‫الرئيسية‬ ثقافة أدب المناهج التعليمية.. نهاية حصّة التسميع
ثقافة - 25 يوليو 2020, 12:49

أدب المناهج التعليمية.. نهاية حصّة التسميع

كتب: مغيرة حربية

ما تزال المناهج التعليمية تتواضع على مواضيع ونصوص أدبية تقتصر على حقب أدبية قديمة، بنصوصها التقليدية ولغتها المُغتربة في التاريخ. لا تتعدى هذه المناهج المنحى التاريخي للأدب، ويغيب الطالب عن مفهوم الحداثة أو مفهوم الأدب المعاصر بتشكيلاته الجديدة، ذلك ما يجعل الطالب متنازعاً بين زمنين، بل يضعه، كلياً، في الماضي.

وشوه العهد الإسلاموي المباد العملية التعليمية برمتها – كما يرى مهتمون بحقل التعليم – وفق مشروع صياغة الإنسان السوداني الذي خلف ارتفاعاً مروعاً للأمية في البلاد من (37) في المائة إلى (57) في المائة بحسب إحصاءات المجلس القومي لمحو الأمية، وتدنى الذوق الجامعي كثيراً بتراجع مستوى التعليم. وظلت المناهج التعليمية في السودان منذ أمد بعيد أسيرةً لإطار مفاهيمي محدد.

وشرعت حكومة الانتقال بعد الثورة في غربلة المناهج لتغييرها بما يتوافق مع دفق الحريات الهائل واللحظة الثورية التي استعاد فيها السودانيون زمنهم، وصرح الدكتور القراي الذي تولى حقيبة المناهج والبحث التربوي أن “المنهج الدراسي الحالي تقليدي وقائم على الحفظ والتلقين وليس الفهم كما ينبغي، فضلاً عن أنه يحتوي على مواد كبيرة تشكل عبئاً على التلاميذ، إضافة إلى احتوائه على مئات الأخطاء وهو كذلك يحتوي على واجبات تتطلب الحفظ وكثافة القرآن الكريم والأحاديث على حساب الرياضيات والعلوم”.

أجيال منغلقة

ليست النصوص الأدبية والسردية – بطبعها – أعمالاً مجانية، للتسلية والرفاهية الذهنية، بل تنخرط في الأسئلة الحارقة، وتعبر عن صور الحياة في المجتمع، تأملات الناس، واقعهم، ورغبتهم في فهم الحياة والوجود. يعكس الأدباء والفنانون، جمالياً، صور الحياة في تمثلات التاريخ واللحظة المعاصرة تطلعاً لمستقبل أفضل وحر.

فكيف يمكن أن نبني منهجاً أدبياً تعليمياً، حراً ومبتكراً، يتأسس على قيم التحليل والتفكيك وإعادة البناء والإنتاج الفكري؟

في تقدير الروائي حمور زيادة، صاحب رواية (شوق الدرويش) أن المدخل الرئيس لهذه المسألة هو إرادة القائمين على تحديث العملية التعليمية، إذ يجب أن يتمتعوا بتفتح الذهن الملائم لاستيعاب أهمية دراسة الأدب بكلياته في مراحل التعليم المختلفة. ويضيف زيادة لـ(مداميك): “وفق فلسفة التعليم المطلوبة يتم تأسيس ذائقة الطلاب بين دراسة الأدب الكلاسيكي وبين دراسة الأدب الحديث”.

(حمور زيادة)

ويؤكد حمور أن للكلاسيكيات أهمية لم يتم تجاوزها بعد. لكن للأسف لم تكن الفلسفة التعليمية للمناهج القديمة المكتظة بكلاسيكيات الجارم وعمر أبو ريشة والعقاد ومدرسة أبولو، لم تكن مهتمة بتأسيس فائدة حقيقية تتجاوز الحفظ والتلقين. فإن دخل الأدب الحديث على المناهج بذات الشكل “البيروقراطي”  – يقول حمور – فلا أظن أنه سيحدث فرقاً، وستتساوى دراسة (الشاعر الطموح) للجارم بدراسة (نار الزغاريد) لأمير تاج السر.

ويواصل: “بحسب ظني فإن دراسة الأدب الحديث تُساعد الطالب على ربط الأدب بواقعه، فلا يعود مجرد محفوظات ثقيلة لا معنى لها”. ويستدعي حمور منهج ثمانينيات القرن الماضي: “كنا ندرس قصيدة عن القطار وكيف أن (لا جن ولا سحرة بقادرين على أن يلحقوا أثره). كنا ندرس ذلك بينما طائرة (الكونكورد) الأسرع من الصوت تطير في رحلات تجارية منذ نهاية الستينيات”؛ ويضيف: “ويشرح لنا المعلم مادة عن (المذياع) ونحن -في الخرطوم على الأقل- نشاهد التلفزيون الملون كل مساء”.

ويرى حمور أيضاً أن دراسة الكلاسيكيات وحدها أنتجت جيلاً منغلقاً على بلاغة ديوانية قديمة، ويُعدُّ جملاً مثل “القناعة كنز لا يفنى” هي قمة مرتقى التعبير.

“إن في تدريس الأدب الحديث فرصة لتوسيع مدارك الطلاب، وربط لهم بالواقع المتحرك مما يحفز الخيال ورغبة المعرفة القلقة بعكس طمأنينة وركود دراسة شعر وأدب القرون الماضية وحده”، يضيف حمور.

ويرى الأستاذ عبد القادر ابراهيم المهتم بأدب الأطفال أن المكتبة المدرسية – كجزء من أدب الأطفال، فهناك صحافة الطفل ومسرح الطفل وغيرهما – هي الخطوة الأولى بعد المطالعة لينتقل الطفل إلى القراءة المنفردة  لجهة  غرس  الثقة بالنفس وتعزيز القدرة على التفكير.

فقهنة الأدب

ويرى الكاتب وأحد الممارسين لمهنة التعليم في السودان، عادل سعد يوسف، في حديثه لـ(مداميك) أن المناهج التعليمية في السودان تتبنى مداخل تعليمية قديمة، أبعدت الأدب من غاياته وأهدافه وأصابته بالضمور والتخلف حتى عن الدول العربية نفسها، والتي تم نقل كثيرٍ من مناهجها خاصةً في اللغة العربية دون وعي بالمحتوى الاستراتيجي للمنهج، ويضيف: “هذه العقلية ما زالت قائمةً في عصر الانفجار المعرفي، إن ظهور مناهج جديدة تتناول الدرس الأدبي، والاحتفاء بالمتلقي ومدى تفاعله مع المقروء  ودوره في تشكيل النص على ضوء السياق، يعمل بالضرورة على تفكيك سلطتها”.

ويواصل يوسف: “إن تاريخ منهج الأدب منذ بواكيره الأولى المعهدية ركنت إلى ما أسميه فقهنة الأدب.. أي أن النص الأدبي المراد تبنيه لا بد أن يخضع لرؤية فقيه ما (النص الأنموذج)، بمعنى آخر مدى التزام النص بالمعيارية الفقهية الأخلاقية بعيداً عن جمالياته وطرائقه الأسلوبية، وهذا شكَّلَ منهجاً حبيساً للتاريخ، ويقوم على الرواية عن عصور غابرة دون الوعي بحركية التاريخ نفسها، ويتناسى عن عمد الربط بين الآداب والوطن متمثلاً في جغرافيته الثقافية وارتباطه الإنساني العام”.

(عادل سعد يوسف)

“إن تبني مناهج جديدة يعتمد على طريقة رؤيتنا للأدب”، يقول عادل، ويستشهد بدراسة للدكتور عبد اللطيف عبد القادر علي، يقول فيها: “أن ننتقل من الوظيفة التليسكوبية إلى الوظيفة الميكروسكوبية (رصد الوقائع ورؤية النص من الخارج) إلى بحث التفاعلات بين القارئ والنص، ودور القارئ في تجديد متن النص، وإعادة إنتاجه من جديد”.

ويقول أيضاً: “بهذا الفهم لم يعد كما تزعم الطرق التقليدية أن الأدب يقتصر على الشعر والنثر فقط، بل إن التفاعل بين العلوم الإنسانية المختلفة يحتم علينا النظر في ميدان الفنون وتفاعلاتها، وهذا يمدنا بنظرة متسعة لمفهوم الأدب”.

على الصعيد الحقلي (تدريس الأدب) لا بد للمعلم (الميسر) من الإلمام باليسير من مناهج النقد والطرائق التحليلية في مقاربة النصوص المختلفة – يقول عادل – التي بالضرورة تسهم في الرفع من درجة تلقي المادة.

ويخلص عادل إلى أن المناهج تسعى إلى مقاصد وأهداف عامة وأخرى خاصة ترتبط بقيم تربوية واجتماعية وثقافية وسياسية. إذ لا يوجد تعليم محايد فهو إما أداة للقهر أو محفز  للتحرير، لذلك  يطرح الفيلسوف والمفكر التربوي باولو فريري في كتابه (تعليم المقهورين) تصوراً للمنهج الذي بني على تكريس قيم السلطة والمنهج الذي يقوم على التحرير، ما سمَّاه التعليم الحواري الذي يستند على الحوار بوصفه علاقةً تضامنية في معرفة العالم وإدراكه، وهو تعليم يقوم على الوعي الناقد، وبين التعليم البنكي الذي يستند على الاستيداع التلقيني وحشو الذاكرة دون استثمار كفايات التفكير الفردية وتطويرها إيجابياً.

ويرى منشغلون بالأدب أن المناهج يجب أن تلامس تأسيسا في أقصى بعد تاريخي لها مع ارتكاز حركة التنوير والوعي بالذات السودانية، وأن تتأسى بكتابات حمزة الملك طنبل التي تتوافر على نقد رصين لكل ما هو شكلاني أو تقليدي وبتحولات الجماعات الأدبية التي شكلت رؤية مناوئة للاستعمار، مرورا بالأدب الحر وأدبيات الحساسيات الجديدة.

 

رؤيتان

ومن رائعات السوانح بالنسبة للشاعر والكاتب محجوب كبلو أن يكون على رأس إدارة المناهج إصلاحي مشهود له بالانفتاح على المستقبل.

يقول كبلو لـ(مداميك): “كما هو معلوم فإن للتربية الدور الأعظم في تشكيل حياة الإنسان وتحديد أهدافه ورؤاه”.

(محجوب كبلو)

ويرى كبلو أن هناك رؤيتين تصطرعان في هذا الحقل: ماضوية ومستقبلية، ويقول: “الأولى ترى أن البشرية أنجزت أكبر مهامها وأفضل منتوجها في الماضي بحسبانه ذهبياً، أما الرؤية الثانية، وهي المستقبلية التي ترى أن البشر محكومون بالتقدم كمجتمع، مثلما أن الإنسان محكوم بالحرية كضمير، فالضمير قدس أقداس لا تمتد إليه شبهة استعباد، وهذا ينطبق على المجتمع الإنساني فهو محكوم عليه بالتقدم، وإذا حاول الإفلات من هذا الحكم سيواجه مصير إخوته الذين انمحت أنواعهم من المملكة الحيوانية”.

ولمن يوجهون هذا الأمر يسوق كبلو نصف البيت الشهير في ختام إفادته: “أمامك فانظر أي نهجيك تنهج”.

ماهو رأيك في هذا المقال ؟

Average rating 0 / 5. Total : 0

كن أول من يقيم هذا المقال