‫الرئيسية‬ ثقافة الصايم لمعاوية قيلي: لا تزال مساحات المقروئية في مجتمعنا ضئيلة جداً (1 – 2)
ثقافة - 31 يوليو 2020, 13:12

الصايم لمعاوية قيلي: لا تزال مساحات المقروئية في مجتمعنا ضئيلة جداً (1 – 2)

في هذه المقابلة يجري القاص والناقد، د. معاوية محمد الحسن قيلي، حواراً مع الروائي عمر الصايم. وتمتد العلاقة الإبداعية والإنسانية بين الكاتبين لثلاثين عاماً، هي سنوات مقاومة الشمولية الإسلاموية، ومقاومة القبح بجماليات الكتابة والإبداع، وفي الجزء الأول من الحوار يحاول معاوية الكشف عن الأسبار الروائية والأطر الرؤيوية في العالم السردي للصايم. (المحرر)

 

(معاوية محمد الحسن قيلي)

معاوية: دعنا في البداية نتحدث عن أكثر أعمالك ذيوعاً (مارخدر)، فلقد طرح هذا العمل الكبير في اعتقاد الكثيرين مسألةً حيويةً مهمةً تتعلق بجدلية الأنا والآخر، هل تعتقد أنَّك ومن خلال هذا العمل تمكنت من طرح هذه العلاقة المعقدة والشائكة بصورة صادمة ومغايرة من شأنها أن تضعك ككاتب في مواجهة محتملة مع بعض القوى المحافظة والأكثر جموداً التي تسعى لتكريس بقاء أشكال العلاقات التقليدية للمجتمع، القائمة على التباينات الدينية والإثنية، الأمر الذي يدفعنا إلى القول إنَّ العمل بإمكانه أن يسهم في شفاء ضمير الكاتب، مثلما هو قادر كذلك – من ناحية أخرى – على استخلاص الحكمة الخاصة ببناء التعايش السلمي ومساعدة المتلقي في إنجاز تحرر الوعي الخاص به تجاه مثل هذه القضايا .. كيف يمكن قراءة (مارخدر) في هذا الجانب بشكل عام؟

الصايم: (مارخدر) وبوصفها عملاً أدبياً؛ أعادت التركيب الفني لثنائية الأنا والآخر، وهي مسألةٌ شديدة الحضور في حياتنا السودانية، لكنَّه حضورٌ شفاهيٌّ وموروث، باهتٌ، متشابكٌ، ومعقد. مسألةٌ تجري على عواهنها، ومسكوتٌ عنها، يتم التغاضي عنها كتابةً وقولاً، مع معايشة نتائجها وممارساتها يومياً.

التركيب في (مارخدر) للمسألة صادمٌ من حيث المفارقات، توترات الرواة، ونهايات مصائر الشخوص، كل ذلك قاد لظهور الثنائية كمحور في النص، وأتصور أنَّ النص قدم ذلك بصورة مغايرة نوعاً ما، وصادمة كثيراً .. ومع ذلك لا أتصور أنَّها تضعني بوصفي كاتب النص في أي مواجهة مع بعض القوى الاجتماعية المحافظة أو الجامدة، المكرسة لعلاقاتها القديمة، لا أتصور ذلك ليس استناداً إلى سماحتها، وحسن ظنها، أو طيب معشرها، إنَّما لأنَّها ثنائية تضاد ومقت تصنعه قوى لا تقرأ، ولا تجيد طرح أفكارها التي توسوس بها، تتلقف بانتهازية ثمرات تجليها في المؤسسات السياسية، قوي متهافتة كهذه لن تجرجر أذيالها لخلق صدام مع كاتب يقرأه عددٌ محدود من الناس، مهما علا صيته؛ إذ لا تزال مساحات المقروئية في مجتمعنا ضئيلة جداً.

ولو عدت يا صديقي إلى تاريخ نشر الرواية؛ ستجد أنَّه تمَّ في فترةٍ شديدة الإظلام، ومع ذلك قال الرقيب: “دعه يكتب دعه يمر”، لأنَّه – أي الرقيب – يضمر درايةً بالواقع ومحددات حراكه، يجس بخبراته أي الآليات أفضل لاستدامة الثنائية .. الصدام، أم الصمت.. طبعاً أنت تذكر تجارب صدامية، دعني أكون أوضح في حديثي معك، وأقول إنَّ هذه التجارب صنعها بعض الكُتَّاب في غمار البحث عن النجومية، ومبتغاهم في المجد الأدبي، تعمدوا الانجرار إلى المصادمة، أوسوّقوا لها في إطار من المعتركات العامة، قد أجد وغيري وقتاً لنكتب عن ذلك وتأثيراته على الواقع الثقافي.. صحيح أنَّ بعض القوى الرسمية والشعبية تبدي ضجراً وممانعة، لكنها سرعان ما تختار الصمت، وحبال المراوغة، مرتكنة إلى حقيقة سيادتها الفعلية على حياتنا.

واقعنا سيئٌّ للغاية فيما يخص قدرتنا على إيجاد مقاربة لميلاد إنسان جديد، لا تصرعه الثنائيات، ويشترك بعض في إطالته بتحويل فرصة الحوار إلى كرنفال استعراضي أوصمت متعمد. ضمير الكاتب ليس سوى ضمير إنسان عادي، يحن إلى عافية الحياة، ولا أظنه يرتاح بمجرد إخراج مقولاته بين جلدتي كتاب، ما يريح الكاتب فعلاً هو أن يتسق مع ما يقول، أن يرى ما طرحه من مشاريع خطوط التحقق، وبالتأكيد فرحته ستكتمل إذا بذر شيئاً في تربة تحرر الوعي، وفي حالتنا يجب أن ننطلق من حالة الإجماع السكوتي (الجاثمة) إلى حالة البوح والتكلم عن قضايانا بوضوح، وستأتي في غضون ذلك صدامات، انتكاسات، ولكنها جميعاً ستفضي إلى ولادة جديدة، وإن تعسرَّتْ.

معاوية: عملك الروائي الثاني (أزمنة الصرماتي) جاء بعد فترة متقاربة من صدور (مارخدر) التي أحدثت نوعاً من الحراك النقدي حول مشاريع الكتابة الجديدة، وهذا العمل – بحسب الكثيرين – يرصد التحولات العميقة التي طرأت على مجتمعنا بعد صعود طبقة من المثقفين الانتهازيين إلى سدة السلطة بمعاونة العسكرتاريا، وأفول نجم الطبقة الوسطى كنتاجٍ حتميٍّ لتخلخل البنى التقليدية للمجتمع خلال حقبة التسعينيات التي شهدت على المستوي المحلي استحواذ القوى اليمينية على السلطة مما أدى إلى سيادة فكر أحادي ظلامي، قادَ لاحقاً إلى تخريب نسيج الدولة والمجتمع، هذا بالإضافة إلى انهيار المنظومة الاشتراكية وهيمنة تيارات ما بعد الحداثة على آفاق الفكر عالمياً .. ما هي الرؤية التي تقدمها (الصرماتي) في هذا المنحى؟

الصايم: في اتجاهات أقدم من حقبة التسعينيات يمكن أن نتلمس نواة الدوامة الظلامية، وما فترة تحطم الطبقة الوسطى، وصعود انتهازيين طفيليين مدججين بأيديولوجيا إسلاموية إلا تجلٍ لأعلى موجات الدوامة التي انكسرت في ديسمبر مع بقاء آثار التحطيم، ما زالت الأشجار مقتلعة، ونحن مبعثرون في العراء الوطني.

رواية (الصرماتي) تبدأ من مركز الدوامة، وتمر بمرحلة الهيجان الشعاراتي، ثم اندلاع الثورة. انظر إلى عبد القادر الصرماتي في الرواية ستجده من مواليد ما بعد إعدام عبد القادر ودحبوبة، عاش طفولته في وادٍ معزول، تزوج مجهولةً من مسيد، اشتغل حرفةً هامشية. وهو معاصر تاريخياً لمحمد أحمد المحجوب، معاوية نور، التجاني الماحي، وتلك النخبة من المتعلمين الأوائل، أشير هنا إلى انتقائية التعليم في مبتدأه، بيد أنَّ الرجل لم يتلقَ تعليماً.

عبر حياته متعلمون من أجيال مختلفة، ولكنهم لم يحدثوا تغييراً إيجابياً فيها، بل فقد شقيقه في عنبر جودة في بواكير حكومة ما بعد الاستقلال .. ابنه أصاب حظاً من التعليم ولكنه تنكَّر له ولحياته، وتلك عقدةٌ نفسيةٌ وخصيصةٌ لبعض منتسبي التعليم المدني.

يبرز (الصرماتي) في النص بصوت الراوي العليم (متحدثاً عنه بضمير الغائب) كما قد ظلَّ غائباً مُغيَّباً في الواقع، بينما شخوص الرواية الأبطال معه يتحدثون بضمير المتكلم، وهكذا هم يفعلون في الواقع، التحدث، الحذاقة المدعاة، وحذلقة تجاربهم.

(الصرماتي) أحدوثة عن فشل المتعلمين في تفهم مجتمعهم، في تبيئة المفاهيم الحديثة، وفي جعلها هياكل مشيدة. رغم أنَّها تنزع نحو الواقعية، الاجتماعية، وتتوغل في المحلية؛ إلا أنَّ أسئلة الإنسان الوجودية ظلَّت تلح على النص .. ورغم أنَّها تجربةٌ فنياً مغايرة لتجربتي في (مارخدر) إلا أنَّني أتعاطى معها كمحاولةٍ في تبصر وتطوير بناء الشخصية السودانية داخل النص الروائي، وتفاعلات هذه الشخصية مع محيطها. كل المقولات الكبيرة: (حداثة، ما بعدها، كولونيالية … إلخ) خاضعةٌ للمساءلة الأدبية، ما دام (الصرماتي) يتأذى وحيداً، مبتدعاً طرائقه في مواجهة الحياة، ومحاذاة الموت.

 

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال