد بصورة كبيرة غير من مفاهيمها وثقتها في مقدرتها في التعامل مع الواقع بصورة اكثر واقعية .. وفيهن عدد كبير من الشابات لجأن دون أزواجهن بعد اتخاذ القرار وقاموا بتحمل مسؤولياتهن ” . صباح قالت في هذا الصدد : ” .. رغم ظلروف الحرب والمعاناة ، إلا أن الكثير من النساء انخرطن في العمل الطوعي في مناطق النازحين واللاجئين لتخفيف المعاناة من خلال مبادرات تقديم الدعم المادي والعيني والنفسي رغم ما يتعرضن له من مخاطر من قبل طرفي النزاع بمنعهن من الدخول الى داخل دور الإيواء إلا بإذن .. ومع ذلك قدمن مساعدات وقمن بجمع التبرعات والعمل ضمن غرف الطوارئ والمطابخ وقمن بمجهودات كبيرة على نطاق العمل الشعبي المنظم .. ” . وأضافت : ” ذلك دليل على أن النساء لديهن حس إنساني عالي يمكنهن من الإنخراط في العمل الإنساني ويكن جزء أساسي في اتفاقيات ومباحثات السلام لأنهن أدرى باحتياجات الناس .. ” .
خلصت دراسة قام بها (مركز الألق للخدمات الصحفية) أجريت منتصف العام 2024 ، شملت 300 من اللاجئات السودانيات بمصر أعمارهن بين (18-65 ) عاما، بأن نسبة النساء المتزوجات مثلت 67% ، العاذبات 13% ، والمطلقات والارامل 10% و9% على التوالي . وبنسبة 32% كان الزوجات هن من اتخذن قرار السفر ، 19% كان قرار الزوج . و18% فقط من النساء يحصلن على مساعدات من منظمات دولية .
ما كانت قد إنتهت به صباح وابرزته نعمات بشأن قدرة النساء على اتخاذ القرارات الصعبة والمشاركة والتمثيل في التفاوض والمباحثات، يجعلنا نتساءل، هل النساء يحظين بقدر كاف من التمثيل في ما يجري من مباحثات الشأن السوداني التي تجري الآن ؟ وكان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قد اصدر القرار1325 لعام 2000 بشأن المرأة والسلام والأمن، وهو القرار الأول الذي يعترف بدور المرأة القيادي في تحقيق السلام والأمن الدوليين وإسهاماتها في منع النزاعات وحلها و بناء وحفظ السلام كالتزام سياسي غير قابل للتفاوض تأكيداً لمشاركة المرأة الكاملة والهادفة والمتساوية مع الرجل في عمليات السلام والحلول السياسية .
نعمات اكدت على ضرورة المشاركة وليس التمثيل مبينة أن التمثيل قد تم في كل المنابر التي تتحدث عن التمثيل، طارحة تساؤلات فهل كانت تلك المشاركة حقيقية فاعلة في قضايا التنمية والمساواة ، وهل استطاع ذلك التمثيل طرح قضايا النساء وهمومهن بأن تصبح أولويات أي بيان او منفستو في المنابر ؟ وقالت ” ملف الانتهاكات والعنف القائم على النوع الاجتماعي اذا لم يكن أولوية هذه المنابر بمشاركة النساء فلا قيمة ولا معنى له .. فالنساء وضعن اجندتهن المشتركة بصورة واضحة ولكن ظل وصولها لتلك المنابر التي تدعو لوقف الحرب وبناء السلام هو المشكلة … فالاختيار لمشاركة النساء لم يتم بشكل ديمقراطي ، بل خضع لإختيار أسماء وشخصيات محددة على أساس الإنتماء لهذا المنبر أو ذاك وعلاقة المنبر بهذا الحزب أو ذاك وأحيانا يتم تحت تأثير البرامج السياسي والمؤسسة الأبوية التي لا زالت تسيطر على التفكير كثقافة وخطوات سياسية لها علاقة بوضع السياسات واتخاذ القرارات وبالتالي وجودها لم يتم عبر إختيار ديمقراطي، فالمشاركة لم تكن فعالة وقوية، وبعيدة من أصحاب المصلحة والقضية الحقيقيين .. ” .

صباح قالت : ” .. رغم ما يقمن به النساء فإن مشاركتهن في التفاوض للسلام وغيره ضئيلة جداً … حالياً النساء يقفن موقفاً قويا بضرورة مشاركتهن كحق في كل عمليات السلام وكانت هناك ضغوط من منظمات دولية عبر مبادرات ومنظمات نسوية رفعت مذكرات قبل وبعد الحرب خاطبن بأن يكن جزء من من أي تحرك لاتفاق سلام .. السودان غير ملتزم بالقرار 1325 والمشاركة غير كافية بالقدر المطلوب فمالم يشاركن في مفاوضات السلام فلن يتحقق لتستمر حياتهن ضحايا للحرب ” .
وتظل المرأة السودانية في قلب المعاناة، لتستمر في مواجهة أبشع الانتهاكات المتزايدة يوما بعد آخر مادامت الحرب مستمرة. ورغم المآسي، تظل تثبت بأفعالها أنها ليست مجرد ضحية، بل قوة صامدة متحملة لمسؤوليات جسام في مسعى دؤوب لتحقيق سلام وعدالة تكون هي صانعته عن جدارة تستحق فيها وضع بصمتها لرسم مستقبل لسودان آمن تكون قضايا النساء فيه أولوية، لا مجرد بند هامشي في الأجندات السياسية .

