‫الرئيسية‬ تحقيقات معمر موسى وميخائيل بطرس.. اعتقال بلا مُحاكمة!
تحقيقات - 12 أغسطس 2020

معمر موسى وميخائيل بطرس.. اعتقال بلا مُحاكمة!

ويني عمر

منذ أكثر من شهرين وحتى الآن، يقبع معمر موسى، عضو تيار المستقبل، مُعتَقلاً دون توجيه أيِّ تهم رسمية له، ودون أي أن يُقدَّم إلى مُحاكمة، بعد أن حُرم من مقابلة محاميه لأكثر من ثلاثة أسابيع حتى الآن.

معمر موسى، 32 عاماً، والذي نشط في معارضة الحكومة الانتقالية، وقاد عدة تظاهرات، كان آخرها احتجاجاً على اعتقال الطيب مصطفى بواسطة لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة، ليُطلق سراح مصطفى بعدها بعدة أيام بينما بقي معمر معتقلاً!

يُواجه معمر الآن بلاغات أمام نيابة الجرائم المُوجَّهة ضدَّ الدولة وفقاً للقانون الجنائي السوداني وقانون محاربة الإرهاب لعام 2001 وقانون تمويل الإرهاب لعام 2014.

بعد اعتقال معمّر بعدة أيام، اعتُقل ميخائيل بطرس، مساعد رئيس تيار المستقبل للشؤون القانونية من داخل مقرِّ مركز “مناظير جديدة” بوسط الخرطوم. ومنذ الثاني من يوليو ظل ميخائيل معتقلاً لدى حراسات الشرطة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، ولا يُسمح بزيارته أو مقابلة محاميه أو أيٍّ من هيئة الدفاع الخاصة به.

كما تمَّ اقتحام مقر المركز بوسط الخرطوم، وفُتِّش وصُودرت منه أجهزة كمبيوتر.

(ميخائيل بطرس)

وانتشرت مُؤخَّراً دعوة لوقفة احتجاجية أمام رئاسة الوزراء تُطالب بإطلاق سراح معمر موسى وميخائيل بطرس، بعد أن طال اعتقالهما دون أي تهم ودون أي يُقدَّما لمحاكمات.

ويقول أحد محامي هيئة الدفاع، الأستاذ أحمد السني المحامي، إنه غير متأكد حتى الآن من المُسوِّغات التي دفعت بالشرطة لاقتحام وتفتيش مقر تيار المستقبل، وإنه طالب بالاطّلاع على إذن تفتيش المقر، ولم يطَّلع على نسخة من إذن التفتيش حتى الآن.

لم يُسمح لمعمر موسى بمُقابلة محاميه لليوم الواحد والعشرين على التوالي في انتهاك آخر لحقه كمُحتجزٍ على ذمة قضايا، بينما لم يُسمح لميخائيل بطرس بمقابلة محاميه أو أيٍّ من أفراد أسرته حتى الآن.

بدأت القصة، في الثاني من يونيو، عندما ألقي القبض على معمر موسى من داخل مقر لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة. يقول زملاء لمعمر بتيار المستقبل كانوا برفقته عندما ألقيَ القبض عليه، إنهم كانوا جوار مقرّ اللجنة عندما أراد الصلاة في المسجد المُلحَق بمبانيها. ويبدو أن بعض الحاضرين تعرفوا عليه، وتعرَّض للاعتداء الجسدي من قِبل بعض الحاضرين في مقر لجنة إزالة التمكين وقتها، وفقاً لمرافقين له من أعضاء تيار المستقبل، وألقي القبض عليه ووُجَّهت نيابة لجنة إزالة التمكين تهمة تحت المادة 14 من قانون إزالة التمكين.

صورة (1): اول طلب تقدمت به هيئة الدفاع للنيابة بشأن الاسراع في التحرى مع موكلها معمر موسى.

صورة (2): أحد قرارات نيابة إزالة التمكين بخصوص الفحص الجنائي لهاتف المتهم ومحتواه.

 

وبينما كانت هيئة الدفاع تُحاول استئناف قرار الحبس على ذمة التحقيق في التهمة المُوجَّهة إليه وفقاً لقانون إزالة التمكين، تمَّ تحويل المُهتَّم من نيابة إزالة التمكين إلى نيابة الجرائم المُوجَّهة ضد الدولة ليُواجه بلاغات مفتوحة ضده تحت المواد 5/6 من قانون الإرهاب لسنة 2001، المادة 36 من قانون تمويل الإرهاب 2014، والمادة 51أ من القانون الجنائي السوداني، والمُتعلّقة بإثارة الحرب ضد الدولة. وتصل عقوبة هذه المواد للإعدام، أو السجن المؤبد.

يمثل ما يحدث لمعمر موسى انتهاكاً لحقوق دستورية عدة، أهمها الحق في محاكمة عادلة، حيث ينص الفصل الرابع عشر والخاص بوثيقة الحقوق والحريات في الوثيقة الدستورية على الحقِّ في المحاكمة العادلة في المادة “51”، والتي تتضمن الحق في إعلام المقبوض عليه بالتهم الموجهة إليه وبحقه في التقاضي من دون إبطاء غير مُبرَّر أمام المحكمة.

يصف عضو هيئة الدفاع عن معمر موسى وميخائيل بطرس، المحامي أحمد محمد أحمد، البلاغات الموجهة إليهما بأنها ذات طبيعة سياسية لشل حركة معمر ولإبقائه في الحراسة لأطول فترة مُمكنة، لجهة أنها خطيرةٌ وتصل عقوبتها للإعدام أو السجن المُؤبَّد، ويضيف: “بناءً على عدم وجود بينات أوَّلية، طالبنا النيابة في الطلب الأول بشطب البلاغ أو الإفراج عنه بضمان؛ والآن استأنفنا القرار وفقاً لحيثيات بعينها تتعلَّق بعدم وجود شاكٍ واضح، وأنه بلاغ كيدي، طالبنا بشطب البلاغ واحتياطيّاً أن يُطلق سراحه بالضمان، وأعتقد أنه مواطن سوداني مدني لا ينتمي جهة عسكرية ولا يشكل إطلاق سراحه تهديدا لأمن المجتمع، فيجب إطلاق سراحه، أو أن يُشطب البلاغ في مواجهته”.

في تعليقه على هذه القضية يقول الناشط الحقوقي والمدافع عن حقوق الإنسان عبد الله عيدروس، إن المدافعين عن حقوق الإنسان قد درجوا في السنوات الماضية على التركيز على الانتهاكات التي تحدث بالتعارض مع الدستور ومع وثيقة الحقوق، بينما تمَّ إهمال الانتهاكات التي تحدث داخل النظام العدلي نفسه، رغم أنها الأكثر تكراراً ورسوخاً في النظام والأوفر عدداً من الضحايا.

ويضيف عيدروس: “في الحالة الماثلة أمامنا للمتهم المحتجز معمر موسى، يتم توظيف المواد الموجودة في قانون الإجراءات الجنائية لإبقائه قيد الاحتجاز بتمديد فترة التحري وتقديم دعاوى مُتتالية ضده، وكلّما تم شُطبت إحداها تظهر أخرى جديدة، وحتى الآن لا أعتقد أن النيابة تملك دعوى مبنية على حيثيات واثقة، بل إن قرار الاحتجاز سابق على فتح الدعاوى ضده،  وهو انتهاك للعدالة يأخذ شكلَ تطبيقٍ لمواد قانون الإجراءات الجنائية الساري، ووجود القانون لا ينفي شبهة استغلال السلطة والنفوذ لاحتجاز مواطن، ويُشبه وضع معمر موسى أوضاعاً مُمَاثلة في دول أخرى مثل مصر، حيث تضيع سنوات طويلة على المتهمين وفق قضايا كبيرة لا تملك الدولة أدلَّة عليها، ولكنَّ الاحتجاز الذي يأخذ شكلاً قانونياً يُؤدِّي غرضه السلطوي في تقييد حرية المواطنين من دون وجه حق”.

خلال هذه الفترة، تمَّ نقل معمر موسى بين عدة حراسات، بما فيها التحقيقات ببحري، سجن الهدى، ومن ثم لمكان حبسه الحالي بقسم المقرن. ووفقاً لما تم من إجراءات، يتساءل عيدورس عن طبيعة التهم الموجهة لموسى: “نحن نتساءل: لماذا لا تُعلِنُ النيابة عن الحيثيات التي تم بموجبها احتجاز معمر موسى؟ ففترة الاحتجاز التي فاقت الشهرين كافيةٌ لبناء قضية، وإما إن لم تكن كافية فلا مُبرِّر لاحتجازه”؛ ويضيف أن حالة معمر موسى تُشبه قضايا كثيرة مفتوحة حاليّاً ولا يُوجد ما يدلُّ على أن الدولة تبني قضايا قوية في مواجهة المتهمين مثل المحاكم التي تجري لرموز النظام السابق، وهذا التسرّع قد يُضِيع علي الشعب إمكانية تحقيق العدالة في المستقبل، إذ إن اللاقضية خير من القضية الضعيفة – يواصل عيدروس – لأن الأخيرة  إذا تمَّ شطبها في مواجهة المتهمين لا يمكن وبنص القانون رجوعاً لمبدأ “حجية الأمر المقضي فيه”؛ فتحها مُجدَّداً إلا بحيثيات جديدة، وهو الأمر الذي سيجعل الأدلة المتوفرة حاليّاً لا قيمة لها في المستقبل إذا أرادت النيابة تحريك إجراءات مرّة أُخرى ضدَّ نفس المتهمين، وهو ما يُعتبر تفويتاً لحقِّ الشعب في العدالة والمحاسبة والاقتصاص.

يقول محامي معمر موسى، أحمد محمد أحمد، إنه تم التحري مع موكله  لمرَّة واحدة طوال فترة الاعتقال، وإن طلبات مُوكِّله  تتعلَّق بشطب البلاغ أو إطلاق السراح بالضمان، لأنه لا توجد بينات أولية؛ بينما يتم التحرّي معه بخصوص تكوين أجسام إرهابية وجمع أفراد لإثارة الحرب ضد الدولة، وقد وُجِّهَتْ هذه التهم لآخرين، بينما كان معمر داخل الحراسة.

كما أكد أنهم وافقوا على أن يتمَّ فحص جهاز الهاتف الخاص بمعمر موسى والذي وُجِّهَتْ له تهمٌ وفقاً له، واشترط معمر موسى حضور محاميه ووكيل نيابة لحضور عملية الفحص، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

يقول المحامي: “ميخائيل بطرس، طالب جامعي، لم يُسمح لنا كمحامين ولا لأسرته بمقابلته، ورفضت النيابة طلب مقابلة موكلنا ميخائيل بطرس، وهو الآن موجود في حراسات الشرطة الأمنية، وهي حراسات مُخصَّصة لاعتقال قوات الشرطة نفسها، وليست للتحفّظ على مواطنين مدنيين”؛ يضيف: “نخشى أن يكون تعرض لتعذيب، وهو يعاني من مشكلات صحية، وأسرته قلقة جداً على وضعه الصحي والقانوني”.

وتقدم المحامي بطلب لشطب البلاغات المُقدَّمة في مواجهة ميخائيل، وهي نفس البلاغات التي يواجهها معمر موسى، والمُتعلّقة بتمويل الإرهاب وإثارة الحرب ضد الدولة. ويتساءل المحامي: “لا نعرف ما هي الحيثيات التي بُنيت عليها هذه البلاغات ضده”.

 

صورة (3): الطلب المقدم للنيابة للافراج عن ميخائيل بطرس.

 

وبخصوص الانتهاكات التي يتعرَّض لها موكلاه، يعتقد أحمد السني، أن هنالك انتهاكات للحقوق القانونية، فحُرم ميخائيل بطرس من مقابلة محاميه، ولم يلتقِ به حتى الآن. “الحق الذي حفظه القانون في تواصل المتهمين مع محاميهم يكمن في أهمية مباشرة إجراءاتهم القانونية، وهذا حق حُرِمَ منه ميخائيل؛ كما أن وكيل النيابة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة رفض طلباً قُدِّم له للسماح للمحامين أو أفراد الأسرة بمقابلته”، يضيف السني؛ ويقول إن معمر موسى عندما عندما تم تحويله من نيابة إزالة التمكين لنيابة الجرائم المُوجَّهة ضد الدولة مكث أكثر من عشرة أيام دون تحرٍّ ودون أي إجراء قانوني، فيما يُشبه الاعتقال التحفّظي، “وهذا يشكل انتهاكاً لحقوقه”.

ومن وقتها  – يؤكد السني – يتم تجديد الحبس دون أي مثول أمام أي قاضٍ، وفي هذا انتهاك للمادة 79 من قانون الإجراءات الجنائية.

وبخصوص الإجراءات النيابية حول القضية، يقول محامي المتهمين، إن النيابة تُماطل في الفصل في الطلبات التي تُقدَّم لها، واعتبر الأمر انتهاكاً، كما ترفض طلبات تخص مقابلة المتهمين لأسرهم. ويضيف: “كما أننا نشكك في حيادية النيابة، هي نيابة حديثة الإنشاء، وهيكلتها لم تكتمل، وإن النيابة ليس لديها أمر تأسيس واضح، كما أن الدرجات الاستئنافية غير واضحة، لنواصل عملية استئناف القرارت التي تصدر عنها”.

ويرى السني ان النيابة يجب أن تستعجل في تحويل البلاغات إلى المحكمة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

يقول مهند مصطفى المحامي والمدافع عن حقوق الإنسان: “في تقديري أنه لا زالت نيابة أمن الدولة تمارس نفس الممارسات التي درجت على ممارستها خلال العهد المباد، ممارسات متعلقة بفتح بلاغات الغرض منها الإبقاء على المتهمين لأطول فترة ممكنة، لأنه لا يجوز الإفراج فيها بالضمانة”، ويضيف: “ما حدث مع معمر لا يعدو أن يكون تكراراً للتجارب السابقة مع النيابة، فالوقائع البسيطة والواضحة للعيان أنه تم القبض عليه من داخل مبنى لجنة إزالة التمكين، وتم فتح بلاغ في نيابة إزالة التمكين، وهذا يمثل تعارضاً، إذ لا يمكن أن تكون لجنة إزالة التكمين هي الجهة الشاكية، وفي نفس الوقت تؤدي دور النيابة”.

ويقول مهند إن “تحويل معمر موسى لنيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة يعني أن هنالك بينة تم الحصول عليها من قِبَلِ هذه النيابة، ومتعلقة بارتكابه جريمة إثارة الحرب ضد الدولة أو الجرائم الأخرى المتعلقة بجرائم الإرهاب أو غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهي تهم يكذبها واقع الحال، إذ لا يمكن الحصول على أدلة أو بيّنات خطيرة على هذا المستوى، إلا باعتراف المتهم نفسه، وهذا ما لم يثبت حتى الآن”؛ واعتبر الأمر تعسفاً في استخدام الحق.

وأيضاً يقول: “يصعب تصديق أن يكون المتهم الحالي متهماً حقَّاً بهذه الأفعال، فالبلاغ المفتوح بموجب المادة (٥١ أ) مثلاً يعني وجود بينة مبدئية لإثارة المتهم الحرب ضد الدولة عسكرياً، وكذلك في المادتين 5 و6 من قانون الإرهاب والمعنيَّتَيْن بارتكاب فعل لتنفيذ غرض إرهابي وإدارة منظمات وشبكات إرهابية، جميعها لا يمكن أن تكون مُنطبقة على شخص جريمته الأساسية هي دخول مبنى لجنة إزالة التمكين وتصوير سيارات بداخله، ولا يمكن أن تكون التحريات قد أسفرت عن معلومات خطيرة كهذه، وتتعلق بشخص واحد وليس هناك متهمون آخرون معه”.

هنالك أمر آخر، يتعلق بأن الجرائم التي تصل عقوبتها إلى الإعدام  أو السجن المؤبد لا يجوز فيها إطلاق السراح بالضمان – يقول مهند – لكن درجت نيابة أمن الدولة على الإفراج بالضمان عن متهمين في بلاغات كهذه، وقد حدث هذا من قبل في قضايا كثيرة حتى في العهد السابق، كقضية تراكس مثلاً، إذ تم الإفراج عن بعض المتهمين بالضمانة العادية، والآن هنالك متهمون في البلاغ الخاص بانقلاب 1989 تم الإفراج عنهم بالضمان، ولذا قد لا يُشكّل الإفراج بالضمان خطورة على هذا الشخص أو على حياته (فكبار رجالات الإنقاذ ما زالوا خارج السجون ووسط الناس دون ان يتعرَّضوا لأيِّ أذى).

ويضيف: “كذلك فإن احتمال وجود خطورة من هذا الشخص حال تم الإفراج عنه تكاد تكون معدومة، فليس ثمة ما يمنع الإفراج عنه بالضمان”.

ويعتقد مهند أن القضية بجملتها تمثل هذا اختباراً مُهمَّاً للمدافعين عن حقوق الإنسان، وأيضاً تمثل اختباراً للنيابة القائمة حالياً، والتي تحوَّلت مُهمَّتها من القبض على معارضي النظام السابق إلى القبض على معارضي الحكومة الحالية تنفيذاً تنفذ لرغبة السلطان. ويضيف: “نقول ذلك على الرغم من خلافاتنا المبدئية والسياسية مع النظام السابق وأعوانه، والتي يجب أن لا تؤثر على مواقفنا المبدئية من قضايا الحقوق”.

 

 

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 5 / 5. Total : 1

كن أول من يقيم هذا المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *