
وضاع الأمل
قصة قصيرة_ احلام اسماعيل حسن
كانت أسرة سوسن تتكون من والديها وأخوتها الخمسة وكان أبوها هو ما تتمناه أى فتاة أن يكون أباً لها .. فقد كان عطوفا رؤوماً يجود بالحب والحنان والدفىء على كل أفراد عائلته … كانت حياتها كلحن جميل يروى الهناء والحبور
كانت أحلامها تشابهها تماماً فهى جميله غضه مليئة بالأمل والحياة . كان كثيراً ما يحلو لسوسن أن تجلس مع أبيها وتجد متعة كبيرة في حديثه معها بل أن سوسن كانت تجد متعه فى كل الدنيا من حولها لذا كانت كثيرة المرح والإبتسام
كانت متفوقه في دراستها وكان الفضل فى ذلك يعود لأمها تلك المخلوقة الرائعه المليئه بالحب والحنان ..
كانت أمها تجلس معها كل يوم لإستذكار دروسها .. كانت العائلة تجتمع كل يوم على مائدة الغداء يتجاذبون أطراف الحديث ويروون كيف كان يومهم … وكانت الحياة حلوة بطعم السكر النقى .. كانت كفضاء عريض صاف تسبح فيه سوسن وتحلق بعيداً لتحتضن عالم أحلامها فيحتويها ذلك الفضاء النقى الذى إستنشقت هواءه فكانت تخال مستقبلها مشرقاً واعداً زاهياً يبشرها بمضاعفة سعادتها وهنائها ولكن منذ متى كانت الحياة جنة خالده تتضاعف فيها السعاده ويتلاشى فيها شقاء الدنيا ..؟؟
في ذلك اليوم الغريب نظرت سوسن الى الدنيا ذات الوجه الملائكى الجميل الحنون لتراها فى ذاك اليوم وهى تنظرإليها مكشرة أنيابها كوحش كاسر… هكذا .. فجأة وبلا مقدمات مات والد سوسن … إنهار بموته كل ماهو جميل تناثرت الأحلام وتلاشت الأمانى لتحول لحن الحياة الجميل الى أصوات مزعجة مخيفه وإستحالت الأحلام الواعده الى كابوس مخيف … الى كابوس مروع …. وإمتلات سوسن بالخوف والفزع والحزن
وتساءلت ماذا فعلت كى تستحق نظرة الإزدراء والإستخفاف التى علت وجه الدنيا التى لم تعد ترحم
عندما أخبرتها أمها بوفاة أبيها أحست سوسن بأنها قد فارقت حبها وصارت تنظر الى نفسها وأمها من بعيد ….
في صباح اليوم الثانى لوفاة أبيها تساءلت سوسن كيف تجرؤ الشمس على الشروق وقد مات والدها ؟ كان يـُخيل لها أن الكون يجب أن يتوقف بموت والدها وأن تشرق الشمس من مغربها معلنة قرب قيام الساعة فالدنيا بالنسبة لها هى أبيها الذى رحل فلا دنيا بعده !! تساءلت كيف ستعيش حياتها فى هذه الدنيا التى خلت من وجه الأب الطيب ؟
كيف ستصم أذنيها عن سماع صوته الذى طالما غرس فى قلبها الدفىء والأمان ؟
كيف ستغمض عينها عن رؤية أحب من تحب ؟ كيف كيف وكيف ؟؟ كانت سوسن كثيراً ما تستيقظ من نومها وتتمنى لو أن ما حدث مجرد كابوس لاوجود له فى واقعها ولكن كانت تلك هى الحقيقه
كانت سوسن قد بلغت سن السابعه عشر عندما مات والدها وكان جد سوسن والد أبيها قد إنتقل لمنزلهم كى يوفر لهم الحمايه وكى يعين أمها على تربيتهم فكان ذاك الجد لايؤمن إلا بقبضته الحديديه وسياسة الحديد والنار وكان لا
يؤمن بأن للفتيات أدنى حرية فى إختيار أزواجهن أو فى إتمام تعليمهن .
بعد وفاة والد سوسن بشهرين جاءت إحدى السيدات لزيارة والدة سوسن أعجبت السيدة كثيراً بسوسن وبجمالها الفريد وبعد إسبوعين عادت تلك المراة مرة أخرى بصحبة زوجها وإبنها المهندس الذى كان يعمل بإحدى دول الخليج
وفى تلك الزيارة أعجب المهندس بسوسن وحدث نفسه …. : أىُ جمال هذا ؟ أهو فى حلم سيصحو منه أم أنه حقيقة ؟ هذا الجمال رغم أسفاره لم يشاهده فى كل الأمكنة ، هذا جمال ملهمات شعراء الحقيبة …
فى نهاية تلك الأمسيه أخبر الجد سوسن بأن ذلك المهندس وأسرته قد تقدموا لخطبتها وانه أى الجد قد وافق على تزويجها من ذاك المهندس …!!
بهتت سوسن تماماً من ذلك القرار العجيب … أبهذه السهولة يتقرر مصير إنسانة لها أحاسيس ومشاعر ؟ ولم تستطع أن تتفوه بكلمه . شلـّت الدهشه حركتها فكانت تفكر كيف يفعل جدى ذلك كيف يزوجنى دون أن يكون لى رأى فى حياتى كيف يتصرف وكأنى دمية يملكها … حاولت سوسن أن تصارح جدها بما يعتمل في نفسها لكنه نظر إليها نظرة لن تنساها لآخر يوم فى حياتها … ثم صار يصرخ فى وجهها ويضربها .. جرت سوسن لتحتمى بأمها التى كانت تهاب الجد كثيرا فقالت لها أمها بأن الجد قد إتخذ قراراً لا يمكن الرجعة فيه ثم إن أمها كانت تبارك من بعده
فكرت سوسن كثيراً حتى هداها تفكيرها لأن تتحدث مع ذلك العريس لعله يتفهم وضعها ….
وذات يوم جاء العريس المهندس لزيارتهم فأخبرته سوسن بأنها لاترغب فى الزواج منه . سألها إن كانت على علاقة باحدهم ؟ فأجابته سوسن بأنها ليست على علاقة بأحد ، لكنها لا تحمل فى قلبها أية مشاعر له وأن جدها يرغمها على زواج ليس لديها أية رغبة فيه ..
إندهشت سوسن عند سماعها إجابة المهندس العريس بأن الحب يأتى بالعـُشره وبعد الزواج وأنه لن يتراجع عن زواجها طالما أنها ليست على علاقة بشخص آخر … كانت صدمه سوسن كبيرة لاتوصف ..
حاولت مرة أخرى مع جدها الذى لم يقابلها بغير الضرب والصراخ بل أنه أعلن انه بعد أيام قلائل سيكون الزواج ..
أحست سوسن بأنها فى ضوضاء كبيره تصرخ بأعلى صوتها بلا مجيب
لم يكن هناك من يحس بآلامها ومعاناتها ولكم إفتقدت والدها وأحست تماماً بأنه قد مات الآن فازدادت سوسن غربة وهى فى وسط أهلها بل أن غربتها الكبرى كانت مع نفسها .
وجاء اليوم الموعود لم تكن سوسن قد خلدت ولو لحظة إلى النوم فى الليلة السابقه فقد قضتها وكأنها فى الجحيم ، تلك الليلة التى تحلم بها كل فتاة ولا تنام ليلتها فرحاً عاشتها سوسن غماً وهماً ولم تكف عينها عن البكاء لحظة واحده . كانت كل قريباتها من هن فى سنها قد حضرن ليشاركنها الفرحه وكن منشغلات بتجهيز أنفسهن للحفل الكبير الذى سيحيه أكبر فنانى المدينه ..
كان كل ماحول سوسن جميل لكنه عكس ما يدور بدواخلها التى إستحالت الى ظلام دامس وكان قلبها يختنق ألماً ووجعاً أُخذت سوسن الى محل الكوافير حيث أُلبست ثوبا أبيضاً جميلاً لم تلبس مثله فتاة فى المدينه قبلها . فقد أحضره العريس خصيصاً من بلاد الضباب ….
كانت سوسن تبدو شديدة الجمال فى ثوبها الأبيض ورغم حـُـزنها فقد بدت وكأنها من أميرات الجن اللائى ليس لهن مثيل فى البشر . كان يحيط بسوسن اثنى عشر من قريباتها فى مثل سنها وهن يرتدين الأبيض ويحملنّ شموعاً مـُـضيئة .كان كل شئ يبدو وكأنه صورة أُخذت من الف ليله وليله . كانت كل واحدة من هؤلاء الصبايا تتمنى أن تكون هى سوسن داخل هذا الزفاف !! لكن سوسن كانت تحس أن هذا الفستان الأبيض هو عبارة عن كفن يحتوى مشاعرها وأحاسيسها وأن هذا الجمع هم عبارة عن المشيعون الذين يحملون نعشها إلى المجهول …
عندما وصلت سيارة العروس الى قاعه الزفاف أحاطت الفتيات الاثنى عشر بسوسن التى كانت تنظر حولها بنظرات طائشة لا معنى لها ،،، ترسل نظرة هنا ونظرة هناك وكأنها تبحث عن من ينقذها من هذا الوهم ،، كان هنالك إحساس عنيف يدفعها لمواصلة نظراتها بأسرع ما يمكنها فهى تسابق الزمن ، يا ترى ماذا يحدث إن ظهر أبى فجأة من رحم الغيب ، أنا واثقة أنه رحل لكن إحساسه بى أقوى من الرحيل …
جمعت سوسن كل ما تبقى لها من قوة وصوبت نظرة إلى … إلى أين ؟؟
الى تلك الشموع المضيئه وكأنها تتساءل أين أجد الأمل ؟؟ وفجأة أرسلت السماء رزازاً خفيفاً أطفأ كل الشموع فمات الأمل ….

