‫الرئيسية‬ ثقافة (منمنمات) يحيى فضل الله: الشاعر المغنى احمد الفرجونى نقاء عم عجبنا التراجيدى
ثقافة - 18 أغسطس 2024, 13:23

(منمنمات) يحيى فضل الله: الشاعر المغنى احمد الفرجونى نقاء عم عجبنا التراجيدى

يحيى فضل الله
ــــــــــــــــــــ
( عندي قصة
فيها حصة
فى تصاريف الليالى
تجرح الزول
فوق كبدتو
و تبقى في وردانو
غصة )
فى سياق شعرى بسيط و بانسياب موسيقى ممتع يضع الفرجونى ملامح (عمنا الحاج ود عجبنا) امام المتلقى ، من خلال وصف الفرجونى له ، لا اعنى ملامح الوجه او الشكل عموما ، و لكنها ملامح للقيم التى هى (عمنا الحاج ود عجبنا) ، يتوسل الفرجونى بكلمة (عمنا ) محرضا فى المتلقى حميميته تجاه (الحاج ود عجبنا) ، فهو هنا عمنا كلنا و كما استطاع الشاعر الملحمى حميد ان يحول (عم عبدالرحيم) الى مجموع انسانى عريض حين قال
(عم عبدالله الرحيم
يا كمين بشر)
و هكذا من خلال وصف الفرجونى لملامح (عمنا الحاج ود عجبنا ) يمكن القول انه شخصية تتحرك في الايجاب ، اى انه شخصية ايجابية فى محيطه الاجتماعى
و لم يفعل الفرجونى اكثر من انه حمل شخصية (عمنا الحاج ود عجبنا) كل صفات الايجاب التى نراها فى النموذج السودانى المثالى
( عمنا الحاج ودعجبنا
هو البشيل
حمل الرباعه
و عندو كلمة
على الجماعة
في الفريق
باقيلنا تايه
وكل طيب
ليهو غاية
للضعيف
تى ساند
و يقهر الكعب المعاند
عمنا الحاج ود عجبنا
من سنين ايام جهلتو
ديمه فى دعوات صلاتو
يسأل المولى السلامه
و سترة الحال و الكرامه)
وهكذا بعد ان يمهد الفرجونى باستخدامه مقدمة تعلن عن غرضه من القصة و بعد دخوله فى وصف تفاصيل ملامح بطله ، يبدأ فى الدخول تدرجيا فى دائرة التوتر الدرامى الذى يبدأ بفعل عادى ، عادى جدا ، هو مجئ ضيف لدار (عمنا الحاج ود عجبنا )، ان مجئ الضيف فعل اكثر من عادى لدى السودانين ، و لكن ماهو غير عادي هو زمن مجئ هذا الضيف ، و هنا و باشارة بسيطة و لكنها موحية يستطيع الفرجونى ان يقول ان عاديات الافعال اصبحت تقترب من الجناية و التجريم ، كل ذلك حين يفسد الزمن السياسى الزمن الانسانى المألوف
( عمنا الحاج ود عجبنا
ليلة من ذات الليالى
فى زمان حظر التجول
جاهو ضيف
فوق راس حداشر )
يهزنى جدا هذا التعبير الدقيق ، – (فوق راس حداشر)- ، ان الفرجونى يمتلك و مميزات عالية القدرة على ان تمتص كلماته تفاصيل العالم الذى يتحدث عنه، لاحظت ذلك حتي فى الونسة معه ، مرة كان يحدثنا عن رحلة بحثه عن كلب من كلاب الصيد بالمواصفات التى يريد ، لاحظت ان الحكاية لدى الفرجونى لا تخلو مطلقا من التعبيرية الكثيفة ، قال و هو يصف الطقس الذي تحرك فيه فى رحلة بحثه تلك
(كان الدنيا فيها نفس شتاء)
