‫الرئيسية‬ ثقافة محجوب شريف: الكلمة “اللي ما بتنداس” مقال مستعاد لسيد احمد علي بلال
ثقافة - 2 أبريل 2024, 22:46

محجوب شريف: الكلمة “اللي ما بتنداس” مقال مستعاد لسيد احمد علي بلال

سيد احمد علي بلال

ظل الشعر حاضرا على امتداد أيام وشهور ثورة كانون الأول/ديسمبر السودانيّة المتواصلة؛ كما كان محرّكاً ومحرّضاً، متسربلاً بالشعارات والرؤى لدرجة انه صار طقساً ثابتاً في خطابات الثورة التي كانت تُبث من منصات الاعتصام الذي انتهى إلى مذبحة بجراح غائرة في الضمير السوداني إلى أن تتذلل سبل العدالة. كما واصل عدد من الشعراء، مثل محمد طه القدّال وأزهري محمد علي وطارق الأمين والشاعرة الطبيبة مروة وتاج السر عثمان الطيب وبابكر الوسيلة وغيرهم كثيرون، واصلوا تقديم وجبات شعريّة لجمهور الاعتصام وروافده وامتداداته.

كان حضور شعر الشاعرين، محجوب شريف ومحمد الحسن سالم (حمّيد) اللذين غيّبهما الموت قبل اشتعال الثورة، في المشهد الثوري، ملحوظاً؛ وقد امتزجت رؤاهما بالأفق المستقبلي الذي أطلقته الثورة. وستظل المقاطع الباهرة لقصيدة محجوب شريف التي بعثها من أحد السجون إلى أسرته هي الأكثر تعبيراً عن الجيل الشبابي الذي تصدّر الثورة بوصفه الجيل الآتي أو “المنتظر”:

تطلع من شقوق الأرض آلاف المدن قامات
ويطلع حتى من قلب الحجر والصى
شجر متشابك الهامات
وجيل جاي حلو الشهد
صبايا وفتية يمرحوا في صباح الغد
عيونهم برقهن لمّاح، سؤالهم رد،
خفاف ولطاف؛ وثّابين أوان الجد
دفاعا عن حياض السلم والإفصاح
سلِّموا لي عليهم جملة
حتى اللسّه قبل الخلق والتكوين
صُناع الحياة اليوماتي ملح الأرض
نبض الشعر والموسيقى والتلوين
هدّامين قلاع الخوف
نقّاشين جدار الصمت
نساجين خيوط الشمس كهربجية الظلمات
وأجمل ما تكون الدنيا
رسامين حفارين مجارى العصر، نصرا نصر

حروفاً واحلالي تشمهن ترتاح

لا بد من ملاحظة احتمال وجود تطابق، أو تقارب، شعار “نحن قدامنا الصباح” الذي يختتم به، محمد ناجي الأصم، أحد قادة تجمع المهنيين، خطاباته عادة، والمقطع الشعري “صبايا وفتيه يمرحوا في صباح الغد” الوارد في هذه القصيدة.

وقد ظل المتظاهرون والمتظاهرات يرددون مقاطع من شعر محجوب مثل:

ودانا لي شالا

وعزتنا ما شالا

نحن البلد خيرا

ومستقبل اجيالا

نحن البلد خيرا

وخلاصا من حالا

كما تصرفوا في مقاطع أخرى مثل:

ودانا لي كوبر (سجن كوبر في الخرطوم بحري)

غنينا اكتوبر.

وهو بالفعل ما فعله محجوب حين اعتقل أولا في سجن كوبر عقب فشل انقلاب 19 تموز/يوليو 1971 إذ كتب بعد ذلك قصيدته الشهيرة “اكتوبر ديناميتنا، ديناميتنا ساعة الصفر، ركيزة بيتنا، أكتوبر”.

ومن سجن كوبر نُقل محجوب إلى سجن شالا بالقرب من مدينة الفاشر في دارفور ليكتب “ودانا لي شالا”. وحاول في شعره خلال تلك الفترة (فترة سجن شالا في النصف الأول من السبعينيات) دعم صمود المعتقلين ورفع روحهم المعنوية، وتثمين عطاء قادتهم الذين تعرضوا للإعدام حينذاك بعد محاكمات صوريّة لم تتح لهم إجراءات المحاكمة العادلة. ورغم معرفتي الكبيرة بمحجوب وأشعاره إلا أنني اكتشفت بعض ما كان خافيا عليّ من خلال ما كتبه عنه الروائي بشرى الفاضل على موقع “سودانيز اونلاين” عقب وفاة محجوب الذي زامله في المرحلة الوسطى “المتوسطة”  – حينما كان محجوب في السنة الرابعة في مدرسة المدينة عرب الوسطى كان بشرى في السنة الثانية- إذ أوضح  مركزية عنصر الشجاعة لدى محجوب فذكر أنه كان يتصدى  للتلاميذ كبار السن الذين يستأسدون على غيرهم من التلاميذ الأصغر سنا منهم فقال لي بشرى في رسالة واتسابيّة بيننا معلّقاً “نعم كان شجاعا؛ وكان يكتب الشعر منذ المرحلة الوسطى، وقد اختارني لأنني فزت بجائزة الإلقاء الشعري  للاشتراك في صحيفة النبراس الحائطيّة التي يرأس هو تحريرها”.

وهناك قصيدة محجوب المستقبليّة: “حنبينيهو” التي صارت شعارا لحملات إعادة البناء، وهي مبادرة انطلقت منذ أيام الاعتصام، كما قالت لي الحقوقيّة إيمان ابراهيم، إن الحملة انطلقت من لجان الأحياء وتبناها تجمع المهنيين وصار الشباب من الجنسين يحددون أيّاماً يخرجون فيها لحملات النظافة وأحيانا لفتح المجاري لموسم الخريف وحملات التشجير، كما انّهم يواصلون نشاطات رسم وتلوين الشوارع. يقول المقطع الافتتاحي للقصيدة:

حنبنيهو ..
البنحلم بيهو يوماتي
وطن شامخ
وطن عاتي
وطن خيّر ديمقراطي ..

وطن مالك زمام أمرو
ومتوسد لهب جمرو ..
وطن غالي
نجومو تلالي في العالي ..
إرادة
سيادة
حريّة ..
مكان الفرد تتقدم
قيادتنا الجماعيّة ..

مكان السجنِ مستشفى
مكان المنفى كليّة ..
مكان الأسرى
ورديّة ..
مكان الحسرة أغنيّة ..
مكان الطلقة
عصفورة
تحلق حول نافورة.

ثم يضيف في مقطع آخر من القصيدة:

وطن حدادي مدادي

ما بنبنيهو بالرادي

ولا الخطب الحماسيّة

وطن بالفيهو نتساوى

نحلم، نقرا، نتداوى

(حدادي مدادي: شاسع المساحة)

(الرادي: الراديو)

هناك مستوى في أشعار محجوب يعبّر عن التحرر من عالم مغلول بالأصفاد وبشر يعيشون في ظل الأسر. في هذا المستوى نجد احتفاليّة بالفعل الجماعي المصاحب للانعتاق مع المراوحة بين صوت الذات وصوت الجماعة في اتجاه تقمص روحها. وهناك مستوى شعري آخر يعبر عن حب ينقل العالم من حالة ذبول إلى حالة نضارة، وهو مستوى يتجلى بوضوح أكبر في مجموعته “السنبلاية” التي اعتبرها محجوب نفسه (بعض أنفاسه إلى الشعب) و (الأصدقاء). وفي المستويين يتلازم اختياره لعامية شمال السودان العربيّة مع تبني ايقاعات محليّة عديدة ما جعل غنائيته “الليركية” تكتسي بأزياء بيئة التنوّع الإيقاعي السوداني مما يفسر ظاهرة حفظ أعداد كبيرة من الشباب لأشعاره عن ظهر قلب.

هناك أيضا حب للطبيعة يعبر عن نفسه حتى في أقسى اللحظات مثل هذا المقتطف من لحظة عزاء في مسرحيّة شعرية اسمها “العوض” لم تنشر:

العصافير عزّت عصافير

والعبرة سدّت حلق البوابير

وكل منجل كشّر بكى

صرّ وشو القمح إتّكى

عزّ جدول لامن سمع

فكا مويتا كان ماسكا

(فكا مويتا كان ماسكا: أفرج عن مياه كان يحتبسها)

والزراعة تحيل، بالطبع، إلى أدوات الزراعة. ورد في بطاقة زواج محجوب واميرة الجزولي هذا البيت الشعري (الوارد في قصيدة أخرى أيضا):

ونطلع للحياة انداد

زي سيفين مساهر فيهم الحداد

وتمتد هذه الاحالة إلى إحدى أهم قصائده التي تفتتح مرحلة أكثر رحابة وهي القصيدة التي كتبها في عزاء الراحل عبد الكريم ميرغني إذ يقول فيها:

وين عمي البطرّق

جواي الأغاني

وكأن الشاعر محجوب كان (يسنّ) أو (يشحذ) أو (يطرّق) أسنان عدّته المعدنيّة وكأنّه حدّاد أو نجّار. لكن هناك أيضا خط النور الداخلي الأقوى الذي يصفه بقوله:

جواي خيط النور

أمتن من الأصفاد

تتوهج النيران

يتفنّن الحدّاد

ونعود إلى ما ابتدرنا به المقال “الكلمة اللي ما بتنداس” فنجد شباب ثورة اكتوبر يرددون هتاف “أيّ كوز ندوسو دوس”؛ وقد استنكر البعض ترديد هذا الهتاف في ظل ثورة تردّد شعار “سلميّة، سلميّة، ضد الحراميّة” لكننا نجد أن محجوب شريف كان يقول مخاطبا الجلاد أو السجن الذي أعيد إليه في آب/اغسطس 1989 بعد انقلاب 30 حزيران/يونيو 1989 قائلاً:

جيناك مرفوعي الرؤوس

افتح زنازينك أهو بنفتح صدورا ماتكوس الرحمه تب

مافينا مرقا فيه سوس

بل فينا عرقاً من جذور الشعب عشقا لا يداس

نحن بندوس على كل من عايز يدوس

(المِرق: العمود الرئيسي الذي يحمل مكونات السقف)

لا يطمح هذا المقال في كتابة سيرة ذاتيّة للشاعر محجوب شريف ولا عن جهوده في العمل التطوعي عبر مبادرة “رد الجميل” وغيرها من المبادرات، وانما ينوي تقصّي ورصد حضور أثره الشعري في ثورة ديسمبر 2018 السودانيّة. ولكن لا بد هنا من الإشارة إلى انه ولد في قرية اب قدوم في ريفي المسلميّة وسط السودان عام 1948 وتوفي ظهيرة 12 نيسان/ابريل عام 2014 متأثرا بمرض التليّف الكبدي الذي أصيب به منذ عام 2004. وانه كان معلما، وتعرّض لعمليات الفصل التعسفي عن العمل، وانه كتب الشعر منذ صباه الباكر، وأن العديد من الفنانين، وعلى رأسهم الفنان وردي، قد تغنوا بأشعاره التي ظل يلقيها هو وغيره في شتى المواقع الثقافية والجامعات والسجون، وانه كان عضواً فاعلا في اتحاد الكتاب السودانيين وفي مجلس أمناء مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، وصدرت له عدة مجموعات شعريّة منها “الأطفال والعساكر” بطبعات من عدة هيئات ودور نشر، ومجموعة “السنبلاية” من دار عزّة للنشر بالخرطوم، و”نفّاج” عن دار تراث بلندن.

ظل محجوب وشعره لصيقان بدورة الحياة والأحياء فكتب عن الأم “يا والده يا مريم” ثم انتقل لاحقا لكتابة قصائد عديدة عن الحبيبة ثم الزوجة – الرفيقة ثم عن بنتيه مريم ومي، واختتم دورة حياته بقصيدة لحفيده.

وقال عنه عصام محمد احمد (يوم 6 نيسان/إبريل – في صحيفة الميدان): “كذلك اهتم بقطاع الحبوبات واللاتي فقدن مكانتهن المتميّزة سابقا بسبب وسائل الترفيه الحديث. فجمع محجوب الأطفال ونظّم لهم زيارات للحبوبات لمساعدتهن ثم الجلوس للاستماع لحكاياتهن مما اخرجهن من حالات العزلة والاكتئاب”

وفي نعي أسرته في الأمسية التي اقيمت ثاني يوم رحيله (وفاته) قالت بنته مي التي قرأت خطاب الأسرة وكأنّها تتحدث معه: “عائلة القطط، والأشجار، والعصافير، في منزلنا وأركانه ستفقد خطواتك وحيويتك التي تملأ المكان”.

وفي الختام نجد كلمات محجوب عن الأحلام والأطفال والآمال والسجون والأهلة التي تصير أقمارا هي التي ترسم الأفق الآتي:

أرسم خيالهم رَسِم

يضحك معاي يبتسم

يبقى السحاب الضرا

الجنه هم سكّتا

والدنيا هم سُكّرا

تسالني إيه العمل

صبر المناضل عمل

انسد باب السجن

ما انسد باب الامل

ما يبقى اسمو القمر

لوما الهلال اكتمل

وهكذا نرى الهلال مكتملا في قمره، ونرى محجوب مكتملا في شعره، إذ يصلنا صوته من خلف ضوء شعره الباهر وهو يقول:

وإنت المشير

تلمع بكتفك نجوم

لكنو ليلك

ضرير.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 2

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *