
تداعيات يحيى فضل الله (حاسة لمس)
يحيى فضل الله
قطة بيضاء، لا ليست بيضاء تماما، هناك بقع سوداء على فروها الناعم، الأبيض فى كل مكان، محاصر أنا بالأبيض، تلال من الجليد متناثرة هنا وهناك، بيضاء عتبات البيوت وسقوفها، حتي الأشجار فقدت سطوتها الخضراء وثقلت أغصانها بالجليد، ليست كل الأشجار لان منها من يبس وتعري من خضرته وحدها شجرة عيد الميلاد من جادلت بخضرتها الدائمة هذا البياض الحتمى فمالت فروعها بثقل الجليد، كأنها تستعد لممارسة قداستها بتحمل هذا العبء،( أتاوا )، مدينة تعرف كيف تشهر كرنفالها الأبيض الشتاء.
قطة جارتنا التى تجلس باسترخاء على عتبة البيت حينما ينتصف الليل، منتصفه تماما، جارتنا، لا أراها أبدا إلا فى سياق هذا الزمن، منتصف الليل، أو بعده بقليل، يبدو لى ذلك لأنها تعمل فى وردية ليلية لا تتيح لها أن تجلس على عتبة بيتها وباسترخاء أليف إلا فى هذا الزمن تحديدا، هى تعمل فى احدى المتاجر الكبرى، عادة ما تجلس على عتبة بيتها فى الصيف ولكن فى هذا الليل الشاتى الأبيض هى الآن تقف على عتبة بيتها وتركت شعرها الأشقر الغزير المصمم بفوضى متعمدة ان يمارس خبرته الحريفة مع برودة الطقس بينما يتولى الباتطوصوفى الأحمر مهام تدفئة جسدها الممشوق، لاحظت انه ممشوق فى الصيف، الصيف فى كندا له سطوته العارية، نزعت جارتى قفازها، قفاز اليد اليمني واحتفظت به على يدها اليسرى التى لم تنزع عنها القفاز، استندت بميلان جميل على درابزين حديدى على جانب من عتبة بيتها وكانت تدخن باسترخاء أليف.
منسحبا من ضجرى، ملأت كاسى بعد أن انتشيت بعذوبة عبد العزيز داؤد الغنائية
( أصلو الغزال فى طبعو
من كل شئ هواب )
كنت انوى الخروج، رغبة كثيفة فى التدخين، حنين عارم يجتاحنى وأنا أتأمل وبتذوق شجى ترانيم عود برعى محمد دفع الله وصوت أبو داؤد يلوم (شادن العمراب).
تركت الباب الخلفى الذى يؤدى إلى الحوش الصغير مواربا وأنا أقف على العتبة ولكنه الحوش كان محتلا بالجليد، الأبيض فى كل مكان، حتى الليل أبيض، بل داكن البياض، منهزما تجاه الأبيض، عبرت الصالة بعد أن أغلقت الباب الخلفى، خرجت أدخن على عتبة الباب الأمامى.
لم أجدها، جارتنا، لكنى وجدتها، القطة، تلك المدللة، تجلس باسترخاء، استرخاء أليف، على عتبة البيت، باب البيت، بيت جارتنا، وحين كنت أحاول تفجير المشهد مستخرجا من فمى صفيرا منغما له من الحنين علائق، صفرت لها، القطة، فجأتنى، ناعمة جاءت، وحين مررت أصابعى على فروها الناعم أحسست بدفقة من الدفء لم تمنحنى إياها كمية الملابس الكثيرة التى أرتديها من أخمص قدمى حتى الرأس، دفقة من دفء كثيف حميم.
فتحت جارتنا بابها، انحنت، غطى شعرها الأشقر وجهها فنفضته إلى الوراء، مسحت على فرو قطتها الناعم بأصابع يدها اليمنى بينما أصابع اليسرى متجهة بالسيجارة إلى فمها، يبدو أنها نست أو تناست أن ترتدى قفازاتها.
صفرت مستدعيا لحن أغنية من (عيونك يا غزالى) لعثمان حسين، هرولت نحوى القطة، انحنيت ومررت أصابعى على فروها الناعم، امتصت جارتنا أنفاس من سيجارتها وحين انعكس ضوء سيارة مقتربة من الفسحة التى أمام البيوت على وجهها عبرت قطتها أصابعى وهرولت نحوها.
صفرت هذه المرة مستدعيا (خضر بشير) تحديدا أغنية (الله فوق زوزو) وكنت قد أطفأت سيجارتى، جاءتنى القطة ومنحتنى ذلك الدفء، جارتى أشعلت سيجارة أخرى، لاحظت ان السيجارة أيضا بيضاء ومن بين لهب الولاعة الرقيق لاحظت أنها نظرت إلى و وجهها يلوح بابتسامة واضحة وصفرت بفمها ما يشبه لدى صفارة الكاوبوى فهرولت نحوها القطة وحين وصلتها مررت أصابعها، أصابع اليسرى هذه المرة، على فروها الناعم.
أشعلت سيجارة أخرى كى ابرر وقفتى على عتبة الباب فى هذا الطقس البارد جدا وصفرت بلحن (الأمانى العذبة) ل(خليل إسماعيل) فجاءتنى القطة ناعمة وأخذت منها ما يكفى من دفء، وصفرت جارتنا بلحن ناعم أيضا فهرولت إليها القطة ومررت عليها أصابعها ومررت إلى ابتسامة أكثر وضوحا هذه المرة.
هكذا، اصفر بفمى، تأتينى القطة، امرر أصابعى على فروها، تصفر جارتى بفمها فتذهب إليها قطتها وتمرر عليها أصابعها. اصفر أنا وتصفر هى والليل الأبيض شاهدا على هذه التفاصيل السرية والقطة تروح وتجئ حاملة لمسات أصابعى إلى جارتى وتعود إلى حاملة لمسات أصابعها فكان أن أشعلنا الكثير من السيجار واشتعل بيننا الكثيف من علائق الدفء.
حدثت جارتنا قطتها بانجليزية مسترخية، أيضا استرخاء أليف، أمرت جارتنا قطتها بالدخول، انسحبت القطة بنعومة عابرة لمسات أصابعى على فروها الناعم، لم تنس جارتنا أن تمنح فرو قطتها ربتة بأصابع سريعة اللمس وتمنت لها ليلة سعيدة بانجليزية مسترخية، لا مفر من انه استرخاء أليف.
القطة فى الداخل وأنا وهى نحاول أن نجادل برودة هذا الخارج، الخارج الأبيض. جليد كثير تساقط بعد أن دخلت جارتنا إلى الداخل، حبات الجليد البيضاء تمتص الضوء قبل سقوطها على الأرض التى تراكم عليها البياض، حركة الحبات البيضاء تغطى فضاء المشهد بتوتر كريستالى ناعم، من بين هذا الغشاء الأبيض لمحت القطة تجلس على النافذة والضوء على فروها الناعم يشف، لا ادري، لماذا خيل لى أن القطة قد أشعلت سيجارتها؟
خيل لى أنها وحيدة، القطة وحيدة وأنها تشتهى ملامسة أصابعى على فروها الناعم.
———–
* من تصوص كتاب (التداعيات) الموسوم ب( كنديات)
قيد التجهيز للطباعة