يأتى التعبير الشعرى لدي الفرجونى هكذا عفو الخاطر ، اقول يبدا التوتر الدرامى فى النص بمجئ الضيف ، فى نهاية الوقت المحدد لحظر التجول ، و تزيد حدة التوتر الدرامي حين يواجه عمنا الحاج ود عجبنا عجزه اكرام الضيف
(رحب الحاج بيهو جدا
فرشولو
و نزلوه
و كاسو للعشا
ما اتلقالو
ما الرغيف ممحوق مقصر
و البلد في حال معسر
و عمنا الحاج فى مبادو
واجب الضيف
زى فريضه
و هسه ضاقت
بى العريضه
ضيفو كيف يترك عشاهو ؟
و من دى
زايد اختشاهو )
باحساس عمنا الحاج ود عجبنا العادى جدا تجاه الضيف ، بتلك الروح التى تاصلت فيها قيمة الكرم ، يتصاعد التوتر الدرامى و يتجلى هذا التصاعد من خلال صراع (ود عجبنا )مع الواقع الماثل و الذى يتمظهر فى حظر التجول، انعدام الرغيف فى البيت ، العسر الذى اصاب البلد ، يتكثف التوتر حين يقرر (ود عجبنا) الخروج منسجما مع قيمة اكرام الضيف بالرغم من حصار الواقع تجاه قيمة الكرم المتأصلة فيه
( و جاتو فكره
يمشى للفرن المجاور
لى لجان العيش يشاور
بس عشا الضيف يا جماعه
ضيفى نازل ليهو ساعه
شاكلوهو
و نهروه
و دفروه
و جاتو دورية الحراسه
و امسى بايت فى الحراسه
و ناسو جنو
وين ده روح ؟
لى الصباح
ما عرفو حاجه
و جاهم الخبر المؤكد
ود عجبنا فى الحراسه
و ماشى محكمة الطوارئ )
ميزة الفرجونى فى هذه القصيدة القصصية او القصة الشعرية انه كلما تقدمت القصيدة الى الامام كلما تكثف التوتر الدرامى ، كلما دخل (ود عجبنا) خطوات نحو سجنه التراجيدى ، كل ذلك مقابل افعال عادية ، حلول الضيف، واجب اكرام الضيف ، البحث عن الرغيف ، افعال عادية فى زمن غير عادى، اذن يمكن القول إن بؤرة التوتر الدرامى فى ما يسمى بالخطا التراجيدى يكمن فى الزمن السياسى الذى استطاع ان يحول القيم الانسانية مثل الكرم الى جرائم يعاقب عليها القانون
( و ناسو
اولادو و بناتو
عرفو حالو
و بدري فاتو
راحو محكمة الطوارئ
و فيها فى نص الخلائق
شافو حالا ما هو رايق
عمنا الحاج بى جلالو
فوقو حس السوط يولول
فوق قفاهو
و فوق زنودو
و فوق رجولو
و مره فوق فجج حشائم
اصلو ما قايل بهونن
حتى كان نزلن هجائم
الا لكين الليالى
يوم بترخص كل غالى
حاكمو الولد المنصب
و كتفو بالدبور مقصب )
ان تلك الملامح التي وضعها الفرجونى على بطله ، تلك الملامح التى تعلن عن ايجابية (عمنا الحاج ود عجبنا) العالية تم انتهاكها تماما من قبل سوط السلطة (الولد المنصب و كتفو بالدبور مقصب)
ان محكمة الطوارئ تناقضت مع ملامح الايجاب فى (ودعجبنا ) و اعطته ملامح اخري تتحالف مع السلب
( انت يا حاج يا مخالف
زول مخرف
و مخو تالف
انت عقلك ما هو دارى
ذلة الناس فى الطواري
غرموهو و اجلدوهو
و نفذو الحكم البيهينو
عشان يفتح تانى عينو
و تسمع السوط ليهو خاويه
فوق قفا الحاج صيحتو داويه
كل جلده جبل مذله
و في ضمير الحاج و قلبو
كل كرباج الف عله )
