‫الرئيسية‬ مقالات هل كنا كما الجسد الواحد؟
مقالات - 13 نوفمبر 2024, 11:42

هل كنا كما الجسد الواحد؟

محمد حيدر المشرف

قال الذي أوتي مجامع الكلم, خاتم الأنبياء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم :
“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”

نشانا بتصورات نموذجية حول الشخصية السودانية, فالسوداني هو ذلك الشهم, الكريم, نجدة الملهوف, عشا الضيفان, مدرج العاطلات, جبل الضرى, قشاش الدموع, دخري الحوبه, مقنع الكاشفات. وعشرات بل مئات التوصيفات التي اشتملتها العامية السودانية في تمجيد معاني النخوة والكرم والايثار عند الشخصية السودانية. بناء لغوي كامل قائم على مرتكزات ثقافية وإجتماعية وسلوكية تناقلته ألسنة السودانيين واختزنوه في عقلهم الجمعي وتنقل بين اجيالهم كجينات وجدانية وسلوكية مائزة وبمثابة مصدر فخر وإعتزاز محمول في ارواحنا من المهد للحد. او هكذا كنا نظن..!!
ثم كان ما كان من أمر التحولات الاقتصادية و الثقافية والسلوكية الكبرى التي حدثت ابان حكم الاسلاميين وما صاحبها من تفشي الكثير من المعاني السافلة في المجتمع. وتغيرت ركائز المجد والعِزًة من ركائز معنوية وقيمية الى مظاهر مادية يحيطها التكالب على المال والسلطة والشهوات والتدافع لانتزاع المجد الشخصي بالسرقة والغش والفساد ومن ثم العمل على اعادة ضبط شفرة الاخلاق والقيم كي تتسع لقبول ذلك بل واعتباره اجتهادا شخصيا (شطارة) عند العموم. أو تمكينا لقيم ومباديء الدين الحنيف في الارض عبر تمكين الاسلاميين من السلطة والثورة وكأن هذا الوطن ومقدرات اهله المساكين فيئا قد افاءه الله عليهم بصورة حصرية ذات (إنقلاب) كي يقيموا للدين مجده المستحق كما يكذبون.
وسلسال الفساد واحد, وخبيث, ومعدي. يجري في الناس إذ يجرى دونما حدود فاصلة. فعندما يتكالب الناس على القيم المادية تخفت فيهم القيم المعنوية, وذلك على المستوى التاسيسي للشخصية من خلال تفشي السمات السالبة كاسرع ما يكون في المجتمع ومن ثم تبدأ دورة مجايلة جديدة لتوريث المعاني الجديدة وسيادتها مقابل انتحاء السمات الخيرة للخروج بأجيال جديدة بضوابط اخلاقية مائعة ومظاهر سلوكية سالبة بعيدة عن ضبط المصنع السوداني القويم.
هذه التحولات الكبيرة ابان حكم الانقاذ ساهمت فيها ظواهر اخرى كالعولمة و ثورة الاتصالات والانترنت ومواقع التواصل الالكتروني وتراجع مؤسسة الاسرة تحت وطأة الضغوط الاقتصادية وتراجع المحتوى التعليمي والتربوى في مؤسسات التعليم المختلفة , بالاضافة لكافة مظاهر الانحطاط التي لا تكاد تخطئها العين اينما قلب المرء وجهه بين تفاصيل ذلك الوطن الحزين
ثم تعرضنا للتجربة الكبرى, حرب 15 ابريل, بكل معانيها السافلة ومقدماتها البائسة ومآلاتها الكارثية التي نعيشها الآن ونخاف تفاقمها المتسارع نحو الهلاك الوطني التام. واذكر في المقام مقولة السيد المسيح عليه السلام (“وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ”). وكانت حرب 15 أبريل التجربة التي ادخلتنا اليها قوى الشر في السودان وبمثابة مخاض كارثي لكل مظاهر الانحطاط الانقاذي بدولته العميقة وبادوات القتل والدمار التي احتكرتها واستحوذت عليها بمقدرات وإمكانات هذا الوطن وضد الوطن. وباموال الشعب الشعب السوداني ضد الشعب السوداني, وذلك بدون ادنى وازع وطني أو أخلاقي .. لتعملها فينا قتلا وحرقا وتشريدا واحترابا و كوارث انسانية ماحقة.
في السياق المسيحي لمقولة “وَلَا تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ” أن الله عز وجل لا يٌجرِب الإنسان بالشر وانما هو الشيطان من يدخل الانسان في التجارب التي تمتحن إيمانه وأخلاقه وقيمه ومبادئة. دخل الشعب السودان للتجربة عبر شيطان الإنقاذ وعسكره ومؤتمره الوطني وجنجويده , وإمتُحِن بها الشعب السوداني.. وكم كان السقوط مدوياً!!
شهدنا خلال هذه الحرب الذي لم نكن نتصور اقل القليل منه, شهدنا السرقة و النهب الواضح تحت شمس الظهيرة وامام كاميرات التصوير, سرق الجار جاره ونهب سكان الأحياء بعضهم بعضا, كما نهبوا الأحياء البعيدة عنهم حتى شيدت الاسواق لتجارة المسروقات..
شهدنا اقصى مظاهر الإستغلال البشع للذين هُجُروا بظلمٍ عن ديارهم وتم إحتلال بيوتهم من قبل الجنجويد. فلم يجدوا أمامهم الا اللجوء والنزوح. ليقع الذين نزحوا في ايدي اخوانهم التي لم ترحمهم فتيلا. بل مارست ابشع مظاهر الاستغلال, لاسيما في ايجار البيوت التي لا تكاد تقيم عودها من التهالك وبمبالغ خرافية بمعنى الكلمة. هذا ولم يسلم اللاجئون في دول اللجوء من استغلال بني جلدتهم باكثر من الغرباء في احيان كثيرة.
ما يحدث جراء الحرب في ذلك الوطن الحزين لهو اكبر بكثير من دمار البنية التحتية للمواطن والوطن, اكبر من القتل والتشريد والنهب والفوضى.. ما يحدث يتجاوز كل ذلك نحو تدمير البنية الفوقية للشخصية السودانية وضرب كامل المنظومة القيمية والاخلاقية وتخريب الوجدان السوداني وتمزيق النسيج الاجتماعي وصناعة الشروخ العميقة في ارواحنا كسودانيين ازاء بعضنا البعض.
ونعم هناك بالمقابل صورة مغايرة ناصعة الجمال وباهرة في معانيها وملهمة على المستوى الإنساني, الا أن مظاهر القبح طاغية ومعاناة النازحين واللاجئين هلى الأظهر والاكثر اثرا وسوءا وهم يكابدون الأمرين من إستغلال السوداني لأخيه السوداني وفي عز محنته.
طوبى لكل الذين تعرضوا لتجربة حرب 15 أبريل وحافظوا على نصاعتهم الوجدانية و وضاءتهم القيمية و تمسكوا بسراط سودانويتهم المستقيمِ دون سوء . قدموا ومازالوا يقدموا الكثير في جمال إنساني نادر و وضيء .. أهل التكايات الساعين بين المنكوبين بالمساعده وتقديم يد العون وتوفير الملاجيء. اهل المروءة والشهامة المنتشرين بين النازحين بالرحمة والكرم والنجدة والايثار.
طوبى للقابضين على جمر الانسنة والجمال في دول الاغتراب والهجرة, والذين ما بخلوا بالذي يملكون و لا يملكون, يكابدون مع اهلهم وكانهم في قلب الاحداث. وهؤلاء كثيرون, لا شك في ذلك, وهؤلاء هم في مقدمة المقاتلين في هذه الحرب والمدافعين عن شخصية السوداني التي في البال الجميل.
ثم بؤسا لهذا الانتهاز السوداني الرجيم.. لا تصلحون الا وقودا للجحيم, وانتم للجحيم فعلا, للتعفن والانحلال والانمساخ إلى منتج جانبي لهذه الحرب التي لن ينجو منها احد. منتج لهذه الحرب لا يقل سوءا عن التدوين والقصف والفوضى المسلحة والتمايزات القبلية و الاثنية والجهوية والقوانين المشبوهة والأكاذيب العريضة والخطاب التحشيدي وطفابيع الاعلام المعاصر البذيء والمرابين وسماسرة الحرب الذين “استباحوا هذه الارض الحلوب”

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال