‫الرئيسية‬ مقالات الوثيقة الدستورية، علىٰ عِلَّاتها، خطٌ أحمر..
مقالات - 12 أغسطس 2020

الوثيقة الدستورية، علىٰ عِلَّاتها، خطٌ أحمر..

الوثيقة الدستورية، علىٰ عِلَّاتها، خطٌ أحمر.. بقلم: علي مالك عثمان. *************************************************************** (١) الوثيقة الدستورية، التي تم توقيعها في احتفالية كبرىٰ ومشهودة عشية السبت ٣ أغسطس ٢٠١٩م، والتي مَـهَّدَت الطريق لمرحلة ما بعد حكم نظام الإنقاذ الذي استمر لثلاثة عقود، ولدخول السودان إلى حقبة جديدة من الحكم المدني، والتأسيس لمرحلة الحكم الانتقالي الحالية، لا يختلف اثنان على أهميتها ومِفْصَلِـيَّتِها في تاريخ السودان الحديث. لكن برزت في الآونة الأخيرة أصوات عديدة تصف هذه الوثيقة بالمُـعِيبة، والقاصرة عن تحقيق أهداف الثورة ورغبات الثوار، وأنها السبب الأساس للتعـثُّر الحاصل في أداء حكومة الدكتور حمدوك حالياً، وتنادي بالتالي لتجاوزها وإلغائها بالكُـليَّة، وتدعو د. حمدوك لاستغلال شعبيته الواسعة في الشارع السوداني للانقلاب على هذا الواقع الحالي الذي تأسس على بنود هذه الوثيقة، والتأسيس لمرحلة جديدة تُخْرِج البلاد من وَهْدَتِها الحالية، وتَـعْبُر بها لواقعٍ أفضل. فهل هذه النداءات والدعوات – والتي لا نُشكِّـك في وطنية دُعاتِها، وحَدْبِـهم على المصلحة العامة – عقلانية، ومنطقية، وقابلة للتنفيذ، وستحقق رغبات وأماني من نادىٰ بها وأطلقها؟!
(٢) في البدء لابد من الإقرار أن الوثيقة الدستورية ناقصة، ولم تُـلَبِّ كل رغبات الثوار في إنجاز حكم مدني خالص، وتحقيق شعار “مدنيااااو”، الذي صَدَحت به حناجر الثوار عقب الإطاحة بنظام البشير البائد، وذلك لتوازن القُوىٰ الذي فرض نفسه على طرفيْ الصراع (العسكر بقيادة المجلس العسكري، والمدنيين بقيادة قوى إعلان الحرية والتغيير “قحت”) في تلك الحقبة، بعد رفض قحت اللجوء لعسكرة الثورة، والدخول في مواجهة مسلحة مع العسكر – وهو خيار صحيح، لخطورة تبعات العسكرة – وبالتالي لم يكن هناك مناص، بعد انتهاج السلمية كخيار وحيد للعمل الثوري، من الجلوس مع العسكر على طاولة واحدة والرِّضا بـ “نصف ثورة”، على أمل المراهنة على الزمن في تحصيل ما تبقىٰ من مطالب، عن طريق استخدام وسائل الضغط السلمي الأخرىٰ، من أجل تجنيب البلاد حمامات دم، والدخول في سيناريوهات مظلمة لم تكن لتتحملها البلد، بالنظر لواقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني الهش الذي كان وما يزالُ سائداً. هذا الواقع، الذي من رَحِمِهِ وُلِدت الوثيقة الدستورية، يجب ألا يغيب أبداً عن أصحاب تلك الدعوات وهم يتناولونها بالنقد والتشريح.
(٣) السخط العام الذي يَعْـتَمِل في النفوس حالياً تجاه الأوضاع القائمة في البلد في تقديري أسبابه لا تعود للوثيقة الدستورية وبنودها التي وُقِّعَت، ولكن للفشل في تنفيذ كل بنودها، خاصة في ما يخص استكمال عملية السلام، وإكمال هياكل السلطة التنفيذية والتشريعية، وبالسرعة المطلوبة. وربما يجادل البعض في ذلك ويَدَّعي أن الخطأ في هذا يعود للوثيقة الدستورية التي وَضَعَتْ حق تشكيل تلك الهياكل في يد قحت، ولكن رَدِّي على ذلك أن المُلام في هذه الحالة هو قحت، وعدم قدرتها على تجاوز خلافتها، بسبب تغليب أطرافها لنهج المحاصصة والخيارات الحزبية الضيِّقة، وليس الوثيقة الدستورية. كما أن حركات الكفاح المسلحة تتحمل جزءاً من مسؤولية هذا التعطيل، وذلك لربطها إكمال تلك الهياكل بعملية السلام، وبالتالي أصبح من المستحيل المُضِي قُدُماً في إكمال الهياكل دون إكمال عملية السلام. كما أن د. حمدوك لا يستطيع وحده السَّيْرَ قُدُماً في تعيين المجلس التشريعي – كما يطالب بذلك أصحاب دعوة إلغاء الوثيقة الدستورية وتجاوزها – دون سندٍ من أحزاب قحت وحركات الكفاح المسلحة، لأن هذا الحق لم يمنحه له أحد، وسَيُعَدُّ ذلك تجاوزاً خطيراً لحدود تفويضه الذي منحته له قحت عندما اختارته لرئاسة مجلس وزراء هذه الحكومة. كما أن المجلس التشريعي المُعيَّن في هذه الحالة سيكون مجلس حمدوك، ولن يرضىٰ به أحد، وسيقاطعه الجميع، ولن يستطيع أن يكتسب الشرعية والإجماع المطلوبيْن. أما تعيين د. حمدوك لولاة الولايات فذلك أمرٌ حتمته الظروف، لأن تعيينهم فرضه غياب ظل الثورة عن الولايات، وأن الناس هناك لا تُحِسُّ أن تغييراً كبيراً قد حصل في البلد. كما أن تردِّي الأوضاع فيها أصبح لا يَحتمِل الصبر والانتظار. من كل ما تقدم يتضح أنه من المستحيل أن يُسَيِّر د. حمدوك البلد وَحْدَهُ، كما أن من الظلم إلقاء اللائمة على بنود وثيقة لم يكتمل تنفيذها.
(٤) الذين ينادون بالانقلاب على الوثيقة الدستورية وتجاوزها ليسوا أولئك فقط الذين ساءهم تردِّي الأحوال وتعثُّر الحكومة في أداء واجباتها، ولكن يُضاف لهم تيارات داخل قحت نفسها ظنت أنها قادرة على فرض أيدلوجيتها ورؤيتها للأمور من الداخل عند توقيع الوثيقة، ولكن بمرور الوقت والأحداث خاب فألها، وأيقنت بإستحالة فرض أجندتها، فجنَّ جُنونَها، وطَـفَـقَت تُصوِّب سهام نقدها على الوثيقة الدستورية، وتحاول الانقلاب على الأوضاع القائمة برُمَّتِها، لأنها مُتيقِّنة داخل خلجات نفسها أن حظوظها في المشهد السياسي عقب الانتخابات ستكون ضئيلة، لذا كانت تُمنِّي النفسَ بوضع كوادرها في مفاصل الدولة خلال هذه الفترة الانتقالية. تيار آخر – لا أدري أهو حالياً داخل قحت أم خارجها – بَنىٰ حساباته عند توقيع الوثيقة الدستورية على أن حِصَّته من توزيع كيكة المناصب في المجلس التشريعي وولاة الولايات ستكون معتبرة، بالنظر لثِقَلِهِ السياسي الذي يتوهَّمَه، على الرغم من ضآلة كسبه خلال الثورة. حِرْص ذلك التيار على الفوز بحصة الأسد من غنيمة المناصب مردَّه إلى محاولته استغلال المجلس التشريعي ومنصب الوالي خصوصاً في زيادة حظوظه في تحقيق فوزٍ مُقدَّرٍ في الانتخابات القادمة. كما أنه أوْهَمَ جهات خارجية بأنه قادرٌ على تصدُّر المشهد بعد الانتخابات، وضمان مصالحها في السودان، مما جعله يلتزم لتلك الجهات بإلتزامات معينة، قَطَعَها على نفسه، حال تَـلقَّىٰ منها الدعم المالي اللازم لخوض الانتخابات. هذا التيار وبعد أن يئس من الفوز بنصيب الأسد في تعيينات الولاة، على الرغم من كل الصراخ الذي أحْدَثَهُ، خاب رهانه هو الأخر، ودخل في حرجٍ شديد مع الجهات الخارجية التي قَـبَضَ منها جزءاً من ثمن تعهُّداته، مما فرض عليه اللجوء للخطة “ب” وهي تقويض الفترة الانتقالية بُرمَّتِها، وليس الوثيقة الدستورية وحْدَها، واستعجال انتخابات “مُكَـلْفَـتة” ومُباغِتة، لا تتيح للخصوم اﻹستعداد الجيِّد لها، الشيء الذي قد يرفع حظوظه بالفوز فيها. يتَّضِح من كل ماسبق أن هنالك جهات داخل قحت نفسها تُصوِّب هي الأخرى على الوثيقة الدستورية، ولكنها تلعب لصالح أجندتها الخاصة، وبالتالي هجومها هذه المرة ليس بريئاً مثل أصحاب اﻷصوات اﻷولىٰ، الذين أشرنا لهم في بداية مقالنا هذا. وهذا أيضاً مما يجب وضعه في الحسبان عند تناول هذه الوثيقة بالنقد والتجريح.
(٥) ختاماً نقول إن شرعية الحكومة اﻹنتقالية ورئيس وزرائها د. عبد الله حمدوك مؤسَّسةٌ وقائِمَةٌ ومبْنيَّةٌ على هذه الوثيقة الدستورية، على الرغم من كل القصور الذي يعتريها، والنقد الذي يمكن أن يُوجَّه لها. وبناءاً على هذه الشرعية يتعامل العالم الخارجي مع هذه الحكومة، ويُؤدِّي د. حمدوك مهامه. وعليه في تقديري لا يستطيع د. حمدوك أن يَنْقُض غزل هذه الوثيقة بيديه، وينقلب عليها، حتى ولو أراد هو ذلك، لأنه في هذه الحالة سيكون بمثابة من يُطلِق النار على نفسه. وبالتالي أرىٰ أن محاولات تغيير هذه الوثيقة الدستورية وتعديلها يجب أن تكون بواسطة آليات التعديل الموجودة في الوثيقة نفسها، وليس بالدعوة لإنتاج واقع سياسي بديل. أيضاً يجب أﻻ يَظُنَّن أحد أن أمر الشرعية الذي تتمتع به هذه الحكومة هو أمر معنوي فقط يمكن تجاوزه بسهوله، أو أن التأسيس لبديلٍ عنْهُ أمرٌ ميسور وفي المُـتَنَاوَل، وذلك ﻷن تحقيق اﻹجماع الشعبي في مثل أمور كهذه قد يكون مستحيلاً. كما أن واقع البلد المعاش حالياً لا يسمح بأيِّ هزات عنيفة أخرىٰ، أو الدخول في متاهات سياسية قد ﻻ يكون الخروج منها متاحاً. كما أنه في حالة تقويض هذه الوثيقة، ونَقْضِ شرعية هذه الحكومة، من يضمن أن الفريق البرهان سيقوم بالتنحي عند نهاية فترته المنصوص عليها؟ بَلْ من يضمن ألَّا ينقضَّ أيَّ عسكري مغامر – ومحسوب على النظام البائد – على السلطة، بدعوىٰ عدم شرعية الحكومة القائمة، فضلاً عن فشلها الحالي في مواجهة اﻷزمات؟! علينا جميعاً أن نُدرِك أن التغييرات المتكررة والدراماتيكية للواقع السياسي القائم في الدول عادةً لا تؤدي لتحقيق التطلعات والآمال المنشودة، بل قد تقود للفوضىٰ، وفتح الأبواب للتدخلات الخارجية، وضياع الدول. وأن الاستقرار – حتى ولو كان قائماً على أوضاع سياسية غير مثالية – هو شرط ضروري لإحداث النهضة والتقدم للدول والشعوب. كما أنه يجب علينا أيضاً أن نَعِي أنه في عالم السياسة لا يمكن تحصيل كل المكاسب جملةً واحدة، ولكن بالنَـفَس الطويل، والتَّـدَرُّج، والصبر، والتَّمَسُّك بالمبادئ، وعدم الحيْد عنها، وتفويت الفرصة على اﻷعداء والمتربصين، تتحقق اﻵمال المنشودة، ونصِل للأهداف المرجوة بإذن الله..
والله من وراء القصد

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال