
أما آن لتقدم أن تنسحب من إعلان المبادئ مع الدعم السريع؟!
محمد حيدر المشرف
كتابة هذا المقال بمثابة المشي فوق حقل الغام, فتوقيع تقدم على إعلان المبادئ في أديس أثار الكثير من النقد الكثيف لهذه الخطوة كما وتم الاستناد على هذا الإعلان كمنصة تدليس على مواقف تقدم بواسطة حزب الحرب الانقاذي وخطابه التحشيدي التضليلي الكذوب بغاية نشر الوعي الزائف بين السودانيين وتكريس سردية مُختلقة لهذه الحرب ترتبط باهداف هذه الحرب الرئيسية المتعلقة بالغاء مرجعية ثورة ديسمبر وانهاء حاكميتها على الواقع السياسي والاجتماعي والسياسي في السودان عبر شيطنة وابلسة الثورة بكل تياراتها بأبلسة قوى الحرية والتغير بخلفية كونها الفاعل السياسي الرئيسي لثورة ديسمبر (ليس ذلك انتقاص من قوى التغيير الجذري).
و دون الخوض في تفاصيل التصور النظري العام لموقف الحرية والتغيير (ثم تقدم لاحقا) من هذه الحرب عبر موقف (لا للحرب) كموقف وطني وأخلاقي قويم بذاته وقادر رؤيويا وفكريا وسياسيا على انتشال الوطن من أوحال الواقع الكارثي الذي ما فتئ يغوص فيه رويدا رويدا حتى شارف الآن على الهلاك التام بموجب تغير طبيعة الحرب ضمن سنن سيرورتها الطبيعية وتمرحلها لحرب اهلية وفوضى مسلحة شاملة نحن الآن على أعتابها.
عبر هذا التصور العام وقعت تقدم اعلان المباديء مع الدعم السريع في اديس ابابا .. وهو إعلان مفسر في سياق الرؤية الوطنية العامة ومفصح عنه بواسطة البنود التي اشتملها .. رؤية عامة تقضي بان تتوجه تقدم لطرفي النزاع (آنذاك) وتساهم وتسهل وصولهما لحلول سلمية عبر التفاوض و تنهي هذه الحرب و تستأنف مسيرة التحول المدني الديمقراطي. تلك هي الفلسفة الكامنة وراء الخط السياسي لتقدم ازاء اعلان المباديء المذكور. وتم التعبير عن ذلك من خلال بنود تعمل بطبيعة مزدوجة نحو انهاء الحرب وحماية المدنيين داخل المجال الحيوي الاجتماعي للحرب بحجم انتهاكاته ومآسيه التي يرزح فيها المواطن السوداني آنذاك والتي ستتفاقم بصورة حتمية ومتسارعة مع تقادم هذه الحرب.
بأعلاه يكون توقيع اعلان المباديء في أديس أباب يتسق تماما مع الرؤية الوطنية العامة لتقدم ونحو ايقاف هذه الحرب الكارثية. كما يشتغل على الإلحاح الأخلاقي والوطني لحماية المدنيين خلال هذه الحرب العبثية (عبثية من خلال المنظور الوطني لا منظور أطرافها اللعينة). ولقد تم التعبير عن هذا الالحاح الاخلاقي والوطني عبر بنود حمائية كثيرة كثيرة اشتملها الإعلان كفتح الممرات الانسانية و ايصال المساعدات وتهيئة الاجواء لعودة اللاجئين والنازحين وتشكيل لجنة وطنية عليا لحماية المدنيين وغيرها. وبحيث يمكن القول بمنتهى الدقة أن مسألة حماية المدنيين (حماية أهلنا في جميع انحاء السودان) بمثابة الروح في جسد هذا الإعلان حول المباديء.
* الروح التي ازهقتها تماما الآن مجازر الدعم السريع في شرق الجزيرة*
لقد وضح تماما عدم التزام الدعم السريع بذلك الاطار العام الحمائي بارتكابه المجازر تلو الاخرى في ولاية الجزيرة و هي الى حد بعيد تحت سيطرته التامة .. مجازر لا يمكن ابدا تبريرها بخلفية الاستنفار الذي يخادع به حزب الحرب انسان الجزيرة النبيل والبسيط ثم يقدمه بمنتهى السهولة ضحية للتهلكة. هكذا بمنتهى السهولة و بلا مبالاة لا أخلاقية ولا وطنية غير مسبوقة وتشكل وصمة عار تأريخي للجيش السوداني.
هؤلاء مواطنين يتم التضحية بهم اولا ثم تتم السمسرة في مآسيهم الانسانية العظيمة, مواطنين بسطاء يمدونهم بأسلحة بسيطة و ويخدعوهم باقامة دورات قتالية على شاكلة تعلم الانجليزية في اسبوع. ثم يُتركوا لمواجهة مصائرهم أمام قوات الدعم السريع والتي بدورها تفتقر لادنى معايير المهنية والعسكرية في مواجهة هذه القوات البسيطة.
لا توجد ادنى مقارنة بين الالة العسكرية للدعم السريع ومستوى ونوعية تسليح المواطنين. وكان بالإمكان السيطرة على حركة الاستنفار في المقام الأول دون التورط في مجازر بشرية راح ضحيتها المئات (في فد يوم). وكانت قوات الدعم السريع قادرة على الحسم العسكري التام باقل قدر من الخسائر. ولكن العكس تماما ما حدث اذ اطلق الدعم السريع يد البطش والتنكيل والقتل بلا ادنى رادع اخلاقي او واطني او حتى سياسي. لم يكتفي الدعم السريع بهزيمة هذه القوات البسيطة وانما مضى بشهوة انتقامية مفتوحة لتلقين هذه القرى درسا في الوحشية والتشفي والمطاردة لمن رموا بسلاحهم واحتموا داخل البيوت وبالتالي اصبحوا محميين بواسطة القانون من أن يقتلوا وتتم عمليات صيدهم و تصفيتهم .. هذه لوحدها جريمة حرب كاملة الاركان ناهيك عن اخذ الابرياء بجريرة الذين واجهوا الدعم السريع مدافعين عن ارضهم وعرضهم.
هذه المجازر البشرية غير المبررة كفيلة تماما بانسحاب تقدم من اعلان المباديء الموقع باديس ابابا.. وهذا هو الموقف الصحيح اليوم كما كان التوقيع هو الموقف الصحيح بالأمس. لقد وئد الدعم السريع بهذه المجازر روح الاعلان بصورة تامة. كما وئد مسبقا الرؤية الوطنية العامة لايقاف الحرب عبر التفاوض والحلول السلمية و باعلان واضح وصريح لمحمد حمدان دقلو بوقف التفاوض.
فماذا تبقى يا تقدم؟
الانسحاب من هذا الاعلان الآن هو الموقف الوطني والاخلاقي الصحيح الآن .. وهو كذلك الموقف السياسي الصحيح ولاسيما أن غالب الأمر يمضي نحو اعادة تشكيل جبهة مدنية أكثر إتساعا الآن كضرورة من ضرورات الواقع و وصول تقدم لأقصى فاعليتها (القليلة أصلا في واقع الحرب) بدون ادنى نتائج في الواقع مع خط تنازلي لحجم عمقها. ادعو تقدم لاتخاذ هذه الخطوة بالانسحاب من الاعلان في سبيل ابقاء هذا الكيان على السراط الوطني المستقيم وتمهيدا لاعاد التشكل في الواقع الوطني عبر جبهة مدنية اكثر اتساعا واكثر استيعابا لكل السودانيين الذين يمتلكون الوعي القويم ويحملون هذا الوطن الحزين في حدقات العيون
التعليقات مغلقة.


هذه قرأة سليمة و خلاصة جوهرية، إذا استجابة لها تقدم لسوف تتقدم خطوة الى الامام ، و تزيح عن كاهلها الاتهام الظالم بأنها الحاضن السياسي للجنجويد ، و إذا تنكبت الطريق المستقيم فإن شيطنتها و التربص بها سوف لا فكاك منه ، حينها قد يتبين لهم انك قد نصحتهم و لم يتبينوا النصح .