
الحائكُ على مِنْوَالِ الفراغِ (إعادة تدوير لقصة قصيرة)
زياد محمد مبارك
اعتدلَ لديه الليل والنهار في ميزان اليقظة فلم يعدْ يدري في أيهما هو. يحوكُ ذهنُه على مِنوَال الفراغِ ليتذكَّر اسمَهُ فيطيشُ جهدُه سدًى في غيوم النسيان. تبدو تلك الليلة باهتةً في غورها عميقاً، بعيداً، نائيًا، عمَّا يعيه الآن واضحاً في وعيه بحضوره في الوجود عارياً من أية ذكرى يتعمَّمُ بقماشها رأسه. تبدو ليلةً كما السُّورِ أُقيمَ ليفصِلَ بين: ما بعدها إذ يتراءى له فيضُ الوقتِ وقد انسربَ منها يتموَّجُ عابثاً بكُنهِ المواقيت، وما قبلها إذ العدمُ يتمطَّى في فِراشِ ذاكرته بهيئةٍ أزلية.
كان ذلك كل ما يذكره، ليلةً واحدةً كأنها جُرمٌ سماوِيٌّ يلوحُ وحده في فضاءِ عمرِه. استغرق كثيراً في التنقيب بأراضٍ متراميةِ الأطراف تخيّلها صحراءَ واسعة ممتدَّة، حفرَ سحيقاً في طبقاتها إلى حيثما ظنَّ ذكرياته مُدْرَجَةً تطوي أياماً ومواقيتَ وليالي. ولا شيء مدفونٌ هنا، ثُمَّ لا شيء مدفونٌ هناك، وإذ الرَمْلُ يشابه الرَمْلَ.
ولمَّا استقرَّ في إدراكه أن الحبل يسحب دلوَه ممتلئاً بالتفاصيل ذاتها من بئر الذاكرة المظلمة، تماهى في يقينه أن الإمساك بخيطٍ من الضوءِ يقوده من حُلكةِ ماضيه المجهول إلى تمثالِ اللحظة الراهنةِ في آنه وأينه كفيلٌ بأن يُريه في نحتها شخصه مُعرَّفاً بألفِ ولامِ التذكير، فمضى نكالاً للنسيان وكيدِ الذاكرةِ إلى تلك الليلة يقلِّبُ أوراقها.
كانت أعضاؤه تمارسُ ارتخاءً كسولاً في جلسته شبيهةِ الاِستلقاء على الظهرِ، يمدُّ قدميه إلى آخرهما غائصاً بجسدِه في إسفنجِ كرسيِّ الجلوس، تغطِّي نصفه الأعلى الصحيفةُ المفرودةُ فوق عينيه اللتين تسلبان منها أخباراً تزيده ضجراً وتأففاً، أو لا ينجح تشاغله بالقراءة في طرد الضجر من زوايا نفسه. كان يجلس مع آخرين تعلو وتخفت أصواتهم، ولا يرون منه غير قدميه اللتين تسللتا من تحت الصحيفة. ومتثاقلاً استوى في جلسته ملقياً بالصحيفة إلى جواره وتعلّقت نظراته سارحةً تهيمُ خارج المكان وراء النافذة في السماءِ المُنارَةِ بالقمر إذ صادفت الليلة ليلة تمامهِ بدراً يمارسُ طقس إعلانه النوراني باحتشادِ الأهِلَّةِ. تعلَّقتْ نظراتُه سارحةً خارج المكان وراء النافذة، لا بالبدر، فقط وراء النافذة، وفكرهُ يحتطبُ أخشابَ أفكاره ويراقب شرارات اشتعالها تنوسُ في ذهنه.
ستارةٌ بيضاء من شقَّين، يتدلى كل شقٍّ من أعلى النافذة ليندسَّ وراء مصراعيها المفتوحين، ومن أسفل كل من المصراعين تهفهفُ الريح ما انسدل من الستارةِ الشقِّين فيهتزَّان على جانبي النافذة بحركةٍ خفيفة. طاولةٌ خشبيةٌ في منتصفِ الصالةِ الفسيحةِ، تنتثرُ عليها أطباقٌ شواهدٌ على ما تبقَّى مما امتدت إليه الأيدي: فواكه ومخبوزات وقطع جاتو، بعضها ناشتها الأسنان وبعضها مكتملة التقاسيم. تتوزَّعُ عليها أكواب وكؤوس و(جكوك) تحتوي عُصارَة الفواكه وقوارير مياهٍ معبأة بميكنةٍ صناعيِّة وحافظات لحرارة الشاي والقهوة. تتبعثر عليها آنية خزفٍ بها سكر، وملاعق وأشواك نظيفة وملطَّخة بالكريم والشوكولاتة. تنبسطُ عليها فوطةٌ يختلطُ تطريزُها المزخرَفِ الأسود ببياضها، تهدَّلت أطرافها حول الطاولة دانيةً من الأرض، وذات الريح تحرِّكها حركةً خفيفة حين تجوسُ في الصالة وتلغي الحاجة إلى تشغيل مكيِّفات الهواء بكمشتها إذ تغرفُ من طقس الليلة الباردة.
في كرسيه المتباعدِ عن الطاولةِ انتبه إلى الأريكةِ المتقاربة من الطاولة وما جاورها من أثاثٍ كرسيين اثنين، على وقع الأصوات البادئة في ارتفاعها وتداخلها يتخلَّلها الضحك. منزعجاً لإخراجه من شروده وكمونه في هدوء المكان الذي كان سائداً مع خفوت أصوات رفاقه الجالسين على الأريكة والكرسيين، خمسة أصدقاء تشاغلوا عنه وتشاغل عنهم بما عكَّر صفاء مزاجه وأضجره. كان قد جاء إليهم ليتسلى معهم ووجد أن الفتيل الذي قُدح في رتينة رأسه سدَّ عليه منافذ الانصراف عمَّا سواه وقبض فرص الفكاك بسطوة أكاسيد الأفكار المتفاعلة. تنهبُ لعناته المكتومة فلاة نفسه إلى لسانه وترجع ليحبسها فتزيده كمداً فوق كمدٍ، وتضيفُ ألماً إلى ألمه. سيريحه أن ينفجر مثل الكون في صبحه الأول، ولكن أنَّى له؟ غرس تساؤله بداخله وسقاه بغيظ.
كان النقاش الصاخب حيث الأريكة والكرسيين الاثنين والخمسة رجال الأصدقاء، المتباعدين عنه الأقرب إلى الطاولة، يدور حول اهتمامهم المشتركِ، الخليةِ التي جمعتهم كالنحل منذ سنوات، عن الثقافة والأدب، الرواية والقصة والنقد، الندوات والمقاهي الثقافية، النميمة الأدبية: المؤدبة وغير المؤدبة، آخر الأخبار الثقافية، الإصدارات مجلات وكتب. كانت الصالة صالونهم الثقافي، يجتمعون وحدهم كشلَّةٍ لا تستضيف في صالونها أحداً، وبصورةٍ أسبوعيةٍ ينزلقُ الرجالُ الستة إلى الصالة كالمعصم يحيطه سوارٌ ولكن لستَّةِ أصابع. وفي تلك الليلة يذكر أنه سحب الكرسِيَّ بصمتٍ متباعداً عنهم، لاجئاً إلى الإسفنج الوثير، مغطياً نصفه الأعلى بصحيفةٍ تعودُ أخبارها لثلاثةِ أشهرٍ خلَتْ، سبق له أن قرأها في ذات يوم إصدارها، وبضجرٍ تشاغل بإعادة تصفُّحِها لعل هناك خبراً قديماً جديداً أفلت من قراءته السابقة. تركوا له حاله ينصبُه كيفما شاء، وتشاغلوا عنه، أكلوا وشربوا وبسطوا بساط الأُنسِ، الرجال الخمسة على الأريكة والكرسيين الاثنين.
مع انتباهته لهم انتبهوا له، في البدء ظنَّ ذلك ثم أدرك أن لحظة انتباهه لهم فضحت انتباههم له مسلِّطين نظراتهم بأعينٍ سليطة عليه وهم يضحكون ويتغامزون ويلكزون جُنوبَ بعضهم بمرافقهم، حملَته أمواجهم الساخرة للانتفاضِ من كرسيه وثيرِ الإسفنج وحَمْلِه على ظهره ماضياً إليهم، بعد أن جرَّه جرَّاً نائيًا بنفسه عنهم. ولمَّا ألقى حِمْلَ ظهره بقرب الأريكةِ والكرسيين الاثنين والرجال الخمسة والطاولة تضاءلت أصواتهم وتصيَّرت أحاديثَ خافتة تخلط مواضيع من الهنا والهناك ولكنها لا تمسُّ ذِكْرَهُ من قريبٍ أو بعيدٍ بعد افتضاحها لدى انتباهته المفاجئة.
ساورته الشكوك، “أكانوا يضحكون مما يدورُ في عقلي؟!”، تساءل في نفسه وحرَّك أصابعه متمنياً لو كانت أصابعَ الحاوي يفرقِّعُها فتنكشفُ لناظره صورة المخبوء مقبوضاً في الأيدي، وتقفز الأرانبُ من القبعة إذ يلوِّحُ بها من على رأسه، ويقرأ ما يكدِّسُه الناس بعيداً في الخواطر اللا مرئيةِ. حرَّك أصابعه، ففرقعَّت بدون أن يقصد. وعلى وقع الصوت انتبهوا وسكتوا، الرجال الخمسة على الأريكةِ والكرسيين الاثنين. إذ هو بدون أن يقصد ظنوا أنه يُسكِتهُم.
اعترشَ الصمت الصالة وألقى بظلال سكونه تُسمعُ بينها هسهسة أوراق الصحيفة الصادرة قبل ثلاثة أشهر إذ الريح ترفرفها، كَمْ دام الصمت؟ لا يذكر لِكَمْ دامَ، فالزمن كثيف الغَبَشِ، ولكنهم صمتوا كأن فرقعة أصابعه انحدرت صاعقةً هبطت من السماء يشيِّعها الرعد إلى الصالة الصالون الثقافي، مقهى الشلة المثقفة، مضارب النميمة الأدبية: المؤدبة وغير المؤدبة.
كسرَ قشرةِ الصمت يمدُّ أنف فضولِه يتشمَّمُ الخبر: “فيمَ كنتم تتحدَّثون؟”.
“أنت تعلم يا رجل، مالك واجماً هكذا منذ دخلتَ؟!”.
يا رجل! يا رجل! يا رجل. يتردَّدُ النداء في رأسه، يتردَّدُ ويرتجعُ باستقامةِ الصدى في المطِّ الدَهِشِ ورأرأة النَّبْرِ (يااااااا ررررررجل!) كاد يترك ليديه العنان تطبقانَ على عنقه وتنزعان (اسمَه) من بلعومِه منادًى بدلاً عن التنكير في إطلاقه الذي لا يدلُّ إليه بإشارةٍ تُذكِّره من هو. ولكن كيف؟ ازدحمتْ في رأسه كيف وكيف وكيف… فهو إذ يرتادُ تلك الليلة فهي كالمسرحية التي يشاهدها ولا يملكُ أن يغيَّرَ في حوارِ السيناريو أي كلمة، ولا يملك أُحبولةً من أحابيل الحاوي الماكرة ولا فرقعة أصابعه.
“مالَكَ يا رجل؟!”.
وللمرَّةِ الثانية أُجبر على لوكِ النداء وغمسِ مرارته في رِيقِهِ. “لا شيء يُذكَر، مزاجي معتكرٌ بعض الشيء!”. قال وذهنه ينساحُ مضطرباً في المشهدِ، يبدو عليه هنا معتاداً على ارتيادِ المكان مع رفاقه الخمسة على الأريكةِ والكرسيين الاثنين، والذين أُصيبت أسماؤهم بالمحو كما اسمُه كما الرَمْلُ على الشاطئ تستودعه وديعتك كتابةً يكشطها الموجُ الدافقُ بين قوسي المدِّ والجزر. وهو إذ يبحث عن خيط الضوء ليقبض من أثر الذاكرة يجد أنه رجل. “يا رجل!”، صرخ في نفسه عالياً وردّدت مآذنها النداء الخيط الذي يقوده إلى الفراغ ذاته.
أرخى أُذنيه لأحاديث رفاقه المشتَّتة في أصائص مختلفة، عن الثقافة والأدب، متظاهرين بتجاهله أو متحاشين لتكدير مزاجه المتحفِّز غيرِ الرائقِ. أكلوا لحوم عددٍ من الشعراءِ والسارِدِين والقاصِّين، حظتْ نون النسوة بملحقات من النميمة يعرفون كيف تُنتشل من وراء الأبواب المغلقة عبر ثقوب المفاتيح أو من الفرجات الصغيرة التي تفسح عن الأسرار من أفواه البعض. ناقشوا بعض المقالات المنشورة مؤخراً، الكتب التي تم تدشينها في الفترة الأخيرة، تكريم الروائي الذي كان يزحف متملقاً ليفسحوا له حيزاً في أريكةِ الشلة بجائزةٍ ماليةٍ أغنته عن وَثُرِ الإسفنجِ والصالونِ والشلَّةِ، فمرَّ بهم في ندوةٍ اِرتادوها جميعاً ولم يلتفتْ إليهم، وبدا في بدلته السوداء ذات الماركة العالمية باهظة الثمن بأُبُهَةِ وزيرٍ ثقافِيّ. وعندما ذكر أحدهم الموقف ركلوا الروائي بألسنةٍ حِدَاد كأن بينهم وبينه ما صنع الحدَّاد. طافوا حيثما حلا للنميمة أن تطوف. وعلى وقع فرقعةٍ أُخرى سكتوا، شاخصين بأبصارهم إلى صاحبهم.
“أما لو كان بين يديَّ الفانوسَ الموصوف سحرياً لفركتُه بأصابعي وأطلقتُ مارده يعلِّق أصدقائي هؤلاء من أرجلهم في السقفِ كالفوانيسِ المهجورةِ المطفأةِ التي تتكاثرُ في أجوافها العناكب. ولأمرته أن يجمع الشعراءَ والروائيين وكُتَّابَ المقالاتِ ومرتادي المقاهي الثقافية وكلَّ متصلٍ بالثقافةِ والأدبِ في سفينةٍ كسفينةِ نوح تبحر بلا هدى ولا ترسو إلى آخر الزمان. ما الفائدة التي تعود إليَّ من ذكر أسمائهم وأسمائهن بدون أن يكلف أحد رفقائي نفسه بأن يخرج شباكه من ماء هذه الأحاديث مثقلةً باسمي. أما لو كان بين يديّ الفانوسَ لفركتُه بأصابعي…”.
وانتزعتْ فرقعة أصابعه الهائمَ في رأسه يدلكُ فانوسَهُ يدعكُ بصيرته فيرتدّ إلى وجوه رفاقه الجمّاعَةِ لدهشة الفرقعة الثانية إذ يصدرها الرجل الصامت الزاهد في اقتسام رغيف الحديث معهم، ثم في تركهم له ليمتطي رغبته في الصمت يدسُّ في جيب المسافة بينه وبينهم فرقعةً أخرى تسكتهم.
تنحنح الأوسط في الأريكة، دفع الكلمات لتركض إلى لسانه بصعوبةٍ وهو يزدرد لعابه، ازدرده كثيراً وفمه يتخذ أشكالاً متغيِّرة تعبِّر عن قلقه من النتائج المتوقعة لما يودُّ قوله، وأخيراً حسم أمره كمن يود الانتحار ويمسكُ الحبلِ يشدُّه مرات ومرات ليقنع نفسه أنه بذلك يتأكد من أنه لن ينقطع حين يعلق رأسه في أُنشوطته فيصابُ برضَّةٍ يخشى آلامها أو كسرٍ يطول جبره، لا أنه يخشى التسلُّقَ الأخير مفارقاً سفح الحياة لجبلِ الموت نفسه. قطع الأوسط في الأريكة دابر تردُّدِه وألقى قوله، “وليكن ما يكن”، حدَّث نفسه، وقال:
“جميعنا نعلم أنك غاضبٌ لما فعله عبد السميع معك، ونحن ضحكنا كما هي عادتنا نسخرُ حتى من ذواتنا، نرجوك أن تنسى الأمر، لن نغفر له زلته وسنردُّ له الصاع صاعين، اتفقنا جميعاً؛ أنا وحسن وعزّام وأحمد وعبد العزيز، على أن نلقِّنه درساً لا يُنسى، بمكيدةٍ تتفتَّق رؤوس الشياطين فلا تأتي بمثلها…”.
“أي ربي أكُلَّ الأسماء متاحةً في الكلام إلا اسمي؟! هذا المجهول الذي هو يماثلني لو تفتَّقت رؤوس الأغبياء لما أخرجت غباءً في مجموعه يعادِلُ الغباء الذي اعتلى قمَّتَهُ وتربَّع على عرشِه. أنا فاقدٌ لذاكرتي عائدٌ أنبشُ في هذه الليلة التافهة عن تفصيلٍ يهمُّني حتى لو كان غير ذي أهميةٍ لك. ما حاجتي لأسماء رفاقنا حسن وعزّام وأحمد وعبد العزيز؟! وبماذا تفيد معرفة ما فعله عبد السميع هذا أو غضبي منه، أتعلَّقُ بكرمِ أعطافِكَ وأستارِ كعبةِ ذاكرتِكَ المباركة اُذكرْ اسمي فقط أو عنوان سكني لأبحث عنِّي بنفسي، أو أي شيءٍ يتعلَّقُ بي.. بي أنا.. أنا!”.
“… وعليه يا صديقي العزيز لا تغضب، هل أنت تسمعني اِنتبه لكلامي؟ أراك سارحاً، رجاءً اِنس الأمر، نعلم أن عبد السميع بالغ في كيده لك بنشره للقصيدة في صحيفة اليوم بعد أن ذاعها علناً في منصة الأمسية الشعرية بجمعية (مشاجب الثقافة) الجمعة السابقة، ومع أنه لم يصرِّح باسمك في القصيدة فالجميع كانوا يعلمون أنها قصيدة مُغرِضَة كتبها في هجائك بالتضمين والإشارة…”.
“ما الجديد في أنه لم يذكر اسمي؟! لا أحد يذكر اسمي، تذكرون كل شيءٍ إلا اسمي!”. يقول في لحظته الراهنة إذ يتذكَّر تلك الليلة الموغلة وراء أغشيةِ غموضها، ثم يرتدُّ منها بخفَّي حُنَين يتأمل تمثال اللحظة الراهنة المنحوتة بإزميلٍ يطمسُ ملامحها وآنها وأينها. وأيضاً تلك الليلة، فكَّر، متى وأين كانت. ماذا يعرف عنها غير ما يذكره من أحاديثها الفضفاضة كثوبٍ يغلِّف الجسدَ والهواءَ فيبدو الهواءُ أوضحَ مما يتضحُ من انحناءات الجسد تحته. كان في مسرح تلك الليلة يومئ لرفيقه وهو يمارس طقس الثرثرة عن عبد السميع، وفقط يومئ كما يذكر ووراء إيماءاته يربض غضبه المكتوم، من القصيدةِ وصاحبِها وشلَّتِه المُحيطةِ به من أعضاء جمعية مشاجب الثقافة. ولكنه عند العبارة السابقة قاطع رفيقه:
“لا يهمُّ إذا كان قد ذكر اسمي أم لا، فالجميع كانوا يعلمون أنه يقصدني أنا كما ذكرت أنت بنفسك!”.
كيف لا يهم؟! كيف؟! كيف؟! كيف؟! هذه المرَّة فكَّر أن يخنق نفسه بيديه، ينتزع لسانه ويحرقه، ينثر رماده لريحٍ تبدِّده في أقصى المسافات، فكَّر في طقوس أخرى يعاقب بها نفسه لأجل تفوهِه بهذه العبارة في تلك الليلة. ألم يفكر للحظة أنه قد يفقد الذاكرة ولا يجد بين يديه غير هذه الليلة وتلك الأحاديث الهامَّة. أما فكَّر أن عبد السميع هذا بهجائه له إن كان قد ذكر اسمه لقدَّم له خدمةً جليلة. أليس له الحق في معرفة اسمِه المضمَّنِ في القصيدة كما يعرفه الجميع؟! ألا يهمُّه أكثر مما يهمّهم؟! بدأ يفرقعُ أصابعه بعصبيةٍ في لحظته الراهنة إذ يحاول أن يغترفُ من تلك الليلة الماءَ فيسحبُ في يده السرابَ ينسابُ من بين أصابعِه. بدا كمن يبذر بذور اللاشيء وينتظر أن تُنبِتَ نخلاً ويجني رطباً. فرقع أصابعه عِدَّة مرات بعصبيةٍ متناميةٍ في هياجها. ولكنه في تلك الليلة بعد عبارته السالفة، مضى في السيناريو الذي ليس في طوع كل فرقعاته أن تعدِّلَه.
دلقوا جميعاً كؤوسهم في إناء القصيدة، يتحدثون عنها إذ صارت أُمثولة الحكايةِ والدندنةِ والجدلِ في تلك الليلة، بمن فيهم هو والرجال الخمسة على الأريكة والكرسين الاثنين. شرَّحوا جسد القصيدة بمشارحهم النقدية، اتفقوا بلا نطق على براعة عبد السميع في تشكيل اللغة وتركيب الجمل وإزاحة صور الشعر في نثرها بانفراج زوايا الألفاظ والمعاني والتراكيب، تمدُّ في اللا منطوق لسان استعاراتها للشعراءِ ولنقادِ الشعر الحداثي المنادين باستعادةِ التقليدِ الشعرِيّ من جراب العصر، وتمدُّ للموصوفِ كنايةً عنه بغرض الإبهام سمَّاً ناقعاً يجترعه بكأس الشِّعر.
تداولوا القصيدة سطراً سطراً، ومعنًى معنًى، ظاهراً أو متوارياً مختبئاً خلف حجارة المعنى القريب. هجاهم جميعاً عبد السميع، ولكنه بالذات خصَّص قصيدته لهجائه هو بالتحديد، ومرَّ عابراً سريعاً خفيفاً في هجاءِ شلَّتِه. ولكنه تالياً بالذات أفحشَ في حقه وأظهره صغيراً حقيراً في أمسية الجمعية، وأضحك عليه الأصدقاء والأعدقاء والأعداء. وبينما هم يدندنون، الرجال الخمسة على الأريكة والكرسيين الاثنين، كانت ضحكاتهم تفلتُ أحياناً قبل أن يخمدوها بسرعة كيلا يصبَّوا زيتاً على النارِ في جوف صاحبهم.
أخرج الأوسط ذاته في الأريكةِ هاتفه النقَّال من جيبه وقال ضاحكاً بينما يمرِّر إصبعه على الشاشة ساحباً المصوَّرَ مضيئاً على شاشتها: “لقد نشرها عبد السميع صباح اليوم في حائطه بموقع فيسبوك، وقد حصدت تعليقات طريفة، أقترح ألا تمرَّ بصفحته إذا كان ذلك قد يغضبك!”. خطف فوراً الهاتف من يده وصاح:
“أعطني الهاتف! سأقرأ الآن!”.
فرقع أصابعه كأنه في لحظته الراهنة على وشك أن يصطاد غزالة الفكرة التي لهث في سعيه وراء آثارها في البراري المجهولة التي تشيأت مرآةً تعكس هيئة ماضيه. اندَّس في نفسه أملٌ وراحةٌ بين أفيائهما قد يكمن اسمه في تعليق من هذا أو ذاك في صفحة الشاعر يصرِّح باسمه ويكفيه فجاجةَ الدندنة والجدل. يذكر أنه قلَّب صفحة عبد السميع في حائطه الأزرق رأساً على عقب، فوجد المعلِّقين إذ يضحكون ويكبسون وجه السخرية المرسوم ضاحكاً أسفل المنشور القصيدة قد تواطأوا على لكزه بالتعريض بدون ذكر اسمه بجهارةِ التصريح. أعاد للأوسط جهازه الجوَّال واحتفظ لنفسه بخيبته تجولُ في نفسه حسرةً مطلقةَ السراح.
“ولكنك يا …”.
يا من؟! قله، قله، قله! كاد أن ينفطر قلبه إلى جزأين إذ تشطره مدية الذكرى كلما تهيأ له النداء يبرق ثم يخبو في عتمة السماء. يا من؟!
أردف الأوسط قائلاً وهو يزلق هاتفه في جيبه العلوي بعد أن تشاغل به قليلاً فعلِقَ انتباهُه بصورته الضوئية على الشاشة: “ولكنك يا عزيزي لا تعلم أن الحقير عبد السميع نشر القصيدة أيضاً في الصفحة الثقافية التي يحرِّرها صاحبه الأُفْعُوان بصحيفة فضاءات الوطن الصادرة صباح اليوم”. ثم أخرج من جيبه صحيفةً مطبَّقةً بعنايةٍ جيدةِ الطيِّ ومدَّها إليه. فردها أمام ناظريه وقلَّبَ ورقاتها بسرعةٍ إلى حيث الصفحة الثقافية وحشد تركيزه في قراءة القصيدة يجردها كلمةً كلمة. لكمْ ظل يقرأ لا يدري، فالزمن مستعصٍ على الأقيسة، لا يمكنه تقدير كم دورةً دارت عقارب الساعة، أو كم رملَاً تسرَّب وارتفع كثيباً في أسفل ساعة الرملِ الزجاجية، أو لأي مسافةٍ انزاحَ وتمطَّى الظلُّ المُنبعثُ من العصا الأفقية على لوحِ ساعة المِزْوَلَة إذما اشتغلت بقياسِ الوقت الممتدِ فيما قبل الميلاد.
ولمَّا اكتفى من القراءة أعاد تطبيقها بأصابع يرسلُ ارتجافها رسائل التوتر والقلق. حشرها مطبَّقةً في جيبه وأطرق في الأرض ملياً، ثم رفع رأسه. وجد نفسه وحده، فقط هو، انقشع الرفاق والطاولة والأريكة والكرسيين الاثنين والنافذة والقمر، انقشع الصالون بكامله كدخانٍ إذ تنفثه سرعان ما يسيحُ في الهواء وتبقى منه الرائحة.
هو في ذات غرفته يعتدلُ لديه الليل والنهار في ميزان اليقظة لا يدري في أيهما هو. يحوكُ ذهنُه على مِنوَالِ الفراغِ ليتذكَّر اسمَهُ فيطيشُ جهدهُ سدًى في غيوم النسيان. تبدو تلك الليلة باهتةً في غورها عميقاً، بعيداً، نائيًا، عمَّا يعيه الآن واضحاً في وعيه بحضوره في الوجود عارياً من أية ذكرى يتعمَّمُ بقماشها رأسه.
خبط براحة يده جبهته: “وجدتها، وجدتها!”. وأدخل يده في جيب بنطاله وحين تلمَّست أطرافُ أناملِه ورقَ الصحيفةِ المطويَّةِ بعنايةٍ أطلقَ صيحةَ المعزولِ ناجياً من الغرق إلى جزيرةٍ في محيطِ الماءِ تتراءى له سفينةٌ بعد طولِ انتظارٍ وضياعٍ ووحدة. أخرج الصحيفة وفردَ أجنحتها الورقية، وفي طريق القارئ إلى صفحةٍ بعينها، الصفحة الثقافية حيث القصيدة، التقطت عيناه تاريخ اليوم الذي صدرت فيه الصحيفة فجحظتا وكادتا تنقلعان من محجريهما لتلتصقا بالورق، قرَّب الصحيفة إلى وجهه وحشد تركيزه مُدقِّقاً النظر.
كان تاريخ إصدارها سابقاً للصحيفة القديمة الصادرة قبل ثلاثة أشهر، التي كان يتصفَّحها في جلسته شبيهة الاِستلقاء على الظهرِ، يمدُّ قدميه إلى آخرهما غائصاً بجسدِه في إسفنجِ كرسِيِّ الجلوس، تغطِّي نصفه الأعلى الصحيفةُ المفرودةُ فوق عينيه اللتين تسلبان منها أخباراً تزيده ضجراً وتأففاً، ولا يرى رفاقه منه غير قدميه اللتين تسلَّلتا من تحت الصحيفة، وعندما استوى في جلسته ألقاها إلى جواره في تلك الليلة.
أمَّا الصحيفة بين يديه الخارجة تواً من جيبه فقد قال الأوسط أنها بتاريخ ذلك اليوم بينما هي صادرة قبل تاريخ الصحيفة الذي مازال يذكره بثلاثة أشهرٍ أيضاً. “أي أن تلك الليلة هي في مستقبلي لا فيما مضى! سينشر عبد السميع القصيدة بعد ستة أشهرٍ من الآن!”.
وعاد إلى التنقيب في ذاكرته متجهاً هذه المرَّةِ في اتجاه كشوف المستقبل، يتذكر أنه يجلس في هيئةِ الاستلقاء متباعداً عن رفاقه الخمسة على الأريكةِ والكرسيين الاثنين ويقرأ الصحيفة الصادرة قبل ثلاثة أشهر ثم يلقيها، ثم يسحب كرسيه متقارباً إلى رفاقه، يتصفح الهاتف الجوَّال الخاص بالرجل الأوسط في الأريكة، يأخذ منه الصحيفة الصادرة في ذات اليوم. يخرج إلى لحظته الراهنة يعيد احتساب وتقدير الأمر من جديد ويتجه إلى الماضي يبحثُ ويرتدُّ إلى المستقبل بكشَّافٍ يصدر منه وهيجُ ضوء لعلهُ يضيء آثاره المفقودة إن وجدها في سعيه.
“أتراني لا أذكر تاريخ الصحيفة التي كنت أقرأها بصورةٍ جيدةٍ، ماذا لو كانت هي الصادرة قبل التي بين يديَّ؟! ولكن هي فعلاً صدرت قبلها والصحيفة التي مدَّها إليَّ أحد الرفاق هي صحيفة ذلك اليوم! إذن كيف تصدر صحيفة اليوم قبل التي صدرت قبلها بثلاثة أشهر التي قرأتها أولاً؟! لأعكس الأمر: إذا فرضت أن صحيفة صديقي هي صدرت في ذات اليوم والأخرى ستصدر بعدها بثلاثة أشهر فكيف أكون قد قرأتها وهي لم تصدر بعد؟!”.
ولمَّا عجَّ المضمار في رأسه بأتربةِ الحيرةِ المُثارةِ بحوافر أفكاره المتسابقة؛ ولمَّا استقرَّ في إدراكه أن الحبل يسحب دلوَه ممتلئاً بالتفاصيل ذاتها من بئر الذاكرة المظلمة، مضى يحوكُ ذهنُه على مِنوَال الفراغِ نكالاً للنسيان وكيدِ الذاكرة إلى تلك الليلة يقلِّبُ أوراقها.