ان النقاء التراجيدى فى شخصية (عمنا الحاج ود عجبنا) يكمن فى تلك المفارقة الغريبة بين رغبته السامية جدا فى اكرام ضيفه ، ان الرغبة فى فعل نبيل هى جوهر هذا النقاء الذى قذف ب(عمنا ود عجبنا) نحو هذا الموقف التراجيدى ، و لا يتركنا الفرجونى دون ان يغوص عميقا في الصراع النفسى الذى يعتمل داخل دواخل (ود عجبنا) و اختار لذلك مشهدا يقترب تماما من السينما ، حيث يبدأ تصويره للصراع النفسى بالتقاط حساس جدا لعيون (ود عجبنا ) و هى تنظر اثناء فعل الجلد الى بناته و اولاده و اولاد بناته و هم يتابعون مشهد اذلاله
( فجأة
رفع الحاج عيونو
شاف بنات ولدو
و بناتو
كلهن واقفات يعاينن
دمعتن فى العين ترقرق
و وجعتن فى الجوف تحرق
و الحزن ليهن يغرق
ده الزمان الكان حماهن ؟
ده النجوم الفي سماهن ؟
كل سوط نازل عليهو
من شعاع الضو عماهن
و عمك الحاج دمعو زرف
و سيلو فوق اشنابو سرف )
و يترك الفرجونى عمنا الحاج ود عجبنا تنهشه التساؤلات ، التساؤلات التى تبحث عن معنى الكرامة بعد ذلك الذى حدث
( تم حكمو و راح بيوتو
نفسو مكسوره و ذليله
كيف ملاقاة الحليله
و صحوة الروح العليله ؟ )
و يحرض ذلك النقاء التراجيدى (عمنا الحاج ود عجبنا ) على الانسحاب من الحياة ، من هذه الدنيا الظالم اهلها ، يفقد رغبته في الحياة ، لا يستطيع ان يتماسك وهو يحس بالذل والمهانة و هكذا تضيع حياة (عمنا الحاج ود عجبنا) و هو يحاول ان يمارس نقاءه العادى من خلال الاصرار على فعل نبيل لا يمكن تحقيقه مع محكمة الطوارئ التى استطاعت و بخبث سياسى ان تحول قيمة الكرم الى جريمة
( و فى البيوت الجوه غادى
عمك الحاج ما اعتيادى
فوقو متلمين جماعتو
قالو ناداهو المنادى
و فارق الدنيا المهينه
يقطع الذله وسنينه )
اذا كان حظر التجول هو مركز التراجيديا التى عصفت بحياة (ودعجبنا)، يصر الفرجونى ان يجعل من حظر التجول مطاردا دائما له حتى بعد مماته و هنا تكمن الرؤية العميقة التى استطاع الفرجونى ان يقدمها من خلال هذه القصيدة القصة او القصة القصيدة و ذلك حين جعل من حظر التجول حالة قبح دائمة في حياة (ود عجبنا ) و فى فراش موته
( و فوق فراش حاج ودعجبنا
تسمع الزول البوصى
اقفلو الحوش يا جماعه
و اطفو انوار الرتاين
داك حرس حظر التجول
من بعيد ليكم بعاين
يا زمان حظر التجول )
يمكن القول إن اطفاء انوار الرتائن بسبب ظهور حرس حظر التجول هي صورة سينمائية كثيفة من حيث الشكل و المعنى
شكرا للشاعر و المغنى احمد الفرجونى و هو يجعل من (عمنا الحاج ود عجبنا) وثيقة تراجيدية تعلن ان الانسان السودانى
قادر على تعرية هولاء الظلاميين حتى الموت .
و تجدر الاشارة ان هذا النص الدرامى يبقى شاهدا على تلمسات مصطفى سيد احمد فى نقل موضوعات الاغنية الى مناطق ارحب حد اللجوء الى توظيف و استلهام المغنى الحكاء الشعبى القديم .

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال