‫الرئيسية‬ ثقافة اليوم العالمي للشعر تداعيات يحيى فضل الله (ما وراء البترول والجان المسلم)
اليوم العالمي للشعر - ثقافة - 15 أغسطس 2024, 7:03

تداعيات يحيى فضل الله (ما وراء البترول والجان المسلم)

يحيى فضل الله
( يا بترول سودانا يا نونو
بكره تكبر وتقوم سنونو
يكتر خيرنا ونكرم غيرنا
وكل حبيب يجيب ماعونو )
هذه الأهزوجة للمنولوجست (جعفر عزالدين) قفزت إلى ذاكرتى وأنا أشاهد (البشير) رئيس الجمهورية يرقص أمام جماهير المجلد وبابنوسة والخوى احتفالاً بالبترول، هذه الأهزوجة سمعتها وأنا طالب بالثانوية العليا فيما بعد منتصف السبعينيات وتحديداً بعد العام 1976م أو في نفس هذا العام، وكانت الأهزوجة من ضمن فقرات احتفال بالبترول أيضاً منقولاً عبر الراديو من خشبة المسرح القومى بأمدرمان. قفزت إلى ذاكرتى هذه الأهزوجة الضاحكة جداً، وقتها كان (النميرى) يداعب أحلام الشعب السودانى باستخراج البترول، وأذكر تلك الزجاجة التى عرضها (أب عاج) من خلال التلفزيون، وأظنها قد وضعت فى مكان عام بالخرطوم -لا أذكره- كى يتفرج الناس على هذه النعمة، نعمة البترول. وأذكر تلك المقولة (كردفان الغرة أم خيراً برة (وكانت قد أضيفت إليها كلمة تدل دلالة بينة على وجود البترول فى كردفان، فأصبحت المقولة (كردفان الغره أم خيراً جوه وبره). وأذكر فيما أذكر أن فن الكاريكاتير قد احتفى أيضا لتراهرت على رأس السودانى تلك العلامة التى تشير إلى عرب دول البترول. ظهر العقال على رأس السودانى، وفي لهث كوميدى محموم عرض الفنان المسرحى (محمد شريف علي) مسرحية (في انتظار البترول) وأصبح اسم شركة (شيفرون) على كل لسان، وكنت قد سمعت حكايات بعض سائقى اللوارى الذين سرقوا ونهبوا معدات الشركة، بل إن صديقى المبتور من خلاف (آدم تترون) قد أضاف إلى بطولاته فى النهب المسلح عدد أكثر من (200) بوكس كاشف كان قد نهبها من (شيفرون) حسب رواية (اللمين كباشى) شيخ النشالين مبتور الكف، وقيل إن هذه البكاسى المنهوبة قد دعمت سوق الإسبيرات.
على كل، ها هو (البشير) يرقص فى نهايات التسعينيات احتفالاً بإنجاز حكومته الحصول على هذا الكنز، ومن ورائه نشاهد (النميرى) و(سوار الذهب) و(الترابى) يدشنون بحضورهم الذى لديه أكثر من معنى تاريخى وسياسى وعبثى هذا الاحتفال. كنت أتوقع أن تقوم هذه الحكومة التى وزعت الفردوس على شهدائها حتى أن (سيد شهداء الإنقاذ) الزبير محمد صالح قد منح قصراً في الجنة، وقيل أيضاً فى عرسه (عرس الشهيد) إنه تزوج بسبعين من بنات الحور. أنا لا أتخيل، ولكن هذا ما شاهدته فى التلفزيون وسمعته عبر راوٍ فى هذا الاحتفال الغرائبى، أقول: كنت أتوقع أن يكون إنجاز الإنقاذ للبترول عبر ذلك الجان المسلم بدلاً عن الاعتماد على شركات أجنبية حتى لا يعتبر هذا الإنجاز من ضمن ما هو وافد أجنبى استناداً على مشروعية المشروع الحضارى لدولة السودان العظمى. فقد حدث فى بداية ما يسمى بـ (المجلس الوطنى)، و فى إحدى جلساته كان قد تقدم أحد الأعضاء باقتراح يتماشى مع ذلك الهوس الذى يحكم تفاصيل هذه الدولة العظمى، والتى كانت قد أشهرت حلمها بقيادة كل العالم من جاهليته إلى النور. قدم أحد الأعضاء اقتراحاً يقول إن بالإمكان استخدام الجان المسلم فى عمليات استخراج البترول، وقد قمعت همهمات الاستهجان من بعض الأعضاء باستدلال العضو مقدم الاقتراح بآيات من الذكر الحكيم، خاصة سورة (الجن) لدعم اقتراحه الذى تمت تثنيته. وأنا أسمع خطاب (لبشير) فى هذا الاحتفال ،كنت أتوقع أن يشكر من ضمن ما شكر من شركات كندية وماليزية وأرجنتينية أن يشكر أيضاً هذ الفعالية –الجان المسلم– إلا أنه لم يفعل، مما يدلل على حبة موضوعية وعقابيل من تفكير علمانى قد تسللت إلى ذهنه، وبالرغم من ذلك فها نحن نسمع بلواء يدعى (حماة البترول).
وأخيراً ها هو البترول يتم استخراجه فى السودان، وها هم رموز الخراب يلتفون حول هذه الغنيمة (جعفر محمد نميرى) ذلك الذى راهن قديماً على هذا البترول، وأدلى بعدد من التصريحات الخائبة حول أمره. ترى هل يمكن أن نقول إن عودة نميرى إلى السودان ذلك الذى لفظه من خلال انتفاضة شعبية وكان هناك مطلب شعبى يقول: (رأس نميرى مطلب شعبى)، أقول: هذه العودة -وقد شاهدت فى التلفزيون الوفود التى استقبلت نميرى وهناك لافتة مستفزة مكتوب عليها (وجع وجع أب عاج رجع)- خيبة مركزية من خيبات الشعب السودانى، ومن تداعيات تلك الخيبة أن نشرات الأخبار العالمية اتفقت على وصفها –العودة– من خلال هذه الجملة التى تحمل في نسيجها نوعاً من الاستنكار ومن تلك الدهشة (يبدو أن الشعب السودانى متسامح أكثر من اللازم)، وقد قيل إن النميرى فى القاهرة -ومن خلال إصدارة تخصه واحتفال وهمى بثورة مايو- قد أعلن إلغاء قوانين سبتمبر وهو خارج السلطة أو هو فى سلطة متوهمة، هذه القوانين تساوى الدم الذى غرقت فيه البلاد. ترى كيف تذوق السودان هذه العودة؟ وما هو متأكد منه أنه لم يسع أحد للحصول على تلك الرأس التى كانت مطلباً شعبياً، أخاف من مغبة أن نوصف بأننا شعب ضعيف الذاكرة. ترى هل بقيت فى هذا الشعب رغبة أن يتذكر؟
أهازيج عذبة كثيرة احتفت بانهيار سلطة نميرى، أذكر منها تلك الأهزوجة التي خرجت بها مظاهرة من شارع الأربعين بأمدرمان، هذه المظاهرة سارت حتى وصلت القصر الجمهورى، حيث انضمت إليها فرقة النحاسيات ودست أنغام آلاتها الجهيرة وناعمة الأصوات بين الغناء الجماعى التلقائى وأصوات الدلوكة والمغنيات، وكانت الأهزوجة تقول:
(طلعنا فوق الجبل
وسكرنا آخر سكر
يا الطوارئ حكمك فشل
والترابى قالوا انتحر
وانميرى وقع البحر )
ولكن ها هو (الترابى) يقف جنباً إلى جنب مع (النميرى)، يلتفون حول الغنيمة، لا مجال للدهشة إذ إن (الترابى) حليف أساسى للنميرى، بل إنه استثمر هذا التحالف بخلق مؤسسات اقتصادية لحزبه الذى له قدرة الحرباء فى التلون. ها هم يلتفون حول الغنيمة، ولكن يبدو لى أن الغنيمة الحقيقية التى يلتفون حولها هى هذا الشعب السودانى. ها هو (سوار الذهب) بينهم، ذلك الذى سلم السلطة للشعب الذى زمجر فى وجه سلطة (نميرى) وأطاح بها، ليغيب (جعفر النميرى) مطروداً (14) عاماً من البلاد، ويعود إليها الآن وينضم إلى رموز الخراب الذى كان هو أول صانعيه. وها هو صانع خراب جديد يرقص الآن على جثة أحلام الشعب السودانى. يقال إن (سوار الذهب) له علائق مع هذا الحزب الحرباء، وقد مكنه هذا الحزب من قيادة مؤسسة ذات دور ضليع في شبكة عنكبوت هذا الحزب (هيئة إحياء النشاط الإسلامى)، تم ذلك بعد أن تخلى عن السلطة. وأسمع أيضاً -والعهدة على ذلك الراوى الخفى- أن لـ (سوار الذهب) دوراً فيما يسمى بقوانين الانتخابات فى الفترة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بمقاعد الخريجين. على كل، ها هم (البشير)، (نميرى)، (الترابى)
(سوار الذهب) يحتفلون بالبترول، من حق (البشير) أن يرقص، ومن حقي أيضاً أن ألاحظ تلك الوجوه الكالحة التى احتل الجوع والعطش والمرض والفقر والجهل نظرات عيونهم الطيبة. ترى هل صحيح أن الشعب السوداني شعب متسامح أكثر من اللازم؟
اذهب الى
بعد ما هو مكتوب أعلاه كمنولوج لراوٍ مراوغ، عبرنا وعبرتنا الأزمنة بين القرنين، قرن انصرم وقرن حالى نعيشه ويعيشنا، وفى متاهة البترول الحالية، (عباس الوناس) وهو جالس على طوبة من نوع البلك فى ضل نهار به رقراق بجانب صف البنزين الحلزونى المخترق حتى زقاقات الحى الجانبية. كان (عباس الوناس) يتجول بين صف البنزين وكمامته على فمه وعلى رأسه يرتدى طربوشاً ورقياً مصمماً من كروت الاتصالات للشركات المختلفة، يعلن (عباس الوناس) عن مهنته الجديدة كبائع رصيد متجول بين هذا الصف الذى أصبح دائماً حتى إنه خلق أسواقه الصغيرة المختلفة، وذلك من حيث أن الصف يقع بين تقاطعات عديدة تربط بين أحياء سكنية مختلفة. جلسة (عباس الوناس) على تلك الطوبة هى أحد مراكز راحته واستراحته من تجواله من بداية ذلك الصف الحلزوني وحتى نهايته، ومن نهايته وحتى بدايته، وهو يوزع على جمهور الصف، نساء ورجالاً، كروت الاتصالات بفئاتها المختلفة. وبين كل تلك الحركة الدؤوب كان (عباس الوناس) يوزع قفشاته وحكاياته وتعليقاته الساخرة، والتى تأخذ من كل خاطرة عابرة وأزمة طاحنة وظاهرة طافحة، تأخذ من كل ذلك بنصيب يستلطفه جمهور الصف المتنوع.
كنت أنا الذى أضاعت عليه الكورونا الكثير من استعذاب التفاصيل، وقذفت بى إلى عذاباتها ذات الملمح العبثى والسريالى حد الفانتازيا. كنت أنا -وبمكيدة استراتيجية تفوق معيار مكيدة أن ترتدى كمامة- من مدمنى ذلك الصف الحلزوني، مع أننى لا أملك أي سيارة أضعها فى هذا الصف الذى عاقرته وأدمنته، كل ما فى الأمر أننى وفى إجازتى السنوية فى هذا العام 2020، عام الكورونا، كنت قد استأجرت شقة، فكان أن (تحلزن) عليها صف البنزين. لذلك كانت مكيدتى الاستراتيجية هى أن أتخلص من فوبيا الكورونا والحبس وتقفيل الكبارى وحظر التجول والحصول على تصريح مرور، وفوق كل ذلك من الملل تحديداً، مكيدتى كانت بالانغماس فى تفاصيل وحياة هذا الصف التى قد تستمر إلى الساعات الأولى من الصباح وبورديات مختلفة، وكانت متعتى فى هذا الصف هى متابعة (عباس الوناس) فى تجواله المرح بين جمهور الصف وحلقات الونسة التى كان يفجر فيها مقدراته كممثل قديم.
هذا الصباح تفقدت (عباس الوناس) بين جمهور الصف هنا وهناك، ولما لم أجده تجولت قليلاً، هأنذا أراه بطربوشه الورقى المزين بألوان كروت الاتصالات المختلفة وقد جلس يستريح ويدخن وهو جالس على تلك البلاطة، و فى ذلك الضل الرقراق وحين اقتربت منه هم واقفاً كى يعطينى ما أريد من رصيد، وبدلاً عن ذلك وجدنى وقد جلست بقربه على الأرض وقاذفاً إليه بسؤال تحريضى كى أدخله فى حكاية:
– (وبعدين مع البترول ده يا عباس؟)
تنحنح (عباس الوناس) ومد لى سيجارة، وحين امتنعت أشعلها هو وقال:
– (أنا ما حلمت بالغزالة.)
– (ياتو غزالة؟)
-( ما غزالة إسحاق أحمد فضل الله.)
– (جاتك كيف؟ وعلاقتها شنو بالبترول؟)
-( جاتنيثى فى المنام، جاتنى فى رؤيا، ما هيثى طوالى بتجى فى الرؤيا والأحلام، وقالت لي: يا عباس الوناس أنا مرسلنى ليك الجان المسلم، تتذكر الجان المسلم؟ والجان المسلم ده تحديداً هم الكانوا شغالين مع الإخوان المسلمين فى استخراج البترول من فترة التسعينيات، وكنا نحن شرعنا فى تنفيذ عمليات استخراج لبترول بعد مطالبة نواب في المجلس الوطنى، بس الحصل الجماعة ديل ضربوا قروشنا وجابوا كفار من الصين. الغزالة قربت منى ووسوست لى فى أضانى: إنت ما ملاحظ العلاقة بين المؤتمر الوطنى والحزب الشيوعى الصيني؟ عشان كده الجان المسلم قال ليك قول للناس الوهم دى إنو أزمة البترول فى السودان هيى أزمة وراها الجان المسلم، وحيقفل أي بلف أو مصافى لانسياب البترول. أها تعرف الغزالة دي تانى وسوست لى فى أضانى وقالت لي: مالك مخلوع كده؟ يعنيثى إنت ما عارف إنو الجان المسلم ده الكان بستخرجوا فى البترول ديل هم ذاتهم كتائب الظل؟ وتبسمت الغزالة حتى بانت نواجذها واختفت.)
وفجر (عباس الوناس) ضحكته الممتدة حد التنغيم، وهو ينهض واقفاً، ونظر لى بعيون مبتسمة قائلاً:
-( حلوة الغزالة؟)
وذهب رشيقاً نحو صف البنزين الحلزونيثى، ولم تمض لحظات حتى فجر (عباس الوناس) بين جمهور الصف كرنفال تجواله المرح، وهو يتراقص وسط الجمهور الذى لم يملك إلا إضافة أصواته المتنوعة لأهزوجة (عباس الوناس) في تضادها الساخر مع الواقع.
(بكرة بدل الجالون نصرف ألف
وحتى الكارو
نقوم سلف) .

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال